التفاسير

< >
عرض

وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ
١٩
وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ
٢٠
وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ
٢١
وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ
٢٢
إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ
٢٣
إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ
٢٤
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ
٢٥
ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
٢٦
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
٢٧
وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
٢٨
-فاطر

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} الآية: مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ؛ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ. و{ٱلْحَرُورُ}: شدة الحر.

قال الفراء وغيره: إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار و {ٱلْحَرُورُ} يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار. وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ؛ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه.

وقوله سبحانه: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعاً من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين؛ في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور؛ فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم؛ فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ.

وقوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} معناه: أن دعوةَ اللّه تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ؛ فهو ممن بلغته؛ لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم و {البينات} و {الزبر} و {الكتاب المنير}: شيء واحد؛ لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ.

وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ...} الآية: جمع «جُدَّة» وهي: الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه: أنه يقال: جُدَدٌ في جمع «جديد»، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجُدَدَ القِطَع؛ جُدَدْتَ الشيء؛ إذا قطعتَه، انتهى.

وقوله: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى؛ لكنَّ الكلامَ العربِ الفصيحَ يأتي كثيراً عَلى هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من الجبال؛ سودَ غرابيبُ، ورُوِي عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنَّ اللّهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ" ؛ يعني: الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابِّ وَٱلأَنْعَـٰمِ}، أي: خَلقٌ مختلِفٌ ألوانهُ.

وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ} يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَناً، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين. ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي؛ خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال: كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك {إنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰؤاْ}، أي: المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ أشدُّكُم لَهُ خشية" ؛ وقال صلى الله عليه وسلم "رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ اللّه" .

وقال الرَّبِيع بن أنس: مَنْ لم يخشَ اللّه فليسَ بعالمٍ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهدِ عِلما، ويقال: إن فاتحةَ الزَّبور؛ «رأس الحكمة خشيةُ اللّه»، وقال ابن مسعود: كفى بخشيةِ اللّه علماً، وبالاغترارِ به جهلاً.

وقال مجاهد والشعبي: إنما العالمَ مَنْ يخْشَى اللّهَ. و {إِنَّمَا} في هذه الآية تَخْصِيصٌ لِلعلمَاء؛ لاَ للحصر. قال ابن عطاء اللّه في «الحِكم»: العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه؛ والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ؛ وإلا؛ فَعَلَيْكَ.

وقال في «التنوير»: ٱعلم أن العلمَ؛ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السنة؛ فإنما المرادُ به العلمْ النافعُ الذي تُقَارِنُه الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ: قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء} فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية. انتهى.

قال ابن عَبَاد في «شرح الحكم»: واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف؛ إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ اللّه تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة» انتهى. وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره؛ رضي اللّه عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم.

قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقية»: العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك. وقال ـــ رحمه اللّه ـــ: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً. انتهى.