التفاسير

< >
عرض

قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
١٠٨
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠٩
حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ
١١٠
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١١١
-يوسف

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُواْ إِلَى ٱللَّهِ...} الآية: إِشارةٌ إِلى دَعْوة الإِسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زَيْد: المعنى هذا أمري وسُنَّتي ومِنْهاجي والـــ {بَصِيرَةٍ}: ٱسْمٌ لمعتقد الإِنسان في الأمْر من الحقِّ واليقين.

وقوله: {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}: يحتمل أنْ يكون «أَنا» تأكيداً للضمير المستكنِّ في «أَدْعُوا» و«مَنْ» معطوفٌ عليه؛ وذلك بأنْ تكون الأمَّة كلُّها أُمَرَتْ بالمعروف داعية إِلى اللَّه الكَفَرَةَ والعُصَاة.

قال * ص *: ويجوزُ أنْ يكون «أَنا» مبتدأ، و«على بصيرة» خَبرٌ مقدَّم، و«مَنْ» معطوفٌ عليه انتهى، {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ } تنزيهٌ للَّه، أي: وقل: سبحانَ اللَّهِ متبرِّياً من الشِّرْك.

وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم...} الآية: تتضمَّن الردَّ على من ٱستغرب إِرسَالَ الرُّسُل من البَشَرِ، و{ٱلْقُرَىٰ}: المُدُن. قال الحسن: لم يَبْعَثِ اللَّه رسولاً قطُّ من أهْل البادية.

قال * ع *: والتَّبَدِّي مَكْرُوه إِلا في الفتْنَة، وحين يُفَرُّ بالدين، ولا يعترضُ هذا بِبُدُوِّ يعقوب؛ لأن ذلك البُدُوَّ لم يكُنْ في أهْل عمودٍ، بل هو بتَقَرٍّ، وفي منازلَ ورَبوع؛ وأيضاً إِنما جعله بُدُواً بالإِضافة إِلى مصْر؛ كما هي بناتُ الحَوَاضِر بَدْوٌ بالإِضافة إِلى الحواضر، ثم أحال سبحانه على ٱلاعتبار في الأمم السالفة، ثم حَضَّ سبحانه على الآخرة، وٱلاستعداد لها بقوله: {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ...} الآية.

قال * ص *: {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ}: خرَّجه الكوفيُّون على أنَّه من إِضافة الموصُوفِ لصفته، وأصله: «ولَلدَّارُ الآخِرَةُ»، والبصريُّون على أنه من حَذْف الموصوف، وإِقامة صفته مُقَامَهُ، وأصله: «ولَدَارُ المُدَّةِ الآخِرَةِ أو النَّشْأَةِ الآخِرَةِ». انتهى.

ويتضمَّن قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }؛ أن الرسلَ الذين بعثهم اللَّهُ مِنْ أهْل القُرَى، دَعَوْا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى نزلَتْ بهم المَثُلاَتُ، فصاروا في حَيِّز مَنْ يُعْتَبَرُ بعاقبته، فلهذا المضمَّن حَسُنَ أَنْ تدخل «حتى» في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ }.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا» - بتشديد الذال -، وقرأ الباقون: «كُذِبُوا» - بضم الكاف، وكسْر الذال المخفَّفة، فأما الأولى، فمعناها أنَّ الرسل ظَنُّوا أن أممهم قَدْ كَذَّبتهم، و«الظَّنُّ»؛ هنا: يحتملُ أنْ يكون بمعنى اليَقِينِ، ويحتمل أنْ يكون الظَّنُّ على بابه، ومعنى القراءة الثانية؛ على المشهور من قول ابن عباس وابنِ جُبَيْر: أي: حتَّى إِذا استيأس الرسُلُ من إِيمان قومِهِم، وظَنَّ المُرْسَلُ إِليهم أَنَّ الرسُلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما ٱدعَوْهُ من النبوَّة، أو فيما توعَّدوهم به من العذاب، لما طال الإِمهال، وٱتصلَتِ العافيةُ، جاءهم نَصْرنا، وأسند الطبريُّ أنَّ مسلم بن يَسَارٍ، قال لسعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، آيةٌ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مبلغٍ: «حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ»؛ فهذا هو الموت أَنْ تظنَّ الرسُلُ أنهم قد كُذِبوا - مخفَّفة -، فقال له ابن جُبَيْر: يا أبا عبد الرحمٰنِ، إِنما يَئِسَ الرسُلُ مِنْ قومِهِم؛ أنْ يجيبوهم، وظَنَ قومهم أن الرسل قد كَذَبَتْهُمْ، فقام مُسْلِم إِلى سعيدٍ، فٱعتنقه، وقال: فَرَّجْتَ عني، فَرَّجَ اللَّهُ عنك.

قال * ع *: فرضِيَ اللَّهَ عَنْهم، كيف كَانَ خُلُقُهُمْ في العِلْمِ، وقال بهذا التأويل جماعةٌ، وهو الصَّواب، وأما تأويلُ مَنْ قال: إِن المعنى: وظَنُّوا أنهم قد كَذَبَهُمْ مَنْ أخبرهم عن اللَّه، فغير صحيحٍ، ولا يجوزُ هذا على الرسُلِ، وأين العَصْمة والعِلْم.

* ت *: قال عِيَاضٌ: فإِن قيل: فما معنَى قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْـئَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ }؛ على قراءة التخفيف؟ قُلْنَا: المعنى في ذلك ما قَالَتْهُ عائشةُ رضي اللَّه عنها مَعَاذَ اللَّهِ، أنْ تَظُنَّ الرُّسُلُ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ، لَمَّا استيأسُوا، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ وعدهم النصْرَ مِنْ أتباعهم، كَذَبُوهم؛ وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين، وقيل: الضمير في «ظَنُّوا» عائدٌ على الأتباع والأممِ، لا على الأنبياء والرسل؛ وهو قول ابن عباس والنَّخَعِيِّ وابنِ جُبَيْر وجماعةٍ، وبهذا المعنى قرأ مجاهدٌ: «كَذَبُوا» بالفَتْح، فلا تَشْغَلْ بالك مِنْ شَاذِّ التفسير بسواه ممَّا لا يليقُ بمَنْصِب العلماء، فكَيْفَ بالأنبياء، انتهى من «الشفا».

وقوله سبحانه: {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا }: أي: بتعذيب أممهم الكافرة.

{فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ}: أي: من أتباع الرسلِ.

{وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ }: أي: الكافرين، و«البَأْسُ»: العذاب.

وقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ }: أي: في قصص يوسُفَ وإِخوته وسائِرِ الرسلِ الذين ذُكِرُوا على الجملة، ولَمَّا كان ذلك كلُّه في القرآن، قال عنه: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ }، و{ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } التوراةُ والإِنجيلُ، وباقي الآية بيِّن واضحٌ.

* ت *: كنت في وَقْتٍ أَنْظُرُ في «السيرة» لابْنِ هِشامٍ، وأتأمَّل في خُطْبة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي أوَّلُ خُطْبة خَطَبَها بالمَدِينَةِ، فإِذا هاتف يقولُ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ }، وقد كانَ حَصَلَ في القَلْبِ عِبْرَةٌ في أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم وأفاضِل أصحابه، رضي اللَّه عنهم أجمعين، وسلك بنا مَنَاهِجَهُمُ المَرْضيَّة، والحمد للَّه، وسَلاَمٌ على عباده الذين اصطفى وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد، وعلى آله وصَحْبه وسلَّم تسليماً.