التفاسير

< >
عرض

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
٣٦
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
٣٧
حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ
٣٨
وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
٣٩
أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٤٠
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ
٤١
أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ
٤٢
-الزخرف

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً: عَشِيَ الرجلُ يَعْشَىٰ: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحْمٰنِ، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه.

وقوله: {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً. قال * ص *: {وَمَن يَعْشُ} الجمهور بضم الشين، أي: يَتَعَامَ ويتجاهَلْ، فـ{مَنْ} شرطيةٌ، و {يَعْشُ} مجزومٌ بها، و{نُقَيِّضْ} جوابُ {مَنْ}، انتهى، والضمير في قوله: {وَإِنَّهُمْ} عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره: «حَتَّى إذَا جَاءَانَا»؛ على التثنية، يريد: العاشي والقرين؛ قاله قتادة وغيره، وقرأ أبو عمرو وغيره: «جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه، وفاعل {قَالَ} هو العَاشِي، قال الفَخْرُ: ورُوِيَ أَنَّ الكافر إذا بُعِثَ يوم القيامة من قبره أَخَذَ شَيْطَانٌ بيده، فلم يُفَارِقْهُ حَتَّىٰ يصيِّرهما اللَّه إلى النار، فذلك حيث يقول: {يَٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} انتهى.

وقوله: {بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} يحتمل مَعَانِيَ:

أحدها: أن يريد بُعْدَ المشرق من المغرب، فَسَمَّاهما مَشْرِقَيْنِ؛ كما يقال القَمَرَانِ، والعُمَرَانِ.

والثاني: أنْ يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم.

والثالث: أنْ يريد بعد المشرقَيْنِ من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين.

قلت: واستبعد الفَخْرُ التأويل الثاني قال: لأَنَّ المقصودَ من قوله: {يَٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} المبالغةُ في حصول البُعْدِ، وهذه المبالغة إنَّما تحصل عند ذكر بُعْدٍ لا يمكن وُجُودُ بُعْدٍ أزيدَ منه، والبُعْدُ بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليه؛ قال: والأكْثَرُونَ عَلَى التأويل الأَوَّلِ، انتهى.

وقوله تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ...} الآية، حكايةٌ عن مقالة تُقَالُ لهم يوم القيامة، وهي مقالة مُوحِشَةٌ فيها زيادةُ تعذيبٍ لهم ويأْسٍ من كل خير، وفاعل {يَنفَعَكُمُ} الاشتراك، ويجوز أنْ يكون فاعل {يَنفَعَكُمُ} التُّبَرِّي الذي يدل عليه قوله: {يَٰلَيْتَ}.

وقوله سبحانه: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ...} الآية، خطاب لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وباقي الآية تكرَّر معناه غيرَ ما مَرَّةٍ.