التفاسير

< >
عرض

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٠٩
فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
١١٠
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ
١١١
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
١١٢
قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ
١١٣
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
١١٤
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ
١١٥
فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ
١١٦
وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ
١١٧
وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١١٨
-المؤمنون

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله عز وجل: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا...} الآية الهاء في {إنه}: مُبْهَمَةٌ: وهي ضمير الأمر والشأن، والفريقُ المُشَارُ إليه: كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ من المؤمنين يَتَّفِقُ أنْ تكون حالُه مع كُفَّارٍ مِثلَ هذه الحال، ونزلت الآية في كُفَّارِ قريشِ مع صُهَيْبٍ، وعَمَّار، وبلال، ونظرائهم، ثم هي عامة فيمَنْ جرى مجراهم قديماً وبقيةَ الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيّاً» بضم السين، والباقون بكسرها؛ فقيل هما بمعنى واحد؛ ذكر ذلك الطبريُّ.

وقال ذلك أبو زيد الأنصاريُّ: إنهما بمعنى الهُزْءِ، وقال أبو عبيدَة وغيره: إنَّ ضم السين من السخرة والاستخدام، وكسرها من السخر وهو الاستهزاء، ومعنى الاستهزاء هنا أليق؛ أَلاَ ترى إلى قوله: {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}.

وقوله سبحانه: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ...} الآية قوله: {فِي ٱلأَرْضِ}.

قال الطبريُّ معناه: في الدنيا أحياءَ، وعن هذا وقع السؤال، ونَسُوا لفرط هول العذاب حَتَّى قالوا: {يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}، والغرضُ توقيفهم على أَنَّ أعمارهم قصيرة أَدَّاهُمُ الكُفْرُ فيها إلى عذاب طويل، عافانا اللّه من ذلك بِمَنِّهِ وكرمه!.

وقال الجمهور: معناه: كم لَبِثْتُمْ في جوف التراب أمواتاً؟ قال * ع *: وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث. وكان قولهم: إنهم لا يقومون من التراب، وقوله آخراً: {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} يقتضي ما قلناه.

قلت: الآيات محتملة للمعنيين، واللّه أعلم بما أراد سبحانه؛ قال البخاريُّ: قال ابن عباس: {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ} أي: الملائكة، انتهى.

* ص *: قرأ الجمهور: «العَادِّينَ» - بتشديد الدال - اسم فاعل من «عَدَّ»، وقرأ الحسن وفي رواية: «العَادِينَ» بتخفيف الدال، أي: الظَّلَمَةَ، و«إنْ» من قوله: {إِن لَّبِثْتُمْ} نافيةٌ، أي: ما لبثتم إلاَّ قليلاً، اهـ. و {عَبَثاً}: معناه: باطلاً، لغير غَايَةٍ مُرَادَةٍ، وخَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ عن حنش الصنعانيِّ عن ابن مسعود "أنه قرأ في أذن مبتلى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...} إلى آخر السورة، فأفاق، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما قرأتَ في أذنه؟ قال: قرأت: {أَفَحَسِبْتُمْ...} إلى آخر السورة، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرَأَهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَال" ، انتهى، وخَرَّجَهُ ابن السُّنِّيُّ أيضاً، ذكره النووي.

وقوله سبحانه: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ}: المعنى: فتعالى اللّه عن مقالتهم في دعوى الشريك والصاحبة والولد، ثم تَوَعَّدُ سبحانه عَبَدَةَ الأوثان بقوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ}، وفي حرف عبد اللّه: «عند ربك»، وفي حرف أُبَيِّ: «عند اللّه» ثم أَمر تعالى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بالدعاء والذكر له فقال: {وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ}.