التفاسير

< >
عرض

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً
٥٣
أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً
٥٤
فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
٥٥
-النساء

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ...} الآية: عُرْفُ «أَمْ» أنْ تُعْطَفَ بعد استفهامٍ متقدِّم؛ كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو؟ فَإذا وردَتْ، ولم يتقدَّمها استفهامٌ؛ كما هي هنا، فمذهب سيبَوَيْهِ؛ أنَّها مضمَّنةٌ معنى الإضراب عن الكلامِ الأوَّلِ، والقَطْع منه، وهي متضمِّنة مع ذلك مَعْنَى الاِستفهام، فهي بمعنى «بَلْ» مع همزةِ استفهامٍ؛ كقول العربِ: «إنها لإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ»، التقدير عند سيبويه: إنَّهَا لإِبِلٌ بَلْ أَهِيَ شَاءٌ؟ وَكَذَلك هذا الموضعُ: بَلْ أَلهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فإذا عرفْتَ هذا، فالمعنى على الأرجَحِ الذي هو مذْهَبُ سيبَوَيْهِ والحُذَّاقِ: أنَّ هذا استفهامٌ على معنى الإِنكار، أي: ألهم مُلْكٌ؛ فإذن لَوْ كان، لَبَخِلُوا به، والنَّقِيرُ: هي النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّوَاة من التَّمْر؛ هذا قول الجمهور، وهَذَا كنايةٌ عن الغايَةِ في الحَقَارة والقِلَّة، وتُكْتَبُ «إذَنْ» بالنُّون وبالألِفِ، فالنُّونُ هو الأصْلُ؛ كـ «عَنْ»، وَ «مِنْ»، وجاز كتبها بالألِفِ؛ لصحَّة الوقوفِ عليها، فأشبهَتْ نونَ التَّنْوينِ، ولا يصحُّ الوقوف علَىٰ عَنْ ومِنْ.

وقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ...} الآية: «أمْ» هذه علَىٰ بابها من العطْفِ بعد الاِستفهام.

وقال * ص *: {أَمْ يَحْسُدُونَ}: «أَمْ» أيضاً منقطعةٌ تتقدَّر بـ «بَلْ» و «الهمزة». انتهى. قلت: والظاهر ما قاله * ع *

واختلف في المراد بـ «الناس» هنا.

فقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والفَضْلُ: النبوَّة فقط، والمعنَىٰ: فَلِمَ يخصُّونه بالحَسَد، ولا يَحْسُدُونَ آل إبراهيم في جميعِ مَا آتيناهم مِنْ هذا وغيره مِنَ المُلْك، وقال قتادة: «النَّاسُ» هنا: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسرائيل في أنْ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم منْها، والفَضْلُ على هذا التأويل هو محمَّد صلى الله عليه وسلم، قَالَ أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ: وقد ذَمَّ اللَّه قوماً علَىٰ حَسَدهم، فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، ثم حدَّث بسنده، عن عمرو بن مَيْمُونٍ، قَالَ: لما رَفَع اللَّه موسَىٰ نَجِيًّا، رأَىٰ رجُلاً متعلِّقاً بالعَرْش، فقال: يا رَبِّ، مَنْ هَذَا، فقالَ: هذا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي، صَالِحٌ، إنْ شئْتَ أخبرتُكَ بعمله، فقال: يا رَبِّ، أخبِرْنِي، فقال: كَانَ لاَ يَحْسُدُ النَّاسَ عَلَىٰ ما آتاهم اللَّه مِنْ فَضْله، ثم حدَّث أبو عمر بسنده، عن أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ؛ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ" وذكر عبد الرزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن إسماعيل بْنِ أُمَّيَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ لاَ يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، والظَّنُّ، وَالحَسَد! قِيلَ: فَمَا المَخْرَجُ مِنْهُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا تَطَيَّرْتَ فَلاَ تَرْجِعْ، وَإذَا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وَإذَا حَسَدتَّ فَلاَ تَبْغِ" انتهى من «التمهيد».

وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ} ٱختلِفَ في الضمير مِنْ «به».

فقال الجمهور: هو عائدٌ علَى القرآن الذي في قوله تعالَىٰ: { آمِنُوا بِمَا نزَّلنا مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } [النساء:47]؛ فأعلم اللَّه سبحانه أنَّ منهم مَنْ آمَنَ؛ كما أُمِرَ؛ فلذلك ارتفَعَ الوعيدُ بالطَّمْسِ، ولم يَقَعْ، وصَدَّ قومٌ ثبَتَ الوعيدُ عليهم في الآخرة؛ بقوله سبحانه: {وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}.

وقيل: هو عائدٌ على إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ.

وقيل: هو عائدٌ على الفَضْلِ الذي آتاه اللَّه النبيَّ ـــ عليه السلام ـــ، والعربَ علَىٰ ما تقدَّم.