التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ
٨٠
ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
٨١
وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
٨٢
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ
٨٣
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
٨٤
-يوسف

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {فَلَمَّا ٱسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ...} الآية يقال: يَئِسَ وَٱسْتِيْأسَ بمعنًى واحدٍ، قال البخاريُّ: {خَلَصُواْ نَجِيًّا}: اعتزلوا، والجَمْع أَنْجِيَةٌ، وللاثنين والجمع نَجِيٌّ وأَنْجِيَة انتهى.

وقال الهَرَوِيُّ: {خَلَصُواْ نَجِيًّا }: أي تَمَيَّزوا عن الناس متناجين انتهى.

و{كَبِيرُهُمْ }: قال مجاهدٌ هو شَمْعُونُ، كان كبيرهم رَأْياً وعِلْماً، وإِن كان رُوبِيلُ أَسنَّهم، وقال قتادة: هو روبيلُ، لأَنه أسنُّهم، وهذا أظهرُ ورجَّحه الطبريُّ، وذكرهم أخوهم ميثاقَ أبيهم: { { لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } } [يوسف:66].

وقوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ }: قال: * ص *: «بَرَحَ» التامَّةُ بمعنى ذَهَبَ وظَهَرَ؛ ومنه: برح الخَفَاء، أي: ظهر، والمتوجَّه هنا: معنى «ذهب»، لكنَّه لا ينصب الظرف المكانيَّ المختصَّ إِلا بواسطة، فٱحتيج إِلى تضمينه معنى «فارق»، والأرض مفعولٌ به، ولا يجوزُ أنْ تكون «أبرح»: ناقصةٌ انتهى.

وقوله: {ٱرْجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ }: الأمر بالرجُوعِ قيلَ: هُوَ مِنْ قولِ كبيرهم، وقيل: من قَوْلِ يوسُفَ، والأول أظهرُ، وذكر الطبرِيُّ أَنَّ يوسُفَ قال لهم: إِذا أتيتم أباكم فٱقرؤوا علَيْه السَّلام، وقولوا له: إِنَّ مَلِكَ مِصْرَ يدْعُو لك أَلاَّ تمُوتَ حَتَّى تَرَى ولدك يوسُفَ، ليعلم أَنَّ في أرض مِصْرَ صِدِّيقين مثله، وقرأ الجمهور: «سَرَقَ»، وروي عن الكسائي وغيره: «سُرِقَ» - ببنائه للمفعول -.

{وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}: أي: بٱعتبار الظَّاهر، والعِلْمُ في الغَيْبِ إِلى اللَّه، ليْسَ ذلك في حِفْظنا، هذا تأويل ابْن إِسحاق، ثم ٱستشهدوا بالقرية التي كانوا فيهَا، وهي مِصْر؛ قاله ابن عباس، والمراد أهْلُها، قال البُخَارِيُّ: {سَوَّلَتْ}: أي: زَيَّنَتْ، وقولُ يعقُوبَ: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } يعنى بيوسُفَ ويَامِينَ ورُوبِيلَ الذي لَمْ يَبْرَحِ الأَرضَ، ورجاؤه هذا مِنْ جهاتٍ، منها: حُسْن ظَنِّه باللَّه سبحانه في كلِّ حالٍ، ومنها: رؤيا يوسُفَ المتقدِّمة؛ فإِنه كان ينتظرُها، ومنها: ما أخبروهُ عَنْ مَلِكِ مِصْر؛ أنه يدعو له برؤْية ٱبْنِهِ.

وقوله سبحانه: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ }: أي: زال بوجْهه عنْهم مُلْتَجِئاً إِلى اللَّه: {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ}.

قال الحسن: خُصَّت هذه الأمَّة بالاستِرجاعِ؛ أَلاَ تَرَى إِلى قول يعقُوبَ: {يَٰأَسَفَىٰ}.

قال * ع *: والمراد يا أسفَي، لكنْ هذه لُغَةُ مَنْ يردُّ ياء الإِضافة ألفاً؛ نحو: يا غُلاَما، ويَا أَبَتَا، ولا يبعد أَنْ يجتمع ٱلاسترجاعُ، ويَا أَسْفَى لهذه الأُمَّة، وليعقوب عليه السلام، وروي أن يعقوبَ عليه السلام حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثَكْلَى، وأُعطِيَ أَجْرَ مَائَةِ شهيدٍ، وما ساءَ ظَنَّهُ باللَّه قطُّ، رواه الحَسَنُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، {فَهُوَ كَظِيمٌ} بمعنى: كاظِمٍ، كما قال: { { وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } } [آل عمران:134] ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يَشْكُ إِلى أحَدٍ، وإِنما كان يكْمد في نَفْسه، ويُمْسِك همَّه في صَدْره، فكان يكظمه، أي: يردُّه إِلى قلبه.

* ت * وهذا ينظر إِلى قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "القَلْبُ يَحْزَنُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي الرَّبَّ..." الحديث، ذكر هذا صلى الله عليه وسلم عنْدَ مَوْتِ ولده إِبراهيم، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ }، قَالَ: كَظم على الحُزْنِ، فلم يقُلْ إِلا خَيْراً انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال في ٱبْنه إِبراهيم: "إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالَقْلَبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" ، وقال أيضاً في الصحيح صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ" انتهى. خرَّجه البخاريُّ وغيره.