التفاسير

< >
عرض

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٥٥
ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ
٥٦
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٥٧
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ
٥٨
وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ
٥٩
-الأنفال

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}، أجمع المتأوِّلون؛ أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله: {فِي كُلِّ مَرَّةٍ}: يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم.

وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهَدٰوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا ٱجتمعتِ الأحزاب على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوْا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما ٱنجلَتْ تلك الحالُ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فٱستُنْزِلُوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، وٱستيعابُ قصَّتهم في «السِّير» وإِنما ٱقتضبْتُ منها ما يخُصُّ تفسير الآية.

وقوله سبحانه: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ...} معنى {تَثْقَفَنَّهُمْ} تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى: {فَشَرِّدْ} أي: طَرِّدْ، وأبْعِدْ، وخَوِّف. والشريدُ: ٱلْمبْعَدُ عن وطَنٍ ونحوه، ومعنى الآية: فإِن أَسَرْتَ هؤلاءِ الناقضين في حربك لهم، فٱفْعَلْ بهم من النقمة ما يكُونُ تشريداً لمن يأتي خلْفَهم في مثْلِ طريقتهم، وعبارةُ البخاريِّ: «فَشَرَّدْ» فَرَّقَ. انتهى.

والضمير في {لَعَلَّهُمْ } عائدٌ على الفرقة المشرَّدة، وقال ابن عباس: المعنى: نكِّل بهم مَنْ خلفهم.

وقالَتْ فرقة: معناه: سَمِّعْ بهم، والمعنَى متقاربٌ، ومعنى: {خَلْفَهُمْ} أي: بعدهم، و{يَذَّكَّرُونَ}، أيْ: يتعظون.

وقوله سبحانه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً...} الآية: قال أكثر المفسِّرين: إِن الآية في بني قُرَيْظة، والذي يظهر من ألفاظ الآية أنَّ أَمْرَ بني قريظة قد ٱنقَضَى عند قوله: {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}، ثم ابتدأ تبارَكَ وتعالَى في هذه الآية بما يَصْنَعُهُ في المستقبل، مع مَنْ يخافُ منه خيانةً إِلى آخر الدهر، وبَنُو قريظة لم يَكُونوا في حَدِّ مَنْ تُخَافُ خيانته، وقوله: {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ }، أي: أَلْقِ إِليهم عَهْدهم، وقوله: {عَلَىٰ سَوَاءٍ}، قيل: معناه: حتى يكونَ الأمْرُ في بيانِهِ والْعِلْمِ به، عَلَىٰ سواءٍ منْكَ ومنهم؛ فتكُونُونَ في ٱستشعار الحَرْب سواءً، وذَكَرَ الفَرَّاء؛ أن المعنَى: فٱنْبذْ إليهم على ٱعتدالٍ وسواءٍ من الأمر، أي: بَيِّنْ لهم على قَدْر ما ظهر منهم، لا تُفَرِّطْ، ولا تَفْجَأْ بحربٍ، بل ٱفعلْ بهم مِثْلَ ما فعلوا بك، يعني: موازنةً ومقايسةً، وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ» - بالتاء - مخاطبةً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، و{سَبَقُواْ }: معناه: فَاتُوا بأنفسهم وأنْجَوْهَا، {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} أي: لا يُفْلِتُونَ، ولا يُعْجِزُونَ طالبهم، ورُوِيَ أن الآية نزلَتْ فيمن أَفْلَتَ من الكفَّار في بَدْرٍ وغيره فالمعنى: لا تظنَّهم نَاجِينَ، بل هم مُدْرَكُون، وقرأ حمزة وغيره: «ولا يَحْسَبَنَّ» - بالياء مِنْ تَحْتُ، وبفتحِ السين.