التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٦
تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ
٢٨
قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٩
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ
٣٠
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣١
قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ
٣٢
إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٣
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٣٤
-آل عمران

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {الحي من الميت والميت من الحي} بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بالتخفيف على "فيل". {منهم تقية} بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب. الباقون {تقاة} بضم التاء. وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.
الوقوف: {ممن تشاء} ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما {ونذل من تشاء} ط {الخير} ط {قدير} ه، {في الليل} ز للفصل بين الجملتين المتضادتين {من الحي} ز لعطف المتفقتين {حساب} ه، {المؤمنين} ج {تقاة} ط {نفسه} ط {المصير} ه، {يعلمه الله} ط {وما في الأرض} ط {قدير} ه، {محضرا} ج والأجوز أن يوقف على {سوء} تقديره وما عملت من سوء كذلك. {بعيداً} ط {نفسه} ط {بالعباد} ه {ذنوبكم} ط {رحيم} ه {والرسول} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. {الكافرين} ه، {العالمين} (لا) لأن {ذرّية} بدل. {من بعض} ج {عليم} (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر". /التفسير: إنه سبحانه لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه صلى الله عليه وسلم طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: {قل اللهم} ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء. وإنما أخرت تبركاً باسم الله تعالى وهذا من خصائص اسم الله. كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله. وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء. وخففت الهمزة من أمّ. وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا. ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد. وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب. {ومالك الملك} نداء مستأنف عند سيبويه. فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل. وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله". عن ابن عباس وأنس بن مالك
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية. وعن عمرو بن عون "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخبره صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول من سلمان فضربها صلى الله عليه وسلم ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون وقال صلى الله عليه وسلم: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال صلى الله عليه وسلم: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب صلى الله عليه وسلم الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا. فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت. وقال الحسن: إن الله تعالى أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما. وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم. {مالك الملك} أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله تعالى. ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: {تؤتى الملك من تشاء} أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك. فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل. وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق. والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين. ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً { أبعث الله بشراً رسولاً } [الإسراء: 94] ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً صلى الله عليه وسلم فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟ { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [الزخرف: 31] وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها. وقد روينا في تفسير قوله: { قل للذين كفروا ستغلبون } [آل عمران: 12] أن اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وعددهم فرد الله تعالى على جميع هؤلاء الطوائف بأنه سبحانه مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: { الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } [البقرة: 257] فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط. ومثله { أو لتعودنّ في ملتنا } [الأعراف: 88] مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها. وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً. ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله تعالى. فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله تعالى سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له. فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.

لو كان بالحيل الغنى لوجدتني بتخوم أقطار السماء تعلقي
لكن من رزق الحجى حرم الغنى ضدان مفترقان أيّ تفرق
ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك. والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك. في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة. وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص {وتعز من تشاء وتذل من تشاء} كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } [المنافقون: 8] وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله تعالى وتقديره {بيدك الخير} أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء. وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني. وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: {إنك على كل شيء قدير} ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير. {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس. ففي كل منهما قوام العالم ونظامه. أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه. فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه {وتخرج الحي من الميت} المؤمن من الكافر { أو من كان ميتاً فأحييناه } } [الأنعام: 22] أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس. والنطفة تسمى ميتاً { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم } } [البقرة: 28] أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس. فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء { يحيي الأرض بعد موتها } [الحديد: 17] {وترزق من تشاء بغير حساب} تقدم مثله في البقرة. وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم. ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله. بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين} بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين. قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ. والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر. وقوله: {من دون المؤمنين} يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين. عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم. فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود. فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية. وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت. وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم. وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة { لا تتخذوا بطانة من دونكم } [آل عمران: 118] { لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } } [المائدة: 51] { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } } [المجادلة: 22] وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: {يا أيها الذين آمنوا} وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: {من يفعل ذلك فليس من الله} أي من ولايته أو من دينه {في شيء} يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: {من دون المؤمنين} ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال:

تود عدوّي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب

قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث. فالتقاة اسم وضع موضع المصدر. قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من". ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى عليه السلام: كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله. وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب. ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فقال: نعم نعم نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" . ونظير هذه الآية { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } [النحل: 106] ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة. وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة. ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس. ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله صلى الله عليه وسلم: " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن. قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين. وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة. وهذا أرجح عند الأئمة. {ويحذركم الله نفسه} قيل: أي عقاب نفسه. وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب. وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره. وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل. ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: {قل إن تخفوا ما في صدوركم} أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف {أو تبدوه يعلمه الله} يتعلق به علمه الأزلي. ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: {ويعلم ما في السموات وما في الأرض} ثم قال إتماماً للتحذير {والله على كل شيء قدير} ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: {يوم تجد} وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد. وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تعظيماً لشأنه مثل { مالك يوم الدين } [الفاتحة: 3] وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر. والأظهر أن العامل فيه {تود} والضمير في {بينه} لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً. والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً. والمقصود تمني بعده كقوله: { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } [الزخرف: 38] ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى. ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ {تود} احتمل أن يكون {تود} صفة {سوء} والضمير في {بينه} يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون {ما عملت} مبتدأ من الصلة والموصول و{تود} خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و{تود} جزاء له وهو قليل كقوله:

وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب ما لي ولا حرم

وقراءة عبد الله {ودت} يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم {ويحذركم الله نفسه} تأكيد للوعيد {والله رؤوف بالعباد} قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه. ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: { عيناً يشرب بها عباد الله } [الدهر: 6] كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين. ثم إنه تعالى دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: {قل إن كنتم تحبون الله} قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام. فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" . فأنزل الله {قل إن كنتم تحبون الله} وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه {فاتبعوني يحببكم الله} فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه. وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له. والحاصل أن كل من يدعي محبة الله تعالى من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابعته. فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره. فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: { والذين آمنوا أشد حباً لله } [البقرة: 165] تحقيق المحبة وأنها من الله تعالى عبارة عن إعطاء الثواب. وقال: {ويغفر لكم ذنوبكم} ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل. {والله غفور} في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي {رحيم} في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة. يروى أنه لما نزل {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت {قل أطيعوا الله والرسول} وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله تعالى أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه {فإن تولوا} أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة. ثم إنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: {إن الله اصطفى آدم ونوحاً} الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار. وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية. أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة. أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله صلى الله عليه وسلم " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم عليه السلام { وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض } [الأنعام: 75] ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام. ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ. وقال صلى الله عليه وسلم: " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء. ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك. وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه. ومثله ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب صلى الله عليه وسلم ريح يوسف من مسيرة أيام. وقال صلى الله عليه وسلم " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق. وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟ بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه تعالى لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً. وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال تعالى: { سنقرئك فلا تنسى } [الأعلى: 6] ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب. وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟ وأما القوة المحركة فكعروج النبي صلى الله عليه وسلم وعروج عيسى عليه السلام إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار. وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات. ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته. ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم صلى الله عليه وسلم شعبتان: إسماعيل وإسحق. فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص. فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم. فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوة ونور الملك إليه صلى الله عليه وسلم وبقي الدين والملك في أمته صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: { ومن ذريتي } [البقرة: 124] بعد قوله: { إني جاعلك للناس إماماً } [البقرة: 124] وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون. وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه { إذ قالت امرأة عمران } [آل عمران: 35] ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى عليه السلام بالخوارق التي ظهرت على يده. فالله تعالى يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى: { وجعلناها وابنها آية للعالمين } [الأنبياء: 91]. {ذرية} بدل ممن سوى آدم {بعضها من بعض} قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } [التوبة: 67] وذلك لاشتراكهم في النفاق. وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم. وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق. وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان. ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا. {والله / سميع} لأقوال العباد {عليم} بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً. ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك. ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.
التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان. {وتعز من تشاء} بعزة الوجود النوري، {وتذل من تشاء} بذل القبض القهري، بيدك الخير. {إنك على كل شيء قدير} تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير. تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية. لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس. فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات. {ويحذركم الله نفسه} أي من صفات قهره {قل إن تخفوا ما في صدوركم} من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس {ويعلم ما في السموات} قلوبكم {وما في الأرض} نفوسكم {يوم تجد كل نفس ما عملت} أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول. واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات. أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله صلى الله عليه وسلم، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله. وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن
"جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب:

وما أنا بالباغي على الحب رشوة ضعيف هوى يرجى عليه ثواب

والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة:

أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا

ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال:

سأعبد الله لا أرجو مثوبته لكن تعبد إعظام وإجلال

والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية،

غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا أتينا طائعينا

وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو. وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر. وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله. قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخيررحمه الله قوله: { يحبهم ويحبونه } [المائدة: 54] فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه. والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه. والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم {فاتبعوني} بالأعمال الصالحة {يحببكم الله} يخصكم بالرحمة {ويغفر لكم} ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة. وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: {فاتبعوني} بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال {ويغفر لكم ذنوبكم} يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته. وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم {فاتبعوني} ببذل الوجود {يحببكم الله} يخصكم بجذبكم إلى نفسه {ويغفر لكم} ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً. {قل أطيعوا الله والرسول} فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم. {إن الله اصطفى آدم} وذلك أن الله تعالى خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف { ونفخت فيه من روحي } } [ص: 72] فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي {بعضها من بعض} بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة {والله سميع} لدعائهم {عليم} بأحوالهم وخصالهم.