التفاسير

< >
عرض

يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ
٣٩
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ
٤٠
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٤١
وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ
٤٢
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ
٤٣
-الرعد

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ...}: المعنى أنَّ اللَّه سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيِّرها عن أحوالها مما سَبَقَ في علْمه مَحْوُهُ وتغييرُهُ، ويثبتها في الحَالةِ التي يَنْقُلُها إِليها حَسَبَ ما سَبَقَ في علْمه.

قال * ع *: وأصوَبُ ما يفسَّر به {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ }: أنه كتاب الأمورِ المجزومَةِ التي قدْ سَبَقَ القضاء فيها بمَا هو كائنٌ، وسبق ألاَّ تبدَّل ويبقَى المحْوُ والتثبيت في الأمور التي سَبَقَ في القضاء أنْ تبدَّل وتمحَى وتُثْبَتَ؛ قال نحوه قتادة، وقوله سبحانه: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ }: «إِن»: شرطٌ دخلَتْ عليها «ما»، وقوله: {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ }، «أو» عاطفةٌ، وقوله: {فَإِنَّمَا }: جوابُ الشرط، ومعنى الآية: إِنْ نُبَقْكَ يا محمَّد، لترَى بعض الذي نَعِدُهم، أو نتوفينَّك قبل ذلك، فعلى كلا الوجْهَيْن، فإِنما يلزمُكَ البلاغَ فقَطْ، والضمير في قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ }: عائد على كفَّار قريش؛ كالذي في {نَعِدُهُمْ }.

وقوله: {نَأْتِي}: معناه: بالقُدْرة والأمر. و{ٱلأَرْضَ }: يريد بها ٱسْم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفَّار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا نأتي أرْضَ هؤلاء بالفَتْح عليك، فننقصها بمَا يَدْخُلُ في دِينِكَ من القبائلِ والبلادِ المجاورَة لهم، فما يؤمنهم أنْ نمكِّنك منْهم أيضاً؛ قاله ابن عباس، وهذا على أن الآية مدنيَّةٌ، ومَنْ قال: إِن الأَرْضَ ٱسْمُ جنسٍ، جعل ٱنتقاصَ الأرض بتخريبِ العُمْران الذي يُحِلُّه اللَّه بالكُفَّار، وقيل: ٱلانتقاصُ بمَوْت البشر، ونقْصِ الثمار والبَرَكَةِ، وقيل: بموتِ العلماءِ والأخيارِ؛ قاله ابن عباس أيضاً، وكلُّ ما ذكر يدخل في لفظ الآية، وجملةُ معنَى هذه الآية: الموعظَةُ وضَرْبُ المثل، وقال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رَبَاح في معنَى {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } قال: بذَهَابِ فقهائها، وخيار أهلها؛ وعن وكيع نحوه.

وقال الحسن: نقصانُهَا: هو بظهور المسلمين على المُشْركين.

قال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حَسَنٌ جِدًّا، تلَقَّاه أهل العلْمِ بالقبول، وقولُ الحسن أيضاً حسن. انتهى.

وقوله سبحانه: {فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا }: أي: العقوبات التي أحلَّها بهم، وسمَّاها مكراً على عُرْفِ تسمية العقوبة بٱسْمِ الذنب، وباقي الآية تحذيرٌ ووعيدٌ.

{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً }: المعنى: ويكذِّبك يا محمَّد هؤلاءِ الكفرةُ؛ ويقولون: لستَ مرسلاً. {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا }: أي: شاهداً بيني وبينكم، {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ }: قال قتادة: يريدُ مَنْ آمَنَ منهم؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وغيره، كَمُلَ تفسيرُ السُّورة، وصلى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصَحْبِهِ وسلَّم تسليماً.