التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
١٨٩
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
١٩٠
وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
١٩١
فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٩٢
-البقرة

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالَى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأهِلَّةِ}، قال ابنْ عَبَّاس وغيره: نَزلَتْ علَىٰ سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيَّ صلى الله عليه وسلم عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ، وكمالِهِ، ومخالفته لحالِ الشمْسِ.

و {مَوَاقِيتُ } أي: لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضاً: يعرف بها وقته وأشهره.

وقوله سبحانه: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ...} الآية: قال البَرَاء بن عَازِبٍ، والزهْريُّ، وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو ٱعتمروا، يلتزمون تشرُّعاً ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحاً يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه.

وقوله تعالى: {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآيةُ هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ. قال ابن زَيْد، والربيعُ: قوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ } أي: في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: { وَقَٰتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } [التوبة:36] وقال ابن عَبَّاس وغيره: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم؛ فهي مُحْكَمَةٌ.

وقوله تعالى: {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ...} الآية: قال ابْنُ إِسحاق وغيره: نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش، و {ثَقِفْتُمُوهُمْ } معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِماً لما يتناوَلُهُ من الأمور.

و {أَخْرِجُوهُم }: خطابٌ لجميع المؤمنين، والضميرُ لكفار قريش.

و {ٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ }، أي: الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر - أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنَىٰ: والفتنةُ، أي: الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.

وقوله تعالى: {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...} الآية.

قال الجمهورُ: كان هذا ثُمَّ نُسِخَ، وقال مجاهد: الآية محكمةٌ، ولا يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل.

قلتُ: وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي" يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجحُ عند الإِمام الفَخْر، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتالِ في الحرم. انتهى.

قال ابن العَرَبِيِّ في «أحكامه» وقد روى الأئمَّة عن ابن عَبَّاس؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال يَوْمَ فَتْح مكَّة: "إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَىٰ إِلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" .

فقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآناً وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدىء الكافر بالقتَال فيها، فيقتل بنصِّ القرآن. انتهى.

وقرأ حمزة والكسائيّ: «وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّىٰ يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ»، أي: فإِن قتلوا منْكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخولُ في الإِسلام.