التفاسير

< >
عرض

وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٧٠
قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٧١
وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٢
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٧٣
-الأنعام

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً}: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جَرَىٰ مجراه بالقتَالِ، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } [المدثر:11]، وليس فيها نَسْخٌ؛ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، {وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا}، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فٱغترُّوا بنعم اللَّه وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، وٱعْلَمْ أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا؛ كما ٱغترَّ بها الحمقَىٰ، بل جعل همَّهُ واحداً؛ هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه؛ وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً؛ هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ؛ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ" . انتهى من «الكوكب الدريِّ».

وقوله سبحانه: {وَذَكِّرْ بِهِ}: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في {بِهِ} به عائدٌ على الدِّين، و {أَن تُبْسَلَ} في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ؛ قاله الحسن وعكرمة وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح، وقال ابن زيد: تُجْزَىٰ، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنَىٰ؛ ومنه قول الشَّنْفَرَىٰ: [الطويل]

هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِيسَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ

وباقي الآية بيِّن.

{وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ}، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: {وَإِن تَعْدِلْ}، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور؛ وردَّه الطبريُّ بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً.

قال * ع *: ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ. قلْتُ: وأجلَىٰ من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة علَىٰ معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها؛ لاختلال شَرْطه، وهو الإيمانُ، و {أُبْسِلُواْ}: معناه: أُسْلِمُوا بما ٱجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ؛ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة.

وقوله سبحانه: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}، المعنى: قل في ٱحتجاجِكَ: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها؛ لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكَّل، و {مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا}: يعني: الأصنام، {وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا}: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقَرىٰ، وهي المِشْية الدنيَّة؛ فٱستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ.

وقوله سبحانه: {كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ} في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، و {ٱسْتَهْوَتْهُ}: بمعنى: ٱستدعَتْ هواه وأمالته، و {هَدَانَا}: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدَىٰ نعبد الأصنام؛ فيكون ذلك منَّا ٱرتداداً على العَقِبِ؛ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فٱستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائراً.

وقوله: {لَهُ أَصْحَـٰبٌ}: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ٱرتدَّ إلى الرجوع إلى الهدَىٰ، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباسٍ، و {ٱئْتِنَا} من الإِتيان، بمعنى المجِيءِ، وقول من قال: إِن المراد بـ {ٱلَّذِي}؛ في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه ـــ قول ضعيفٌ؛ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي»، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ؛ { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } [التوبة:40]، وقوله: { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ... } [النور:22]؛ إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ.

قال * ع *: حدثني أبي (رضي اللَّه عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث؛ فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدَىٰ بقوله: {ٱئْتِنَا}، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ.

قال * ع *: وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة.

وقوله سبحانه: {وَيَوْمَ يَقُولُ} «يوم»: نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: وٱذكرِ الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، وٱذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً.

وقوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّوَرِ}، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ ثُمَّ لِلْبَعْثِ" ، وباقي الآية بيِّن.