التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٦٠
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ
٦١
ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ
٦٢
قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٦٣
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ
٦٤
-الأنعام

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ}، يعني به: النَّوْمَ، و {يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم}، أي: مَا كَسَبْتم بالنَّهار، ويحتمل أنْ يكون {جَرَحْتُم} هنا من الجرح؛ كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ:

.................... وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ اليَدِ

و {يَبْعَثُكُمْ}: يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في {فِيهِ} عائدٌ على النهار؛ قاله مجاهد وغيره، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي: يوقظُكُم في التوفِّي، أي: في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ؛ قاله عبد اللَّه بن كَثير.

و {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى}: المراد به آجالُ بني آدمَ، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}؛ يريدُ: بالبَعْثِ والنشورِ، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم}، أي: يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور؛ لأن هذا أيضاً إماتةٌ وبعْثٌ علَىٰ نَحوٍ مَّا.

وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}: القاهرُ إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي: مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل {فَوْقَ} ظرفيةً للجهةِ؛ لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ {ٱلْقَاهِرُ} صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاءِ، فـ {فَوْقَ}: لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن؛ على حد ما تقولُ: اليَاقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ، والأحرارُ فَوْقَ العبيدِ، و {يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ}: معناه: يَبُثُّهم فيكم، وَ {حَفَظَةً}: جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَتَعاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ" ؛ وقال السُّدِّيُّ وقتادة، وقال بعْض المفسِّرين: حَفَظَةً يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ؛ حتى يأتي أجله، والأول أظهر.

وقرأ حمزةُ وحْده: «تَوَفَّاهُ».

وقوله تعالى: {رُسُلُنَا}: يريد به؛ علَىٰ ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل: ملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه ويَأْتَمِرُونَ له، {ثُمَّ رُدُّواْ}، أي: العبادُ، {إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ}، وقوله: {ٱلْحَقِّ}: نعْتٌ لـ {مَوْلَـٰهُمُ}، ومعناه: الذي لَيْسَ بباطلٍ، ولا مَجَاز، {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ}: كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ، {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ}: قيل لِعَليٍّ (رضي اللَّه عنه): كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟! قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.

وقوله تعالى: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً...} الآية: هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إلَيْه في الشَّدَائد، ودَفْعِ الملمَّاتِ، و {ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}: يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ؛ بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول: عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره: المعنَىٰ: مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، وتَدْعُونَهُ: في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ: صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، وخُفْيَة: معناه: الاختفاء، وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «وخِفْيةَ» ـــ بكسر الخاء ـــ، وقرأ الأعمشُ: «وخِيفَةً»؛ من الخَوْف.

وقوله سبحانه: {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا...} الآية: سبق في المُجَادَلة إلى الجَوَابِ؛ إذْ لا محيدَ عنْه، {وَمِن كُلِّ كَرْبٍ}: لفظٌ عامٌّ أيضاً، ليتَّضِحَ العُمُومُ الذي في «الظلماتِ»، {ثُمَّ أَنتُمْ}، أي: ثم بَعْدَ معرفتكم بهذا كلِّه، وتحَقُّقِكُمْ له، أنْتُمْ تُشْرِكُونَ.