التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ
٣٤
ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
٣٥
وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ
٣٦
أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ
٣٧
وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ
٣٨
يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ
٣٩
مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
٤٠
-غافر

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُـمْ يُوسُفُ...} الآية، قالت فرقةٌ منهمُ الطبريُّ: يوسفُ المذكورُ هنا هو يوسفُ بنُ يَعْقُوبَ ـــ عليهما السلام ـــ وَرُوِيَ عن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ؛ أن فرعونَ مُوسَىٰ هُو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ عُمِّر إلَىٰ زَمَنِ مُوسَىٰ، وَرَوَىٰ أَشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعْمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَتْ فرقةٌ: بل هُو فِرْعَونٌ آخر.

وقوله: {كَبُرَ مَقْتاً} أي: كَبُرَ مَقْتاً جِدَالُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فٱخْتَصَرَ ذِكْرَ الْجِدَالِ؛ لدلالة تقدُّمِ ذِكْرِهِ عليه، وقرأ أبو عَمْرٍو وَحْدَهُ: «عَلَىٰ كُلِّ قَلْبٍ» بالتنوينِ، وقرأ الباقونَ بغيرِ تنوينٍ، وفي مصحف ابن مسعود: «عَلَىٰ قَلْبِ (كُلِّ) مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ»، ثم إن فرعونَ لما أعْيَتْهُ الْحِيَلُ في مُقَاوَمَةِ مُوسَىٰ، نحا إلى المَخْرَقَةِ، ونادَىٰ هَامَانَ وزيرَهُ أنْ يَبْنِيَ لَهُ صُرْحاً؛ فَيُرْوَىٰ أنه طَبَخَ الآجُرَّ لهذا الصَّرْحِ، ولم يُطْبَخْ قبْلَهُ، وبناه ارتفاعَ أربعمائةِ ذراعٍ، فبعثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَمَسَحَهُ بجَنَاحِه، فكسَرَهُ ثَلاَثَ كِسَرٍ، تَفَرَّقَتِ اثنتانِ، ووقَعَتْ ثالثةٌ في البَحْرِ، {ٱلأَسْبَابَ} الطُّرُقُ؛ قاله السُّدِّيُّ، وقال قتادةُ: أرادَ الأبوابَ، وقيل عَنَى لعلَّه يَجِدُ مَعَ قُرْبِه مِنَ السَّمَاءِ سَبَباً يَتَعَلَّقُ به.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «وَصُدَّ عنِ السَّبِيلِ» ـــ بضم الصاد وفتح الدالِ ـــ، عطفاً على {زُيِّنَ}، والباقونَ ـــ بفَتْحِ الصاد ـــ والتَّبَابُ: الخسرانُ؛ ومنه { { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ } [المسد:1] وبه فَسَرها مجاهدٌ وقتادة، ثم وعظهمُ الذي آمن، فَدَعا إلى ٱتِّباعِ أَمْرِ اللَّهِ.

وقوله: {ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ} يقَوِّي أنَّ المتكلمَ مُوسَىٰ، وإنْ كان الآخرُ يُحْتَملُ أنْ يقولَ ذلك، أي: اتبعوني في اتباع موسى، ثم زَهَّدَهُمْ في الدنيا، وأنَّهَا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ قليلاً، ورَغَّبَ في الآخرةِ، إذْ هي دَارُ الاستِقْرَارِ، قال الغَزَّالِيُّ في «الإحْياءِ»: مَنْ أَرَادَ أنْ يدخلَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ، فليستَغْرِقْ أوقَاته في التلاوةِ والذكرِ والتفكُّرِ في حسن المآبِ، ومَنْ أرادَ أن تَرْجُحَ كفَّةُ حَسَنَاتِهِ وتَثْقُلَ موازينُ خَيْرَاتِهِ، فليستوعبْ في الطاعةِ أَكْثَرَ أوقاتِهِ، فإنْ خَلَطَ عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً، فأمْرُهُ في خَطَر، لكنَّ الرجاءَ غَيْرُ منْقَطِعٍ، والعفوُ من كَرَمِ اللَّهِ منتَظَرٌ، انتهى.