التفاسير

< >
عرض

أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٥
وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ
٦
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٧
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
٨
-هود

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ...} الآية: قيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إِذا لقيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم؛ كالمتستِّر، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم، تباعداً منهم، وكراهيةً للقائه، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه، أوْ عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وقيل: هي ٱستعارةٌ للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ عليه، فمعنى الآية: أَلاَ إِنهم يُسِرُّون العداوةَ، ويَتَكَتَّمون بها، لِتَخْفى في ظَنِّهِم عن اللَّه وهو سبحانه حينَ تغشِّيهم بثيابهم، وإِبلاغِهِم في التستُّر، يعلَمُ ما يُسرُّون، و{يَسْتَغْشُونَ }: معناه يجعلونها أغشيةً وأغطيةً.

قال * ص *: قرأ الجمهور: «يَثْنُونَ» - بفتح الياء -؛ مضارع ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْياً: طَوَاهُ. انتهى، وقرأ ابن عبَّاس وجماعة: «تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ» - بالرفْعِ -؛ على وزن «تَفْعَوْعِلُ»، وهي تحتملُ المعنيين المتقدِّمين، وحكى الطبريُّ عن ابن عبَّاس على هذه القراءة. أنَّ هذه الآية نزَلَتْ في قومٍ كانوا لا يأتون النساءَ والحَدَثَ إِلاَّ ويستَغْشُونَ ثيابهم؛ كراهيةَ أنْ يُفْضُوا بفروجهم إِلى السماء.

وقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا...} الآية، المرادُ جميعُ الحيوانِ المحتاجِ إِلى رزْقٍ، والمستقر: صُلْب الأبِ، و«المستودَعُ»: بَطْن الأُمِّ، وقيل غير هذا، وقد تقدَّم.

وقوله: {فِي كِتَـٰبٍ}: إِشارةٌ إِلى اللوح المحفوظ.

قال * ص *: {لِيَبْلُوَكُمْ } اللام متعلِّقة بـــ«خَلَقَ» وقيل: بفعلٍ محذوفٍ، أي: أَعْلَمَ بذلك لَيَبْلُوَكُمْ، انتهى.

{وَلَئِن قُلْتَ }: اللام في «لَئِنْ»: مُؤذنةٌ بأَنَّ اللام في {لَيَقُولَنَّ } لامُ قسم، لا جوابِ شرطٍ، وقولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تناقُضٌ منهم؛ لأنهم مقرُّونَ بأن اللَّه خلق السمٰوات والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيْسَرُ من ذلك، وهو البَعْثُ مِنَ القبورِ، وإِذْ خَلْقُ السمٰواتِ والأرضِ، أكْبَرُ من خَلْقِ الناس.

{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ }، أي: المتوعَّد به {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ }، أي مدَّةٍ معدودة {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ }، أي: ما هذا الحابسُ لهذا العذاب؛ على جهة التكذيب، {وَحَاقَ }: معناه: حَلَّ وأحاطَ. البخاريُّ: حاق: نَزَلَ.