التفاسير

< >
عرض

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٢٣
قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
-الأعراف

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله عز وجل: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ} قال: * ع *: يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف.

وقوله سبحانه: {بَدَتْ} قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وَتَطَايَرَتْ تَبرِّياً منهما، و{يَخْصِفَانِ} معناه: يلصقانها، والمخصف الأشفى وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة.

قال البخاري: يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض انتهى. وهو معنى ما تقدم.

وروى أبيٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها: «أرسليني » فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم؟ فقال: لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال: أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كَاذِباً، قال: فبعزَّتي لأهبطنك إِلى الأَرْضِ، ثم لا تنال العَيْشَ إلا كدًّا.

وقوله: {عَن تِلْكُمَا} بِحَسَبِ اللفظ أنه إنما أشار إلى شَجَرَةٍ مخصوصة، {وَأَقُل لَّكُمَآ: إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} إشارة إلى الآية التي في «طه» في قوله: { { فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } } [ طه: 117] وهذا هو العَهْد الذي نَسِيَهُ آدم على مَذْهَبِ من جعل النسيان على بابه، وقولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} اعتراف من آدَمَ وحواء عليهما السلام وطَلَبٌ للتوبة، والستر، والتغمُّد بالرحمة، فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النَّظِرَةَ، ولم يطلب التَّوْبَة، فوكل إلى سوء رأيه.

قال الضحاك وغيره: هذه الآية هي الكَلِمَاتُ التي تلقى آدم من رَبِّهِ، وقوله عز وجل: {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} المُخَاطَبَةُ بقوله: {ٱهْبِطُواْ}.

قال: أبو صَالِحٍ، والسدي، والطبري، وغيرهم: هي لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحية.

وقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته.

قال * ع *: وهذا ضَعِيفٌ لعدمهم في ذلك الوَقْت.

* ت *: وما ضعفه رحمه اللَّه صَحَّحَهُ في «سورة البقرة»، فتأمله هناك، وعداوة الحية معروفة.

روى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ" .