التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
٤٤
إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ
٤٥
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ
٤٦
قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
٤٧
وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ
٤٨
-آل عمران

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ...} الآية: هذه المخاطبةُ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ: إِلقاء المعنَىٰ في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ.

وفي هذه الآية بيانٌ لنبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ إِذ جاءهم بغُيُوب لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو صلى الله عليه وسلم أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ: من أعلمه اللَّه بها، وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، و{لَدَيْهِمْ}: معناه: عندهم ومَعَهُمْ.

وقوله: {إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ...} الآية: جمهورُ العلماء علَىٰ أنه ٱستهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العَرَبِيِّ في «الأحكام» قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا" اهـ، وإِذا ثبت الحديثُ، فلا نظر لأحدٍ معه.

و {يَخْتَصِمُونَ}: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها.

وفي هذه الآية ٱستعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، "وكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا سَافَرَ، أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ" وقال صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" .

واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟

و {وَجِيهاً}: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهاً: شَريفاً اهـ.

{وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}: معناه: مِنَ اللَّه تعالَىٰ، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة علَىٰ براءة أُمِّه، وأَخبر تعالَىٰ عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ: الحليمُ؛

قال * ع *: وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، وٱختلَفَ النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ٱبْنُ أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن ٱثْنَيْنِ وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فٱثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة.

وقولُ مَرْيَمَ: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ}: ٱستفهامٌ عن جهة حَمْلها، وٱستغرابٌ للحَمْلِ علَىٰ بَكَارتها، و «يَمْسَسْ»: معناه: يَطَأ ويُجَامِع.

* ص *: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع. اهـ.

والكلامُ في قولِهِ: {كَذَٰلِكَ} كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا: «يَفْعَلُ»، وجاءت هنا: «يَخْلُقُ»؛ من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه.

وقوله تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْراً}: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول؛ على جهة المخاطبة.

وقوله: {كُنْ}: خطابٌ للمَقْضِيِّ.

وقوله: {فَيَكُونُ}؛ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر.

وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ...} الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ؛ قاله جمهور المفسِّرين.