التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
٢٨
فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
٢٩
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٣٠
-يونس

اللباب في علوم الكتاب

قوله - تعالى -: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} الآية.
"يَوْمَ" منصوب بفعلٍ مقدَّر، أي: خوَّفهم، أو ذكرهم يوم، والضميرُ عائد على الفريقين أي: الذين أحسنوا، والذين كسبوا. و "جَمِيعاً": حال، ويجُوزُ أن يكون تأكيداً، عند من عدَّها من ألفاظ التَّأكيد.
قوله: "مَكَانكُمْ" اسمٌ فعلٍ، ففسَّره النحويُّون بـ "اثبُتُوا" فيحمل ضميراً، ولذلك أكَّد بقوله: "أنْتُم"، وعطف عليه "شُرَكاؤكُم"؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر]

2896- وقَولِي كُلَّمَا جَشَأتْ وجاشَتْ مكانكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحي

أي: اثبتي، ويدلُّ على ذلك جزمُ جوابه، وهو "تُحْمَدي"، وفسَّره الزمخشري: بـ "الزمُوا" قال: مكانكُم، أي: الزموا مكانكُم، لا تبرَحُوا حتى تنظروا ما يفعل بكم".
قال أبو حيَّان: وتقديره له بـ "الزمُوا" ليس بجيِّد، إذ لو كان كذلك؛ لتعدَّى كما يتعدَّى ما ناب هذا عنهُ، فإنَّ اسمَ الفعل يُعَامل معاملة مُسمَّاة، ولذلك لمَّا قدَّرُوا "عليك"، بمعنى: "الزم" عدَّوْه تعديته نحو: عليْكَ زيداً.
قال شهابُ الدِّين "فالزمخشري قد سبق بهذا التَّفسير، والعُذرُ لمن فسَّرهُ بذلك، أنه قصد تفسير المعنى"، قال الحوفي: "مكانكُم نُصب بإضمار فعل، أي: الزمُوا مكانَكُم أو اثبُتوا". وكذلك فسرهُ أبو البقاء، فقال: "مَكَانَكُمْ" ظرفٌ مبنيٌّ؛ لوقوعه موقع الأمر، أي: "الزمُوا".
وهذا الذي ذكره من كونه مبنيّاً، فيه خلاف للنحويين: منهم من ذهب إلى ما ذكر، ومنهم من ذهب إلى أنَّها حركةُ إعراب، وهذان الوجهان مبنيان على خلاف في أسماء الأفعال هل لها محلٌّ من الإعراب أو لا؟ فإن قلنا لها محلٌّ، كانت حركاتُ الظرفِ حركاتِ إعراب، وإن قلنا لا موضع لها، كانت حركاتِ بناءٍ، وأمَّا تقديره: بـ "الزَمُوا"، فقد تقدَّم جوابه. قوله: "أنْتُم" فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه تأكيدٌ للضمير المستتر في الظرف، لقيامه مقام الفاعل، كما تقدَّم التنبيه عليه.
والثاني: أجازهُ ابن عطيَّة، وهو أن يكون مبتدأ، و "شُرَكاؤُكُم" معطوفٌ عليه، وخبرُهُ محذوفٌ، قال: "تقديره: أنتم وشركاؤكم مهانون، أو معذبون"، وعلى هذا فيوقفُ على قوله: "مَكَانَكُم" ثم يبتدأ بقوله: "أنتُم"، وهذا لا ينبغي أن يقال، لأنَّ فيه تفكيكاً لأفصحِ كلام، وتبتيراً لنظمه، من غير داعيةٍ إلى ذلك؛ ولأنَّ قراءة من قرأ "وشُرَكاءكُمْ" نصباً، تدل على ضعفه، إذ لا تكونُ إلاَّ من الوجه الأوَّل؛ ولقوله: "فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ"، فهذا يدلُّ على أنَّهم أمروا هُم وشُركاؤهم بالثّبات في مكانٍ واحدٍ، حتى يحصل التَّنزيل بينهم.
وقال ابن عطية أيضاً: "ويجوزُ أن يكون "أنتُمْ" تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدَّر الذي هو "قفوا" ونحوه".
قال أبُو حيَّان: وهذا ليس بجيّدٍ، إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل، لجاز تقديمُه على الظَّرفِ، إذ الظرفُ لم يتحمَّل ضميراً على هذا القول، فيلزمُ تأخيره عنهُ، وهو غير جائزٍ، لا تقول: "أنت مكانك" ولا يحفظ من كلامهم.
والأصحُّ: أنَّه لا يجوز حذفُ المؤكَّد في التَّأكيد المعنويِّ، فكذا هذا؛ لأنَّ التأكيد ينافي الحذف، وليس من كلامهم: "أنت زيداً" لمن رأيته قد شهر سيفاً، وأنت تُريد "اضرب أنت زيداً"، إنَّما كلامُ العرب: "زيداً" تُريدُ: اضرب زيداً.
قال شهاب الدِّين: "لَمْ يَعْنِ ابنُ عطيَّة، أنَّ "أنْتَ" تأكيد لذلك الضمير في "قِفُوا" من حيث إنَّ الفعل مرادٌ غير منُوبٍ عنهُ؛ بل لأنَّه ناب عنه هذا الظرفُ، فهو تأكيدٌ له في الأصل؛ قبل النِّيابة عنه بالظرف، وإنَّما قال: الذي هو "قفوا" تفسيراً للمعنى المقدر". وقرأ فرقة "وشُرَكاءكُمْ" نصباً على المعيَّة، والنَّاصب له اسم الفعل.
قوله: "فَزَيَّلْنَا"، أي: فرَّقنا وميَّزنا؛ كقوله - تعالى -:
{ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا } [الفتح:25].
واختلفوا في "زيَّل" هل وزنه فعَّل أو فيعل؟.
والظاهر الأول، والتضعيفُ فيه للتَّكثيرِ، لا للتَّعدية، لأنَّ ثلاثيه مُتعدِّ بنفسه، حكى الفراء: "زِلْتُ الضَّأن من المعز، فلم تَزِل" ويقال زلتُ الشَّيء من مكانه أزيلُهُ، وهو على هذا من ذوات الياء.
والثاني: أنه فَيْعَل كبيطر وبيقر، وهو من زالَ يزولُ، والأصل: "زَيْوَلْنَا"، فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكون، فأعلت بقلب الواو ياء، وإدغام الياء فيها، كـ "مَيِّت وسيِّد" في: ميوت سَيْود، وعلى هذا فهو من مادة الواو، وإلى هذا ذهب ابنُ قتيبة، وتبعه أبو البقاء.
وقال مكِّي: "ولا يجوز أن يكون فعَّلنا من زال يزول؛ لأنَّه يلزم في الواو فيكون زَوَّلنا". وهذا صحيحٌ، وقد تقدَّم تحرير ذلك في قوله:
{ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } [الأنفال:16].
وردَّ أبو حيَّان كونه "فَيْعَل"، بأنَّ "فَعَّلَ" أكثر من "فَيْعَل"؛ ولأنَّ مصدره التَّنزيل، ولو كان "فَيْعل"، لكان مصدره "فَيْعلة" كبيطرة؛ لأن "فَيْعَل" ملحقٌ "بفَعْلَلَ"، ولقولهم في معناه: "زَايَل"، ولم يقولوا: "زاول"، بمعنى: "فارق"، إنَّما قالوه بمعنى: "حَاول وخالط"، وحكى الفرَّاء: "فَزايَلْنا"، وبها قرأت فرقة، قال الزمخشري: "مثل صَاعَرَ خدَّه، وصعَّره، وكالمتُه وكلَّمتُه". يعني: أنَّ "فاعل" بمعنى: "فعَّل"، و "زَايلَ" بمعنى: "فَارَقَ".
قال: [الطويل]

2897- وقَالَ العَذَارَى: إنَّما أنْتَ عَمُّنَا وكَانَ الشَّبَابُ كالخَليطِ يُزايلُهْ

وقال آخر: [الطويل]

2898- لعَمْري لمَوْتٌ لا عُقُوبةَ بعدَهُ لِذي البَثِّ أشْفَى من هَوًى لا يُزايلهْ

أي: يفارقه.
وقوله - تعالى -: "فَزيَّلْنا"، و "قال" هذان الفعلان ماضيان لفظاً، مستقبلان معنًى؛ لعطفهما على مستقبل، وهو "ويَوْمَ نَحْشُرهُمْ"، وهما نظيرُ قوله - تعالى -:
{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ } [هود:98]. و "إِيَّانَا": مفعولٌ مقدمٌ، قُدِّم للاهتمام به والاختصاص، وهو واجبُ التَّقديم على ناصبه؛ لأنَّه ضميرٌ منفصلٌ، لو تأخَّر عنه، لزم اتِّصاله، وقد تقدَّم الكلامُ على ما بعد هذا من "كَفَى" المخففة، واللاَّم التي بعدها، بما يُغْنِي عن الإعادة. [البقرة198].
فصل
المعنى "ويَوْمَ نَحْشُرهُمْ" العابد والمعبُود، ثمَّ إن المعبود يتبرَّأ من العابد، ويتبيَّن لهُ أنَّه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته، ونظيرهُ قوله - تعالى -:
{ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ } [البقرة:166]، وقوله: { ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [سبأ:40].
و "الحَشْر": الجمع من كل جانبٍ إلى موقفٍ واحدٍ {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ} أي: الزَمُوا مكانكم "وشُرَكاؤكُم" يعني: الأوثان، حتَّى تسألوا، "فزيَّلْنَا بَيْنَهُم" أي: ميَّزنا وفرَّقنا بينهم، وجاءت هذه الكلمة على لفظ الماضي، بعد قوله: "ثُمَّ نقُولُ" وهو مستقبل؛ لأنَّ ما جاءكم الله بِهِ، سيكون صار كالكائن الآن، كقوله:
{ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ } [الأعراف:44].
وأضاف الشُّركاء إليهم؛ لأنَّهم جعلُوا لهم نصيباً من أموالهم.
وقيل: لأنَّ الإضافة يكفي فيها أدنى تعليق، فلمَّا كان الكُفَّار هُم الذين أثبتُوا هذه الشَّركة، حسنت إضافة الشركاءِ إليهم، وقيل: لمَّا خاطب العابدين والمعبودين بقوله "مَكانَكُم" صارُوا شُركاء في هذا الخطاب.
قال بعض المُفسِّرين: المراد بهؤلاء الشُّركاء: الملائكة، واستشهدُوا بقوله - تعالى -:
{ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [سبأ:40]، وقيل: هم الأصنام، ثم اختلف هؤلاء كيف ذكرت الأصنام هذا الكلام؟ فقيل: إن الله - تعالى - يخلقُ فيها الحياة والعقل والنُّطق، وقيل: يخلق فيهم الرُّوح من غير حياةٍ، حتَّى يسمعُوا منهم ذلك.
فإن قيل: إذا أحياهُم الله هل يبقيهم أو يفنيهم؟.
فالجوابُ: أنَّ الكلَّ محتملٌ، ولا اعتراض على الله في أفعاله، وأحوال القيامة غير معلومة، إلاَّ القليل، ولا شك أن هذا خطاب تهديدٍ في حق العابدين، فهل يكُون تهديداً في حق المعبودين؟ قالت المعتزلة: لا يجُوزُ ذلك؛ لأنَّه لا ذنب للمعبود، ومن لا ذنب له، لم يصحَّ تهديده، وتخويفه، وقال أهلُ السُّنَّة: لا يسأل عما يفعل.
فإن قيل: قول الشركاء: {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} وهم كانوا قد عبدوهم، يكون كذباً، وقد تقدَّم في سورة الأنعام، اختلاف الناس في أنَّ أهل القيامة هل يكذبون أم لا؟.
والجواب ههنا: أنَّ منهم من قال: المراد من قولهم: "مَا كُنتُمْ إيَّانَا تَعْبُدُونَ": هو أنَّكُم ما عبدْتُمُونَا بأمرنا وإرادتنا؛ لأنَّهم استشهدوا بالله في ذلك بقولهم: {فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، وبقولهم: {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}، ومن النَّاس من أجْرَى الآية على ظاهرها، وقالوا: إنَّ الشُّركاء أخبروا أنَّ الكفار ما عبدوها لوجوه:
الأول: أنَّ ذلك الموقف موقفُ دهشة وحيرة، فذلك الكذبُ جارٍ مجرى كذب الصبيان، والمجانين والمدهوشين.
الثاني: أنَّهم ما أقامُوا لأعمال الكُفَّار وزناً، وجعلوها لبطلانها كالعدم، فلهذا قالوا: ما عبدونا.
الثالث: أنهم تخيَّلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة، فهم في الحقيقة إنَّما عبدوا ذواتاً موصوفة بتلك الصفات، ولمَّا كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات، فهم ما عبدوها، وإنما عبدوا أموراً تخيَّلُوها ولا وجود لها في الأعيان، وتلك الصِّفات التي تخيَّلوها في الأصنام: أنها تضرُّ، وتنفع، وتشفع عند الله.
قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} الآية.
في "هُنالِكَ" وجهان:
أظهرهما: بقاؤه على أصله، من دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك الموقف الدَّحض، والمكان الدَّهش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله
{ هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } [الأحزاب:11]، أي: في ذلك الوقت؛ وكقوله: [الكامل]

2899- وإذَا الأمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ فهُناكَ يَعْترِفُون أيْنَ المفْزعُ

وإذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه، فهو أولى.
وقرأ الأخوان "تَتْلُو" بتاءين منقوطتين من فوق، أي: تطلب وتتبع ما أسلفته من أعمالها، ومن هذا قوله: [الرجز]

2900- إنَّ المُريبَ يتْبَعُ المُرِيبَا كَمَا رَأيْتَ الذِّيبَ يتلُو الذِّيبَا

أي: يتبعه ويتطلَّبه، ويجوز أن يكون من التلاوة المتعارفة، أي: تقرأ كلُّ نفس ما عملته مسطَّراً في صحف الحفظة، لقوله - تعالى -: { يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [الكهف:49]، وقوله: { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً } [الإسراء:13].
وقرأ الباقون: "تَبْلُو" من البلاء، وهو الاختبار، أي: يعرف عملها: أخيرٌ هو أم شر، وقرأ عاصم في رواية "نَبلو" بالنُّون والباء الموحَّدة، أي: نَخْتَبر نحنُ، و "كُلَّ" منصُوب على المفعول به، وقوله "مَا أسْلفَتْ" على هذا القراءة يحتمل أن يكون في محلِّ نصبٍ، على إسقاطِ الخافض، أي: بما أسْلفَتْ، فلمَّا سقط الخافض، انتصب مَجْرُوره؛ كقوله: [الوافر]

2901- تَمُرُّونَ الدِّيارَ فَلَمْ تَعُوجُوا كلامُكُمُ عليَّ إذنْ حَرَامُ

ويحتمل أن يكون منصوباً على البدل من "كُلُّ نَفْسٍ" ويكون من بدل الاشتمال. ويجُوزُ أن يكون "نَبْلُو" من البلاء، وهو العذاب. أي: نُعَذِّبها بسبب ما أسلفت، و "مَا" يجوز أن تكون موصولةً اسمية، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير الأول، والآخر دون الثاني على المَشْهُور.
وقرأ ابنُ وثَّاب: "وَرِدُّوا" بكسر الرَّاء، تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو: "قيل" و "بيع"، ومثله: [الطويل]

2902- ومَا حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلمائِنَا ................................

بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك [البقرة:11].
قوله: "إِلَى ٱللَّهِ" لا بُدَّ من مضاف، أي: إلى جزاءِ الله، أو موقف جزائه.
والجمهور على "الحقِّ" جرًّا، وقرئ منصوباً على أحد وجهين:
إمَّا القطع، وأصله أنَّه تابعٌ، فقطع بإضمار "أمدح"، كقولهم: الحمدُ لله أهل الحمد.
وإمَّا أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ الجملة المتقدمة، وهو "رُدُّوا إلى الله" وإليه نحا الزمخشريُّ. قال: كقولك: "هذا عبدُ الله الحَقُّ، لا الباطل" على التَّأكيد؛ لقوله: "رُدُّوا إلى اللهِ".
وقال مكِّي: "ويجوزُ نصبهُ على المصدر، ولم يُقرأ به"، وكأنَّه لم يطلع على هذه القراءة، وقوله: "مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ"مَا" تحتمل الأوجُه الثلاثة.
المعنى: "هُنالِكَ": في ذلك الوقت، "نَبْلُو" أي: نختبر، والمعنى: يفعلُ بها فعل المختبر، وعلى القراءة الأخرى: أنَّ كلَّ نفس نختبر أعمالها، في ذلك الوقت.
{وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} أي: رُدُّوا إلى جزاءِ الله، قال ابن عبَّاسٍ: "مولاهُمُ الحقّ" أي: الذي يجازيهم بالحق، وقيل: جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلاهيته "مولاهُمُ الحقِّ" أي: أعرضُوا عن المولى الباطل، ورجعُوا إلى المولى الحقِّ، وقد تقدَّم تفسير
{ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ } [الأنعام:62] في الأنعام. "وضلَّ عَنْهُم": زال وبطل، "مَّا كانُوا يفْتَرون" أي: يعبدون، ويعتقدُون أنهم شفعاء، فإن قيل: قد قال: { وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } [محمد:11]، قيل: المولى هناك هو الناصر، وههنا بمعنى الملك.