التفاسير

< >
عرض

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ
٩
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٠
وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
١١
وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ
١٢
لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
١٣
وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ
١٤
-الزخرف

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ}: الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ علَىٰ قُرَيْشٍ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه بـ{ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ}؛ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حَكَىٰ معناه عن قُرَيْشٍ.

وقوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ.

وقوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ} ليس هو مِنْ قَوْلِ المسؤولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى.

وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءَ بِقَدَرٍ} قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر؛ بل غيثاً مُغِيثاً، وقيل: {بِقَدَرٍ} أي: بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة: معناه: بتقديرٍ وتحريرٍ، أي: قدر ماء معلوماً، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم: ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْراً واحداً، لا يَفْضُلُ عامٌ عاماً، لكن يكثر مرَّةً ههنا ومرة ههنا، وقال بعضهم: بل ينزل تقديراً مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديراً مَّا، وينزل في آخر تقديراً آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إلٰه إلا هو.

قُلْتُ: وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، و{أَنشَرْنَا} معناه: أَحْيَيْنَا؛ يقال: نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواجُ هنا الأنواعُ من كل شيْءٍ، و{مِنْ} في قوله: {مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ} للتبعيض، والضمير في {ظُهُورِهِ} عائدٌ على النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما»، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرَىٰ ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو: { بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [هود:41] وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ بـ{سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا}، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه و{مُقْرِنِينَ} أي: مطيقين، وقال أبو حيَّان {مُقْرِنِينَ}: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، {وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أَمْرٌ بالإقرار بالبعث.

* ت *: وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: "عَلَىٰ ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ" رواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، انتهى من «السلاح»، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوان أَنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه؛ لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير»: وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّماً لِرَبِّه، نَفَّاعاً لخلقه، خيراً في قومه، مُشْفِقاً علَىٰ عباده؛ فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، ورَوَىٰ مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَىٰ مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً؟! فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" . قال أبو عُمَرَ في «التمهيد»: وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد رَوَىٰ مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ" ، ثم أسند أبو عُمَرَ؛ "أَنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ حَائِطاً مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ؛ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ" ومعنى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، أي: قَطَرَتْ دموعُهما قطراً ضعيفاً، والسَّرَاةُ الظَّهْرُ، «والذِّفْرَىٰ»: ما وراءَ الأذنَيْن عن يمين النُّقْرَةِ وشِمَالِهَا، انتهى.