التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ
١٤٩
بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ
١٥٠
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ
١٥١
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
-آل عمران

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.

وقوله سبحانه: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ} هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ قد جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ؛ حَتَّىٰ لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رَأَىٰ أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ ٱجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا عَلَىٰ مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ تَرْحَلَ حَتَّىٰ تَرَىٰ نَوَاصِيَ الخَيْلِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، لَقَدْ أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَاللَّهِ، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَىٰ أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: [البسيط]

كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِيإذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ
تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍعِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ
فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَةلَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ

إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة: لاَ تَرْجِعُوا فإني أرَىٰ أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ؛ قال الفَخْر: لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة. انتهى.

وقوله سبحانه: {بِمَا أَشْرَكُواْ}، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان.

قال * ص *: قوله: {وَبِئْسَ}، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى].

وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم؛ ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه؛ إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل؛ إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء علَىٰ من فعل، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ علَىٰ خبر اللَّه؛ إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه؛ وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، علَىٰ ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، وٱشتعلَتْ نارُ الحَرْب، وأَبْلَىٰ حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ، وغيرُهم، وٱنهزَم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم ٱثنانِ وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنَىٰ قوله عز وجل: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا ٱستأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ.

وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ}، يحتملُ أنْ تكونَ «حَتَّىٰ» غايةً؛ كأنه قال: إلَىٰ أنْ فشلتم، والأظهر الأقوَىٰ أنَّ «إذا» علَىٰ بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة؛ أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنَىٰ، تقديرُهُ: ٱنهزمتمْ، ونحوه، والفَشَل: ٱستشعارُ العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، {وَعَصَيْتُمْ}: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة علَىٰ رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ؛ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ اللَّه عز وجلَّ ونبيُّه ـــ عليه السلام ـــ من الدُّنْيا وآفاتها؛ بما لا يخفَىٰ علَىٰ ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المُسْنَدِ المُنْتَخَبِ» له، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا عَلَىٰ أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ" . انتهى من «الكوكب الدري».

وقال - عليه السلام - للأنْصَارِ: لما تعرَّضوا له؛ إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ: "أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ، مَا الفَقْرَ أَخْشَىٰ عَلَيْكُم! وَلَكِنِّي أَخْشَىٰ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ؛ كَمَا بُسِطَتْ عَلَىٰ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" ، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. انتهى.

واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ؛ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ؛ أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟ قَالَ: "إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وَٱبْتَغَيْتَهُ، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وَٱبْتَغَيْتَهُ، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ عَلَىٰ حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وٱبْتَغَيْتَهُ، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَٱبْتَغَيْتَهُ، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ عَلَىٰ حَالٍ قَبِيحَةٍ" . انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: {مِّن بَعْدِ مَا أَرَٰكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}، يعني: هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر، واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلَىٰ خَدَمِ هنْدِ بنْتِ عُتْبَةَ، وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ؛ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وٱنْكَفَأَ علينا القومُ.

وقوله سبحانه: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم؛ قاله ابنُ عَبَّاسٍ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنَّ أحداً مِنْ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يريدُ الدنيا؛ حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}.

وقوله سبحانه: {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ} إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر؛ ٱمتثالاً للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يَضْطَرِبْ من المؤمنين.