التفاسير

< >
عرض

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
٩١
وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٩٢
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
٩٣
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٩٤
إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٩٥
فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٩٦
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٩٧
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
٩٨
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٩٩
وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ
١٠٠
-الأنعام

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {يجعلونه} {يبدونها} و {يخفون} بياآت الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على الخطاب {ولينذر} بياء الغيبة: أبو بكر وحماد. الباقون: بتاء الخطاب {بينكم} بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل. الباقون: بالرفع {وجعل الليل} على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون {وجاعل الليل} على لفظ اسم الفاعل وبالإضافة {وجنات} بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب {فمسستقر} بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب. الباقون: بالفتح {ثمره} بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس. الباقون: بفتحتين {وخرقوا} بالتشديد: أبو جعفر ونافع. الباقون: بالتخفيف.
الوقوف: {من شيء} ط {كثيراً} ط لمن قرأ {يجعلونه} بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم {آباؤكم} ط {قل الله} ط لأن قوله ذرهم} معطوف على {قل} {يلعبون} ه {ومن حولها} ط {يحافظون} ه {أنزل الله} ط {أيديهم} ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير حذف أي يقولون أخرجوا {أنفسكم} ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة {تستكبرون} ه {ظهوركم} ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم {شركاء} ط {تزعمون} ه {والنوى} ط {من الحي} ط {تؤفكون} ه {فالق الإصباح} ج لمن قرأ {وجعل} لانقطاع النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى الفعل في فالق {حسباناً} ط {العليم} ه {والبحر} ط {يعلمون} ه {ومستودع} ط {يفقهون} ه {ماء} ج للعدول مع اتحاد المقصود {متراكباً} ط ومن قرأ {وجنات} بالرفع فللعطف على {قنوان} لفظاً فيلزمه وقفه على {دانية} وإلا فليعطف ويفهم أن {جنات} من جملة النخل، ومن خفض فوقفه على {متراكباً} جائز للعطف على قوله {خضراً} مع وقوع العارض {وغير متشابه} ط {وينعه} ط {يؤمنون} ه {بغير علم} ط {يصفون} ه.
التفسير: اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد. فبعد ذكر دليل التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال {وما قدروا الله حق قدره} قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة. وقال أيضاً في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير. وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته. وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه. وقال الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدراً من التقدير أي حرره وعرف مقداره. ثم بيّن سبب عدم عرفانه بقوله {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله تعالى، لأنه إما أن يدعي أنه تعالى ما كلف أحداً من الخلائق تكليفاً أصلاً وهو باطل لأنه فتح باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضاً جهل. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون العقل كافياً في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟ فالجواب هب أن الأمر كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا أعين بنور من خارج كنور الشمس أو السراج. وأيضاً تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال لإحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شراً في نفس الأمر فلزم أن يكون التعيين من الله سبحانه بكونه أعرف بالبواطن كقوله
{ الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] وإنما يعرف ذلك المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقاً له، ومن أنكر ذلك ولم يجوّز خرق العادة فقد وصف الله تعالى بالعجز ونقصان القدرة. وقد طعن بعض الملحدة في الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} على أن قوله {تجعلونه قراطيس} بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرّون بنزول التوراة على موسى والإنجيل على عيسى. وأيضاً الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ومناظرات اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كانت مدنية، فكيف يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟ والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى. وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاماً لهم في قولهم {ما أنزل الله على بشر من شيء} ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى متشاركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وآله لم يبعد أن يكون الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أوّلاً ولأهل الكتاب آخراً وأما إن كانوا أهل الكتاب - وهو المشهور عند الجمهور - فالوجه ما روي عن ابن عباس أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلاً سميناً دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود" . فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال: إنه أغضبني: ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. فلعل مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} أي لما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل عليّ شيئاً غاية ما في الباب أن تطالبني بالمعجز. والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء بعض وإخفاء بعض. وقيل: اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيراً من الفقهاء قالوا: التعليق مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق. ويرد على هذا التوجيه أن قوله {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} لا يكون مبطلاً لكلام الخصم. أما قوله "إن السورة مكية والمناظرات مدينة" فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنه نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم.
ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن قوله {وما قدروا الله حق قدره} يفيد أن عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله تعالى وإن كانوا مقرين بالنبوة والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر
{ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته } [الزمر: 67] ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله {من أنزل} مبطلاً لقوله {ما أنزل الله على بشر من شيء} ومنها أن النقض يقدح في صحة الكلام وإلا لم يكن في قوله {من أنزل} حجة. ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلاً ضعيف وإلا بطلت حجة الله تعالى في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك. ومنها أن الغزاليرحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه شيئاً، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئاً فينتج من الشكل الثاني أن موسى ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية وهي قولهم {ما أنزل الله على بشر من شيء} فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف. ثم اعلم أنه سبحانه وصف كتاب موسى بكونه نوراً وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة. فالمراد بالنور ظهوره في نفسه. وبالهدى كونه سبباً لظهور غيره كقوله في وصف القرآن { ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا } [الشورى: 52] قال أبو علي الفارسي {يجعلونه قراطيس} أي ذات قراطيس أي يودعونه إياها. فإن قيل: إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟ قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره {وعلمتم} أيها اليهود على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله محمداً، فظهر أن المراد منها هو البشارة بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله { لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم } [يس: 6] {قل الله} أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله سبحانه. ونظره { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } [الأنعام: 19] والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أولم يقر فالغرض حاصل. {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و{يلعبون} حال من {ذرهم} أو من {خوضهم} ويحتمل أن يكون {في خوضهم} حالاً من {يلعبون} وأن يكون صلة له أو لـ {ذرهم}. والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله { إن عليك إلا البلاغ } [الشورى: 48] قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية. ثم لما ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال {وهذا كتاب أنزلناه} وفائدة هذا الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمداً مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام {مبارك} كثير خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم النظرية والعملية. وقد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز بعز في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك. {مصدق الذي بين يديه} أي موافق لما قبله من الكتب الإلهية. أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت فيها بحسب الأزمنة والأمكنة. وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم. ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير منسوخة {ولتنذر} من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند الإنذار إلى الكتاب مجازاً لأنه سبب الإنذار { إنما أنذركم بالوحي } [الأنبياء: 45] وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن الأراضين دحيت من تحتها. وقال أبو بكر الأصم: لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعاً، وأيضاً الناس يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم. وقيل: لأن الكعبة أول بيت وضع للناس. وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم القرى ومن حولها. قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه مبعوث إلى العرب فقط. وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ما عداها لا سيما وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين. ويحتمل أن يقال: ما حوالي مكة يتناول جميع البلاد {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} أي بهذا الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر {وهم على صلاتهم يحافظون} يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة الصلوات. وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها.
ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادّعى النبوّة وإنزال الكتاب عليه فرية وافتراء فقال {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} قال المفسرون: نزلت في الكذابين مسيلمة الحنفي والأسود العنسي. عن النبي صلى الله عليه وسلم
"رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني. فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي" . {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} كان مسيلمة يقول: محمد صلى الله عليه وسلم وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي معارضة القرآن وهو قوله { لو نشاء لقلنا مثل هذا } [الأنفال: 31] وروي أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا تلا عليه "سميعاً عليماً" كتب هو "عليماً حكيماً" وإذا قال "عليماً حكيماً" كتب "غفوراً رحيماً" فلما نزل { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } [المؤمنون: 12] أملاه الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما وصل إلى قوله {أنشأناه خلقاً آخر} عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة، ثم أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمن له. ثم فصل ما أجمل من الوعيد فقال {ولو ترى} الآية. وجوابه محذوف أي لرأي يا إنسان أمراً عظيماً {إذ الظالمون} يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة. فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه. وغمرات الموت شدائده وسكراته. وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة {والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟ وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات {والملائكة باسطوا أيديهم} بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم {أخرجوا أنفسكم} من هذا العذاب الشديد إن قدرتم. ومنها {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} عند نزول الموت بهم في الدنيا {والملائكة باسطوا أيديهم} لقبض أرواحهم يقولون لهم {أخرجوا أنفسكم} من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول: أخرج إليّ مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك. ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقوله القائل: امض الآن لترى ما يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى العذاب وإليه الإشارة في الحديث " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف. وفي الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن المخرج يجب أن يكون مغايراً للمخرج منه {اليوم} يريد وقت الإماتة أو الوقت الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة {تجزون عذاب الهون} كقولك "رجل سوء" بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة كما أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة المبالاة بالشيء ومنه بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة. والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة {بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بمجموع الأمرين: الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها. قال الواحدي {وكنتم عن آياته تستكبرون} أي لا تصلون له لقوله صلى الله عليه وسلم "من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر" .
{ولقد جئتمونا} يحتمل أن يكون معطوفاً على قول الملائكة {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون} ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله تعالى إن جوزنا أنه يتكلم مع الكفار {فرادى} جمع ينون ولا ينوّن واحده. قيل: فرد على غير قياس: فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة. وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر {كما خلقناكم} أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئاً مثل خلقنا لكم. {أوّل مرة} والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله {ولقد جئتمونا فرادى} أي منفردين عما يجب من الأعمال والعقائد. ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق التقريع بقوله {وتركتم ما خوّلناكم} أي أعطينا وتفضلنا به عليكم {وراء ظهوركم} يعني أنها كالشيء الذيي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه الانتفاع به وربما بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه {وما نرى معكم شفعاءكم} أي ليسوا معكم حتى يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله {لقد تقطع بينكم} الآية. من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله { وتقطعت بهم الأسباب } [البقرة: 166] يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره. وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان غداً فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعاً كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم. والمعنى لقد تقطع وصلكم. قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده. فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله {ولقد جئتمونا فرادى} ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا يخاطب بقوله {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} بل يكون من زمرة { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } [المزمل: 20] كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله. ثم إنه سبحانه لما فرغ من تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حال المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله فقال {أن الله فالق الحب والنوى} أي بالنبات والشجر. وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق. وعن ابن عباس والضحاك: الفلق هو الخلق. ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل. واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من المدة أظهر الله في أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وههنا عجائب منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهويّ في الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس. فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة الموجد المختار. ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوّة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير العزيز العليم. ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار. ومنها أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ولحمه حار رطب. ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه يكون كله مطلوباً كالتين. فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة. تتضمن حكماً وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها. ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطاً واحدا ًمستقيماً يشبه النخاع في بدن الإنسان ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقائق أصغر من الأول، فكأنه سبحانه أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة. فإذا وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير.
ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله {يخرج الحي من الميت} لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان ولهذا قال
{ يحيي الأرض بعد موتها } [الحديد: 17] ثم عطف على قوله {فالق الحب} قوله {ومخرج الميت من الحي} قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشراً حياً ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضاً، أو يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعاً وبالعكس. يحكى أن إنساناً سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم أنه سموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوّة حرارة سم الحية سبباً لدفع ضرر برد الأفيون. ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن قوله {ومخرج الميت} معطوف على قوله {يخرج} وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ههنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف لفظ الاسم ولهذا قال { هل من خالق غير الله يرزقكم } [فاطر: 3] ليفيد أنه يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس {ذلكم الله} المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت {فأنى تؤفكون} فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن الإعادة أهون من الإبداء؟ ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما فوقها وهي الأحوال الفلكية فقال {فالق الإصباح} وهو مصدر سمي به الصبح، المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة. ثم إنه سبحانه شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولاً من النور. فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به. أو المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم "انشق عمود الفجر وانصدع الفجر" أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة في تفسير قوله عز من قائل { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار } [البقرة: 164] ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله سبحانه فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك أسقطناها عن درجة الاعتبار. النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على التوحيد قوله {وجاعل الليل سكناً} حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك {والشمس والقمر} منصوبان ولا بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر "جاعل" بمعنى "جعل". والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه. ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه كما قال { لتسكنوا فيه } } [يونس: 67] فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله تعالى وآيتان على وحدته وقدرته. النوع الثالث قوله {والشمس والقمر حسباناً} أي سببي حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما. والحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر. وقيل: إنه جمع حساب مثل "شهاب" وشهبان". قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث. فالنصب على إضمار فعل دل عليه {جاعل الليل} أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به ههنا الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر. فلا تقصد زماناً دون زمان فتكون الإضافة غير حقيقة ويكون لليل محل. قلت: وهذا مناقض لما ذكره في { مالك يوم الدين } [الفاتحة: 3] من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة. وأما وجه الجر فظاهر. ووجه الرفع كونهما مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسباناً {وذلك} الجعل {تقدير العزيز} الذي قهرهما {العليم} الذي دبرهما. وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات والجزيئات. النوع الرابع قوله {وهو الذي جعل لكم النجوم} عد ههنا من منافع النجوم كونها سبباً للاهتداء إلى الطرق والمسالك {في ظلمات البر والبحر} حيث لا يرون شمساً ولا قمراً. والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما. وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر. وأيضاً اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياء مع أنها لا تصلح للإلهية بالاتفاق دليل على تنزيه الله سبحانه من هذه السمات ولهذا قال {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب.
ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال {وهو الذي أنشأكم} أي خلقكم بطريق النشؤ والنماء {من نفس واحدة} هي آدم وحوّاء مخلوقة من ضلع من أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة "كن" أبو بالنفخ وهي من آدم {فمستقر} من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر {و} منكم {مستودع} الأول اسم فاعل والثاني اسم مفعول. ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم مستودع. فيكون كلاهما اسمي مكان أو مصدراً. وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضاً بما يشاكله استحساناً. وعن ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله
{ ونقر في الأرحام ما نشاء } [الحج: 5] ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان. وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أوّلاً واستقرت هناك، ثم حصلت في الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على المستودع. وعن الحسن: المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمناً والفاسق صالحاً والوديعة على شرف الزوال والذهاب. وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. وعنه أيضاً المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث. وعن قتادة بالعكس. وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة. وحاصل الكلام أن الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن بتدبير فاعل قدير مختار خبير. ولهذا قال {قد فصلنا الآيات} ميزنا بعضها عن بعض {لقوم يفقهون} لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاماً، ولأن آيات الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء أصلاً فضلاً عن العلم. ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال {وهو الذي أنزل من السماء ماء} قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت. وقال أكثر أهل الظاهر: أي من السماء نفسها لأنه تعالى فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد. ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله تعالى أعلم. قال ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ومعها ملك. والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى مركزها. {فأخرجنا به} أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ينكرونه {نبات كل شيء} قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك. وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية إلى الغيبة حيث لم يقل "نحن الذين أنزلنا" والثاني من الغيبة إلى الحكاية وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك. ثم لما بين أن السبب وهو الماء واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله {إن الله فالق الحب والنوى} فقال {فأخرجنا منه} أي من النبات {خضراً} شيئاً أخضر طرياً وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. {نخرج منه} أي من ذلك الخضر {حباً متراكباً} بعضه على بعض. قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر. والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة. ولما ذكر ما نبت من الحب أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال {ومن النخل} وهو خبر وقوله {من طلعها} بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل {قنوان} أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه. والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو. والقنو العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق النخلة. قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من تحتها. وعنه أيضاً أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض. قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال { سرابيل تقيكم الحر } [النحل: 81] ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأتم. وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها بالثمر لا تنتظر الطول {وجنات من أعناب} بالنصب عطفاً على {خضراً} أي وأخرجنا به جنات من أعناب. ومن قرأ بالرفع فعلى أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على قنوان وإن جوّزه في الكشاف، إذا يصير المعنى وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب. أما قوله {والزيتون والرمان} بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين. قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف. واعلم أنه سبحانه قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا سيما للعرب. ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات كثرة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من بقية طينة آدم" ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ينتفع به من أوّل ظهوره إلى آخر حاله. فأوّله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع لإسكارها. وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة للمعدة الضعيفة الرطبة. ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جداً لأنه قشر وشحم وعجم وماء. والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، وكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات فاكتفى بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيهاً على البواقي. وأما قوله {مشتبهاً وغير متشابه} ففي تفسيره وجوه الأوّل أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذّة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس. الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة. ومنهم من قال: بعض حبات العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت على أوّل حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا. وإنما قال {مشتبهاً} ولم يقل "مشتبهين" إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله:

رماني بأمر كنت ووالدي بريئا ومن أجل الطويّ رماني

{انظروا إلى ثمره} من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر وشجرة. ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضاً مثل: خشبة وخسب. قال تعالى { كأنهم خشب مسندة } [المنافقون: 4] أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر {إذا أثمر} إذا أخرج ثمره {وينعه} يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً بالفتح والضم إذا أدركت ونضجت. أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أوّل حدوثها وفي آخر حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، وربما كانت أوّل الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ضيئلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، ثم يؤول إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأوّل ومبدع الكل، ولهذا ختم الآية بقوله {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} قال القاضي: المراد لمن يطلب بالإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوّتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله تعالى في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ألبتة ويكون من زمرة من قال في حقهم {وجعلوا الله شركاء الجن} قال الكلبي: عن ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا إن الله تعالى وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب. قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي، ثم عرّب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه تعالى فكر في مملكة نفسه واستعظمها ففعل نوعاً من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان. والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل أنهم يقولون: عسكر الله تعالى هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين فيهم أيضاً كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله تعالى مع عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحداً وهو أهرمن. وانتصاب {الجن} على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول لـ {جعلوا} و {شركاء} ثانيه ويكون {لله} طرفاً لغواً. وفائدة تقديم المفعول الثاني على هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائناً من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً، ولذلك قدم اسم الله على الشركاء. وقرىء {الجن} بالرفع كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الجن. وبالجر على الإضافة التي للتبيين. وقيل: إن الآية نزلت في الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله. وحسن إطلاق الجن على الملائكة لاستتارهم عن العيون. ومعنى كونهم شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ومعينة لله إعانة الولد للوالد. وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما يطاع الله. أما قوله {وخلقهم} فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك. والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق وما ذاك إلا الله سبحانه، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر. وإن قلنا. إنها نزلت في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد. وإن عاد الضمير إلى الجاعلين فالمعنى. وعلموا أن الله خلقهم دون الجن كقوله { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله } [لقمان: 25] ولم يمنعهم علمهم أن يتّخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق. والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم. وقرىء {وخلقهم} بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم { والله أمرنا بها } [الأعراف: 28] ثم حكي عن قوم آخرين نوعاً آخر من الإشراك فقال {وخرقوا له بنين وبنات} وذلك قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من قال {وجعلوا لله شركاء الجن} نزل في كفار قريش لأنه لزم التكرار من غير فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه بمعنى. قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم. ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات. أما قوله {بغير علم} فكالتنبيه على إبطال قولهم، فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولداً لأن ذلك الولد إن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخرة تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجوداً بإيجاد الواجب وكان عبداً له لا ولداً. وأيضاً الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد. وأيضاً الولد جزء من أجزاء الوالد ومن لم يكن مركباً استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد. ثم نزه نفسه عما لا يليق به فقال {سبحانه} وهذا على لسان المسبحين {وتعالى عما يصفون} وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا. والمراد بالتعالي العو بالشرف والرفعة بدليل قوله عما يصفون.
التأويل: {وما قدروا الله حق قدره} حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو اعترفوا بذلك أيضاً لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط. نعم تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه {تجعلونه قراطيس} أي في القراطيس، وما يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه {وعلمتم} بتعليم محمد صلى الله عليه وسلم {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} كقوله
{ ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } [البقرة: 151] ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سراً بسر وإضماراً بإضمار، والذي علم النبي هو الله وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب {مصدق الذي بين يديه} لأنه يصدق حقائق جميع ما في الكتب {ولتنذر أم القرى} وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها {ومن حولها} من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوّروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه. {والذين يؤمنون بالآخرة} فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية وشهوات النفس وهواها {يؤمنون} بالقرآن {وهم على صلاتهم} بالترقي في صفاتهم إلى التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها نصيب، {أو قال أوحي إليّ} الإشارات ولم يلهم نفسه شيئاً منها، ومن قال متشدّقاً متفيهقاً سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمة وافترائه عند سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرهاً لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب التعلقات {ولقد جئتمونا فرادى} عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات الكونين {كما خلقناكم أوّل مرة} في أوّل خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب. {وتركتم} بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة {ما خولناكم} من تعلق الكونين {وراء ظهوركم وما نرى معكم} الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله {لقد تقطع بينكم} وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة { ارجعي إلى ربك } [الفجر: 28] ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله بالله ونفى السدرة وهو يقول { وما منا إلا له مقام معلوم } [الصافات: 164] {إن الله فالق} حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحق في الدارين. وأيضاً يخرج نخل الإيمان الحق من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله {فالق الإصباح} فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات. وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل البشرية ستراً عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف البشرية {والشمس والقمر حسباناً} يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب. وأيضاً تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة "أنا الحق وسبحاني" وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى. {ذلك تقدير العزيز} الذي لا يهتدى إليه إلا به {العليم} بمن يستحق الاهتداء إليه {وهو الذي جعل لكم النجوم} نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب {لتهتدوا بها في ظلمات} بر البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية. {وهو الذي أنشأ} أرواحكم من روح واحد هو روح محمد صلى الله عليه وسلم "أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي البشر" فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح. وأيضاً من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو مستقر ببقاء الحق باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء {قد فصلنا} دلالات الوصول في الوصال {لقوم يفقهون} إشارات القلوب {وهو الذي أنزل} من سماء العناية {ماء} الهداية {فأخرجنا به نبات كل شيء} من أنواع المعارف {فأخرجنا منه خضراً} طرياً من المعاني والأسرار {يخرج به} من الحقائق ما تركب بعضها فترتب بعضها على بعض {ومن النخل} يعني أصحاب الولايات من طلعها} من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين أي منهم من يكون مريئاً فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة والانقطاع عن المريدين. {وجنات} يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوّة الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان الفروع {مشتبهاً} أي متفقاً في الأصول والفروع {وغير متشابه} أي مختلفاً فيما بين العلماء {انظروا} إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام {وينعه} أي الكامل منها. {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} بأحوالهم وينتفعون بأموالهم وأحوالهم. {وجعلوا لله} إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات.