التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ
٤٣
قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ
٤٤
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
٤٥
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ
٤٦
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ
٤٧
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ
٤٨
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
٤٩
-يوسف

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} الآية.
اعلم أنَّه ـ تعالى عزَّ وجلَّ ـ إذا أرادَ شيئاً، هيّأ أسبابه، ولما دنا فرجُ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ رأى ملكُ مصر في النوم سبع بقراتٍ سمانٍ خرجن من نهرٍ يابسٍ، ثم خرج عَقِيبَهُنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ في غايةِ الهُزال، فابتلعتِ العجافُ السِّمان، ورأى سبعَ سُنبلاتٍ خُضرٍ، قد انعقد حبُّها، وسبعاً أخر يابساتٍ، قد استحصدت، فالتوتِ اليابساتُ على الخضرِ حتَّى غلبْنَ عليها، فلم يبق من خضرتها شيءٌ؛ فجمع الكهنة، والسَّحرة، والنجامة، والمُعبِّرين، وقصَّ عليهم رؤياه؛ وهو قوله {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}، أخلاط أحلامٍ مُشْتبهَةٌ أهاويلُ.
فصل
قال عليٌّ بنُ أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ: "المعز والبقر إذا دخلت المدينة، فإن كانت سماناً، فهي سِني رخاءٍ، وإن كانت عجافاً، كانت شداداً، وإن كانت المدينة مدينة بحرٍ، وإبَّان سفرٍ، قدمت سفنٌ على عددها، وحالها؛ وإلاَّ كانت فتناً مترادفةً كأنها وجوهُ البقر يشبه بعضها بعضاً؛ كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الفتنِ: "كأنَّها صَياصِيُّ البقَرِ"؛ لتشابهها، إلاَّ أن تكون صفراً كلَّها، فإنَّها أمراضٌ تدخل على النَّاس، وإن كانت مختلفة الألوان شنيعة القرون، كان الناسُ ينفرون منها، أو كان النارُ والدخانُ يخرج من أفواهها؛ فإنها عسكر، أو غارة أو عدوّ، يضرب عليهم، وينزلُ بساحتهم، وقد تدلُّ البقرة على الزَّوجة، والخادم، والغلَّة والسَّنة: لما يكونُ فهيا من الغلَّةِ، والولدِ، والنباتٍ".
قوله: "سِمَانٍ"، صفةٌ لـ"بَقَراتٍ"، وهو جمعُ سمينةٍ، ويجمع "سَمِين" أيضاً عليه يقال: رجالٌ سمانٌ ونساءُ سمان؛ كما يقال: رجالُ كرامٌ ونساءٌ كرامٌ، و"السِّمن": مصدر سَمِنَ يَسْمَنُ فهو سَمِينٌ، فالاسمُ والمصدر، جاءا على غير قياسٍ؛ إذا قياسهما "سَمَن" بفتح الميم ـ فهو سَمِن بسكرها؛ نحو فَرِحَ فرحاً فهو فرح.
قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: هل من فرقٍ بين إيقاع سمانٍ صفة للتمييز: وهو بقراتٍ دون المُميَّزِ: سَبْعَ، وأنَّ نقول: سبع بقرات سماناً؟ قلتُ: إذا أوقعتها صفة لـ"بقَراتٍ"، فقد قصدت إلى أن تميِّز السبع بنوعٍ من البقرات، وهو السِّمان منهن، لا بِجِنْسهِنَّ، ولو وصفت السبع بها، لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقراتِ لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المُميَّز بالجنس بالسمن.
فإن قلت: هلا قيل: "سبع عجافٍ" على الإضافة.
قلت: التمييز موضوع الجنسِ، والعجافُ وصفٌ لا يقع البيان به وحده، فإن قلت: فقد يقولون: ثلاثة فرسانٍ، وخمسة أصحابٍ، لبيانٍ؛ قلتُ: الفارسُ، والصاحبُ، والرَّاكب، ونحوها صفاتٌ جرت مجرى الأسماءِ؛ فأخذت حكمها، وجاز فيها ما لم يجز في غيرها، ألا تراك ألا تقول: عندي ثلاثةً ضخامٌ ولا أربعةٌ غلاظٌ. فإن قلت: ذلك مما يشكل، وما نحنُ بسبيله لا إشكال فيه، ألا ترى أنه لم يقل: وبقرات سبع عجاف؛ لوقوع العلم بأن المراد البقرات قلت: ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء عن قولك: سبع عجاف عمَّا تقترحهُ من التمييز بالوصف" انتهى.
وهي أسئلةٌ وأجوبةٌ حسنة، وتحقيق السؤال الأول وجوابه: أنه يلزمُ من وصفِ التَّمييز بشيء وصف المميز به، ولا يلزم من وصف المميز وصف التمييز بذلك الشيء؛ بيانه: أنك إذا قلت: "عندي أربعة رجالٍ حسانٍ" بالجر، كان معناه: أربعةٌ من الرجال الحسانِ؛ فيلزُم حسنُ الإربعةِ؛ لأنهم بعض الرجالِ الحسانِ، وإذا قلت: عندي أربعة رجالٍ حسانٌ برفع حسان كان معناه: أربعةٌ من الرجال حسان، وليس فيه دلالة على وصف الرجال بالحسن.
وتحقيق الثاني وجوابه: أنَّ أسماء العدد لا تضافُ إلى الأوصاف إلا في ضرورة وإنما يجاء بها تابعة لأسماء [العدد]؛ فيقال: عندي ثلاثةٌ قُرشيُّونَ، ولا يقال ثلاثة قرشيِّين بالإضافة إلا في شعرٍ، ثم أعترض بثلاثةٍ فرسانٍ، وأجاب بجريانِ ذلك مجرى الأسماء.
وتحقيقُ الثالث: أنه إنَّما امتنع "ثلاثةُ ضخامٍ" ونحوه؛ لأنه لا يعلم موصوفه، بخلاف الآية الكريمة، فإنَّ الموصوف معلومٌ، ولذلك لم يصرحْ به.
وأجاب عن ذلك: بأنَّ الأصل عدم إضافةِ العددِ إلى الصِّفة كما تقدم، فلا يترك هذا الأصل مع الاستغناء عنه بالفرع.
وبالجملةِ: ففي هذه العبارةِ قلقٌ، هذا مُلخَّصُهَا.
ولم يذكر أبو حيَّان نصه ولا اعترض عليه، بل لخًّص بعض معانيه، وتركهُ على إشكاله.
فصل في اشتقاق "عجاف"
جمعُ عجفاء: عِجَاف والقياس: عُجْف؛ نحو: حَمْرَاء، وحُمْر؛ حملاً له على سمانٍ؛ لأنَّه نقيضُه، ومن دأبهم حملُ النظير على النظيرِ، والنَّقيضِ على النقيض، قاله الزمخشريُّ,
والعَجَفُ: شدةُ الهزالِ الذي ليس بعده هزال؛ قال: [الكامل]

3106ـ عَمْرُو الَّذي هَشَمَ الثَّريدَ لقَوْمِهِ ورِجَالُ مَكَّة مُسْنِتُونَ عِجَافُ

قال الليث: العَجَفُ: ذهابُ السِّمن، والفِعْلُ: عجف يَعجفُ، والذَّكرُ: أعْجفُ، والأنثى: عَجْفاء، والجمع عِجَافٌ في الذكران والإناث.
وليس في كلام العربِ: أفْعَلُ، وفعلاء، وجمعها على: فِعَالٍ غَيْر أعْجَفَ، وعِجَاف، هي شاذة حملوها على لفظ سمانٍ، وعجافٍ؛ لأنهما نقيضان، ومن عادتهم حملُ النَّظيرِ على النظير، والنَّقيضِ على النَّقيضِ.
وقال الرَّاغب: هو من قولهم: نَصْلٌ أعجفُ، أي: رقيقٌ.
وعَجَفَتْ نفسي عن الطَّعام وعن فلانٍ: إذا نبت عنهما، وأعْجفَ الرَّجل أي: صارتْ [إبله] عِجَافاً.
"وأخَرَ يَابِساتٍ"، قوله: "وأخَرَ" نسقٌ على قوله "سَبْعَ" لا على "سُنْبُلاتٍ" ويكون قد حذف اسم العددِ، من قوله: "وأخَرَ يَابِساتٍ" والتقدير: سَبْعاً أخَرَ، وإنما حذف؛ لأنَّ التقسيم في البقرات نقيضُ التَّقسيم في السنبلات.
قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: هل في الآية دليلٌ على أنَّ السنبلات اليابسة كانت كالخُضرِ؟ قلت: الكلامُ منبيٌّ على انصبابه إلى هذا العددِ في البقراتِ السِّمان والعجافِ، والسنبلات الخضرِ، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله: "وأخَرَ يَابسَاتٍ" بمعنى: وسبعاً أخر" انتهى.
وإنَّما لم يَجُز عطفُ أخر على التمييز، وهو "سُنْبُلاتٍ"، فيكون أخر مجروراً لا منصُوباً؛ لأنه من حيثُ العطف عليه يكونُ من جملة مميز سبع ومن جهة كونه أخر يكون مبايناً لسبع فتدافعا ولو كان ترتيبُ الآية الكريمة سبع سُنبلاتٍ خُضرٍ ويابِساتٍ، لصحَّ العطف، ويكون من توزيع السنبلات إلى هذينِ الموضعين أعني: الاخضرار واليبس.
وقد أوضح الزمخشريُّ هذا حيث قال: "فإن قلتَ: هل يجوز أن يعطف قوله "وأخَرَ يَابسَاتٍ" على "سُنْبُلاتٍ خُضرٍ"، فيكون مجرور المحلِّ؟ قلت: يؤدِّي إلى تدافع؛ وهو أنَّ عطفها على "سُنبُلاتٍ خُضرٍ" يقتضي أن يكون داخلاً في حكمها فيكون معها مميز للسبع المذكور، ولفظ "أخَر" يقتضي أن يكون غير السَّبْعِ؛ بيانه تقول عنده سبعة رجال قيام وقعود بالجر فيصحّ لأنك ميَّزت السبعة برجالٍ موصوفين بالقيام والقعودِ على أنَّ بعضهم قيام، وبعضهم قعودٌ، فلو قلت: عنده سبعةٌ قيامٌ وآخرين قعودٌ؛ تدافع؛ ففسد".
قوله للرُّؤيَا فيه أربعة أقوالٍ:
أحدهما: أن اللام فيه مزيدة، فلا تعلق لها بشيء؛ وزيدت لتقدم المعمول مقوية للعامل؛ كما زيدت فيه إذا كان العامل فرعاً؛ كقوله تعالى:
{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [هود:107]، ولا تزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورة؛ كقوله: [الوافر]

3107ـ فلمَّا أنْ تَوافَيْنَا قَلِيلاً أنَخْنَا للكَلاكِلِ فارْتَمَيْنَا

يريد: أنخنا الكلاكِلَ، فزيدت مع فقدان الشرطين، هكذا عبارة بعضهم يقول: إلا في ضرورة.
وبعضهم يقول: الأكثر ألاَّ تزاد، ويتحرزُ من قوله تعالى
{ رَدِفَ لَكُم } [النمل:72]، لأنَّ الأصل: ردفكُم، فزيدتْ فيه اللامُ، ولا تقدم، ولا فرعيَّة، ومن أطلق ذلك جعل الآية من باب التَّضمين، وسيأتي في مكانه ـ إن شاء الله تعالى ـ، وقد تقدم من ذلك طرفٌ جيدٌ.
الثاني: أن يضمَّن تعبرون معنى ما يتعدَّى باللام، تقديره أي: إن كنتم تنتدبون لعبارةِ الرؤيا.
الثالث: أن يكون "للرُّؤيا" خبرُ "كنتم"؛ كما تقول: "كان فلانٌ لهذا الأمرِ"، أي: إذا استقلّ به متمكِّناً منه، وعلى هذا فيكون في "تَعْبرُونَ" وجهان:
أحدهما: أنًَّهُ خبر ثانٍ لـ"كُنْتُمْ".
الثاني: أنه حالٌ من الضمير المُرتفعِ بالجار؛ لوقوعه خبراً.
الرابع: أن تتعلق اللام بمحذوفٍ على أنَّها للبيان؛ كقوله تعالى
{ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ } [يوسف:20] تقديره: أعني فيه، وكذلك هذا، تقديره: أعني للرُّؤيا، وعلى هذا يكون مفعولُ "تَعْبُرُونَ" محذوفاً تقديره: تعبرونها.
وقرأ أبو جعفر: الرُّيَّا [وبابها الرؤيا] بالإدغام؛ وذلك أنَّه قلب الهمزة واواً؛ لسكونها بعد ضمةٍ، فاجتمعت "واوٌ"، و"ياءٌ" وسبقت إحداهما بالسكون؛ فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياءُ في الياءِ.
وهذه القراءة عندهم ضعيفةٌ؛ لأن البدل غير لازمٍ، فكأنَّه لم يوجد واوٌ؛ نظراً إلى الهمزة.
فصل في معنى "تعبرون"
يقال: عَبَرْتُ الرُّؤيَا أعبرها عبارة، وعبَرةً بالتخفيف، قال الزمخشريُّ: "وهو الذي اعتمدهُ الأثباتُ، ورأيتهم يُنْكِرُونَ "عَبَّرتُ" بالتشديد، والتَّعبير والمُعبِّر" قال: وقد عثرتُ على بيتٍ أشده المبرِّد في كتاب الكاملِ لبعضِ الأعرابِ: [السريع]

3108ـ رَأيتُ رُؤيَا ثُمَّ عبَّرتُهَا وكُنْتُ للأحْلامِ عَبَّارَا

قال وحقيقة تعبير الرؤيا: ذكرُ عاقبتها، وآخر أمرها؛ كما تقول: عبرتُ النَّهر إذا قطعتهُ حتَّى تبلغ آخرَ عرضه.
قال الأزهريُّ: "مأخوذٌ من العُبْرِ، وهو جانبُ النَّهر، ومعنى عبرتُ النَّهرَ والطريق: قطعتهُ إلى الجانب الآخر، فقيل لعابرِ الرؤيا: عابرٌ؛ لأنَّه يتأمل جانبي الرُّؤيا، ويتفكرُ في أطرافها وينتقل من أحد الطَّرفين إلى الآخر".
قال بعضُ أهل اللغة: العينُ، والباءُ، والراءُ، تضعها العرب: لجوار الشيء، ومضيفه، وقلَّة تمكنه، ولبثه، وهو فعل، يقال: عبر الرؤيا: أخرجها من حال النَّوم إلى حال اليقظةِ، كعبور البحر من جانب إلى جانبٍ.
وناقة عبراء سفار، أي: يقطعُ بها الطريق ويعبرُ.
والشِّعرى: العبُورُ؛ لأنها عبرت المجرَّة.
والاعتبارُ بالشيء: هو التَّمثيلُ بينه وبين حاكيه.
والعبرةُ: الدَّمعةٌ؛ لعبورها العين، وخروجها من الجفنِ.
والعَنْبَرُ: منه؛ لأنَّ نونه زائدةٌ، وهو عبر لحي طفاوة على الماء لا يعرف معدته.
والعَنْبَرُ ـ أيضاً ـ سمكةٌ في البحرِ، والعنبرُ: اسمُ قبيلة، والعنبرُ: شدَّة الشتاء.
قال بعضهم: ثلاثةُ أشياء لا يعرف معدنها:
أحدها: العَنْبَرُ يجيءُ ظفاؤه على وجه الماءِ.
وثانيها: المومياء بأرض فارس، ومعناه: مُومٌ، أي: شمعُ الماء لا يعرف من أين يجيءُ، ولا من أين ينبع، يُعْمَلُ له حوضٌ في البحر وينصب عليه مصفاة كالغربال يجري منه الماء، وينبع منه وتبقى المومياء؛ فتؤخذ إلى خزانة السُّلطان.
وثالثها: الكهلُ: وهو نوعٌ من الخَرزِ أصفر يطفُو على وجهِ الماءِ في بحر المغرب وبحر طبرستان، ولا يعرف معدنه.
قوله جلَّ وعلا: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}، خبر متبدإ مضمر، أي: هي أضغاث، يعنون: ما قصصته علينا، والجملة منصوبةٌ بالقول.
والأضغاثُ: جمع ضِغْث ـ بكسر الضاد ـ وهو ما جمع من النبات، سواءٌ كان جنساً واحداً، أو أجناساً مختلطة.
قال بن الخطيب: بشرط أن يكون مما قام على ساقٍ، وهو أصغرُ من الحزمة، وأكبر من القبضة، فمن مجيئه من جنسٍ واحدٍ، قوله تعالى:
{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } [ص:44]، ويُروى أنه أخذ عثكالاً من نخلةٍ، وفي الحديث: "أنَّه أتي بمريضٍ وحب عليْهِ الحدُّ ففعل به ذلِكَ". وقال ابن مقبل: [الكامل]

3109ـ خَودٌ كأنَّ فِراشَهَا وضِعَتْ بِهِ أضْغَاثُ ريْحَانٍ غَداةَ شَمالِ

ومن مجيئه من أخلاط النبات قولهم في أمثالهم: "ضِغثٌ على إبَّالةٍ".
وقال الرَّاغب ـرحمه الله ـ: الضَّغْثُ: قبضة ريحانٍ، أو حشيشٍ، أو قصبان، وقد تقدم أنه أكثر من القبضةِ.
واستعمال الأضغاث ـ هنا ـ من باب الاستعارة، فإن الرؤيا إذا كانت مخلوطةً من أشياء غير متناسبةٍ، كانت شبهية بالضِّغثِ.
والإضافة في {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}، إضافةٌ بمعنى "مِنْ"، والتقدير: أضغاثُ من أحلام.
والأحلامُ: جمعُ حلم، وهو الرؤيا، والفعل منه حلمتُ أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر ـ حُلُماً، وحُلْماً: مثقلٌ، ومخففٌ.
قوله تعالى: "بتأويل" الباء متعلقةٌ بـ "عَالمِينَ"، والباءُ في "بِعَالمِينَ" لا تعلق لها؛ لأنها زائدة إمَّا في خبر الحجازيَّة أو التَّميميَّة، وقولهم ذلك يحتمل أن يكون نفياً للعلم بالرؤيا مطلقاً، وأن يكون نفياً للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصة دون المنام الصَّحيح.
وقال أبو البقاءِ: أي: بتأويل أضغاثِ الأحلام لا بد من ذلك؛ لأنَّهم لم يدَّعوا الجهل [بتعبير] الرؤيا انتهى.
وقوله "الأحلام" وإنَّما كان واحداً، قال الزمخشريُّ: "كما تقولُ: فلان يركب الخيل، ويلبسُ عمائمَ الخزِّ، لمن لا يركبُ إلا فرساً واحداً، ولا يتعمَّمُ إلاَّ بعمامةٍ واحدةٍ تأكيداً في الوصف، ويجوز أن يكون قصَّ عليهم مع هذه الرؤيا غيرها".
والتأويلُ: هو ما يَئُولُ الشيء إليه، أي: يرجعُ الشيء إليه، ومنه تأوَّل وهو معنى التفسير؛ لأنَّ التأويل تفسير اللفظ الراجع إلى المعنى.
فصل
اعلم أنه ـ سبحانه وتعالى ـ جعل هذه الرؤيا سبباً لخلاص يوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من السِّجن؛ وذلك أنَّ الملك لمَّا رأى ذلك، قلق واضطرب بسببه؛ لأنه شاهد أن الناقِصَ الضَّعيف استولى على الكاملِ، فشهدت فطرته بأن هذا أمرُ عداوةٍ ومقدّرٍ بنوع من أنواع الشرِّ، إلا أنه ما عرف كيفية الحالِ فيه.
والشيء إذا صار معلوماً من وجهٍ، وبقي مجهُولاً من وجه آخر ـ عظم شوقُ النفس إلى تمام تلك المعرفةِ، وقويتِ المعرفةُ في إتمام الناقصِ لا سيِّما إذا كان الإنسان عظيمَ الشَّأنِ، واسِعَ المملكةِ، وكان ذلك الشيء دالاًّ علَى الشرِّ من بعض الوجوه، فبهذا الطريق قوَّى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم، بتفسير هذه الرؤيا، وأنه ـ تعالى ـ عجَّز المُعبِّرين الحاضرين عن جواب هذه المسألة؛ ليصير ذلك سبباً لخلاصِ يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ من تلك المحنةِ.
واعلم أنَّ القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير؛ بل قالوا إنَّ علم التعبير على قسمين:
منه ما يكون الرؤيا فيه منتظمة، فيسهلُ الانتقال من الأمور المتخيلةِ إلى الحقائق العقلية.
ومنه ما يكون مختلطاً مضطرباً، ولا يكون فيه ترتيبٌ معلومٌ، وهو المسمَّى بالأضغاث.
فقالوا: إنَّ رؤيا الملكِ من قسم الأضغاث، ثُمَّ أخبرُوا أنهم غير عالمينَ بتعبير هذا القسم، وفيه [إبهام] أنَّ الكامل في هذا العلم، والمُتبحِّر فيه يهتدي إليها، فعند هذه المقالة تذكَّر السَّاقي واقعة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأنه كان يعتقدُ فيه كونه مُتَبحِّراً في هذا العلم.
قوله: "وادَّكَرَ" فيه وجهان:
أظهرهما: أنَّها جملة حالية، إمَّا من الموصول، وإما من عائده، وهو فاعل نَجَا.
والثاني: أنها عطف على نَجَا فلا محل لها؛ لنسقها على ما لا محل له.
والعامَّةُ على ادَّكَرَ بدالٍ مهلمة مشدَّدة، وأصلها: اذْتَكَرَ، افْتَعَلَ، من الذكر فوقعت تاءُ الافتعال بعد الدال؛ فأبدلت دالاً، فاجتمع متقاربان؛ فأبدل الأول من جنس الثاني، وأدغم.
قال الزمخشريُّ: وادَّكَرَ بالدال هو الفصيحُ.
وقرأ الحسن البصريُّ: بذالٍ معجمة. ووجَّهوها بأنه أبدل التَّاء ذالاً؛ من جنس الأولى، وأدغم، وكذا الحكمُ في مُدِّكِر كما سيأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ.
والعامةُ: على (أمة) بضم الهمزة، وتشديد الميم، وتاء منونةٍ، وهي المدة الطويلة.
وقرأ الأشهب العقيليُّ: بكسر الهمزة؛ وفسَّروها بالنعمةِ، أي: بعد نعمةٍ [أنعم بها] عليه؛ وهي خلاصه من السِّجن، ونجاته من القَتلِ؛ وأنشد الزمخشريُّ لعديِّ: [الخفيف]

3110ـ ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإمْـ ـمَةِ وارتْهُمُ هُناكَ القُبُورُ

وأنشد غيره: [الطويل]

3111ـ ألاَ لاَ أرَى ذَا أمَّةٍ أصْبَحَتْ بِهِ فَتتْرُكُه الأيَّامُ وهيَ كَما هِيَا

وقرأ ابن عبَّاس، وزيدُ بنُ عليّ، وقتادة، الضحاك، وأبو رجاء رضي الله عنهم "أَمَه" فتح الهمزة وتخفيف الميم منونة وهي المدة من الأمة وهو النسيان يقال أمِه يَأمَهُ أمَهاً بفتح الميم وسكونها، والسكون غير مقيسٍ؛ قال الشاعر: [الوافر]

3112ـ أمِهْتُ وكُنْتُ لا أنْسَى حَدِيثاً كَذاكَ الدَّهْرُ يُودِي بالعُقُولِ

وقرأ مجاهدٌ، وشبل بن عزرة: بعد أمْه بسكون الميم، وتقدَّم أنه مصدر لـ"أَمِهَ" على غير قياسٍ.
قال الزمخشري: "ومن قرأ بسكون الميم، فقد خُطِّىءَ".
قال أبو حيَّان: "وهذه على عادته في نسبةِ الخطأ إلى القراء".
قال شهابُ الدِّين ـرحمه الله ـ: لَمْ ينسبْ إليهم خطأ؛ وإنما حكى أنَّ بعضهم خطَّأ هذا القارىء؛ فإنه قال: "خُطِّىءَ" بلفظ ما لم يسمَّ فاعله ولم يقل: فقد أخطأ، على أنَّه إذا صحَّ أنَّ من ذكره قرأ بذلك فلا سبيل إلى نسبة الخطأ إليه ألبتَّة.
وبَعْدَ منصوب بـ"ادَّكَرَ" وقوله أنَا أنَبِّئُكمْ هذه الجملة هي المحكية بالقول.
وقرأ العامة أنَبِّئُكُمْ من الإنْباءِ، وقرأ الحسن أنا آتِيكُم مضارع أتى من الإتيانِ، وهو قريب من الأول.
فصل
لمَّا اعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب، فذكر الشَّرابيُّ قول يوسف
{ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } [يوسف:42]، {بَعْدَ أُمَّةٍ} بعد حينٍ، بعد سَبْعِ سنينَ، وذلك أنَّ الحينَ إنَّما يحصل عند اجتماع الأيام الكثيرة، كما أن الأمة إنما تحصل عند اجتماع الجمع العظيم، فالحين كان أمة من الأيام والسَّاعاتِ. فإن قيل: قوله {وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} يدل على أنّ الناسي هو الشرابي، وأنتم تقولون: إنَّ النَّاسي هو يوسف ـ عليه السلام ـ.
فالجواب: قال ابنُ الأنباري: ادَّكرَ بمعنى: ذَكَرَ وأخْبَر، فهذا لا يدلُّ على سبقِ النسيان، فلعلَّ الساقي إنما لم يذكر يوسف عليه السلام عند الملكِ، خوفاً عليه من أن يكون ادِّكَاراً لذنبه الذي من أجله حُبس، فترك للشر، ويحتمل أن يكون حصل النسيانُ ليوسف ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ [وحصل] أيضاً لذلك الشرابي.
رُوِيَ أنَّ الغلام جثا بين يدي الملك، وقال إنَّ بالسجْنِ رجُلاً يُعبِّر الرؤيا.
"فأرْسِلُون" خطابٌ، إما للملك، والجمع، أو للملك وحده؛ على سبيل التعظيم، وفيه اختصارٌ، تقديره: فأرسلْنِي إيها الملكُ إليه، فأرسله فأتى السِّجن.
قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: ولم يكن السجنُ في المدينة.
فقال: يُوسُف، أي: يا يُوسف "أيُّها الصِّديقُ" والصِّدِّيقُ: هو المبالغ في الصدقِ، وصفهُ بهذه الصفة؛ لأنه لم يجرب عليه كذباً، وقيل: لأنه صدق في تعبير رؤياه، وهذا يدلُّ على أنَّ الساقي والخباز لم يكذبا على يوسف في منامهما، ولم يذكراه امتحاناً له، كما زعم بعضهم ثم إنَّه أعاد السؤال باللفظ الَّذي ذكره الملكُ؛ فإن تعبير الرُّؤيا قد تخلتفُ باختلافِ الألفاظِ؛ كما هو مذكورٌ في علم التعبير لعَلِّي أرجعُ إلى النَّاس بفتواك؛ لأنه عجز سائرُ المُعبِّرين على الجواب، فخاف أن يعجز هو أيضاً؛ فلهذا السبب قال: {لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} منزلتك من العلم.
قوله: "تَزْرعُونَ" ظاهر هذا، إخبار من يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ بذلك.
وقال الزمخشريُّ: تَزْرعُونَ خبرٌ في معنى الأمر؛ كقوله
{ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ } [الصف:11]، وإنما خرج الأمر في صورة الخبر؛ للمبالغة في إيجاب المأمور به فيجعل كأنَّه وجد، فهو مخبر عنه؛ والدليلُ على كونه في معنى الأمر قوله: {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ}.
قال أبو حيان: ولا يدلُّ الأمر بتركه في سنبله على أنَّ تَزْرعُونَ في معنى: ازْرَعُوا، بل تَزْرعُونَ إخبار غيب، وأمَّا فَذرُوهُ فهو أمرُ إشارةٍ بما ينبغي أن يفعلوه.
وهذا هو الظاهرُ، ولا مدخل لأمر الله لهم بالزراعةِ، لأنهم يزرعون على عادتهم أمرهم، أو لم يأمرهم، وإنما يحتاج إلى الأمر فيما لم يكن من عادة الإنسان أن يفعله كقوله في سُنبلهِ.
قوله دَأباً قرأ حفصٌ: بفتحِ الهمزة، والباقون: بسكونها؛ وهما لغتان في مصدر: دَأبَ يدأبُ دأباً، أي: دَاومَ على الشيء ولازمه.
وقيل: بجدٍّ، واجتهادٍ؛ وهذا كما قالوا: ضأنُ وضَأن، ومعَز ومَعْز: بفتحِ العين وسكونها.
قال أبو علي الفارسي: الأكثروُ في "دَأبَ" الإسكانُ، ولعلَّ الفتح لغةٌ وفي انتصابه أوجه.
أحدها: وهو قول سيبويه: أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: تدْأبُون دأباً.
والثاني: وهو قول أبي العبَّاس ـ رضي الله عنه ـ: أنه منصوبٌ بـ "تَزْرعُونَ"؛ لأنه من معناه، فهو من باب: قعدت القُرْفُصَاء.
وفيه نظرٌ؛ لأنه ليس نوعاً خاصًا به بخلافِ القرفصاء مع القعودِ.
والثالث: أنه مصدر واقعٌ موقع الحال، فيكون فيه الأوجه المعروفةُ، إما للمبالغة وإما وقوعه موقع الصِّفة، وإما على حذف مضاف، أي: دائبين أو ذوي دأبٍ، أو جعلهم نفس الدَّأب؛ مبالغة.
وقد تقدم الكلامُ على الدَّأب في "آل عمران" عند قوله ـ عز وجل ـ
{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } [آل عمران:11].
قوله: {فَمَا حَصَدتُّمْ}، ما: يجوز أن تكون شرطيَّة أو موصولة.
قوله: {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} أمرهم بترك الحنطةِ في السنبل؛ لتكون أبقى على الزمان، ولا تفسد.
قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ}، أي تدرسون قليلاً؛ للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر، والأكل قدر الحاجة.
وقرأ أبو عبد الرحمن يَأكُلونَ بالغيبة، أي: الناسُ، ويجوز أن يكون التفاتاً.
فصل
قال القرطبيُّ: "هذه الآية أصلٌ في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ للأديان، والنفوس، والعقول والأنساب، والأموال، فكل ما يضمن تحصيل شيء من هذه الأمور، فهو مصلحةٌ وكل ما يفوت شيئاً منها، فهو مفسدةٌ؛ ودفعه مصلحةٌ، ولا خلاف أنَّ مقصود الشرائع إرشادُ النَّاس إلى مصالحهم الدُّنيويَّة، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى، وعبادته [الموصلتين] إلى السعادةِ الأخرويَّة، ومراعاةُ ذلك فضلٌ من الله ورحمة".
قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} حذف المميز، وهو الموصوف؛ لدلالة ما تقدَّم عليه، ونسب الأكل إليهن، مجازاً؛ كقوله:
{ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } [يونس:67] لمَّا كان الأكل، والإبصار فيهما، جعلا كأنهما واقعان منهما، مبالغة.
و"الشِّدادُ": الصِّعابُ التي تشتدُّ على الناس؛ فلذلك سمَّى السنين المجدبة شداداً.
يَأكُلْنَ، أي: يُفْنِين، ويهلكن الطعام إلاَّ قليلاً ممَّا تُحْصِنُون: تحرزُونَ، وتدَّخِرُونَ؛ للبذر.
"والإحصانُ: الإحرازُ، وهو [إبقاء] الشيء في الحصنِ، يقال: أحْصَنَهُ إحصاناً، إذا جعله في حِرْزٍ".
قوله [تعالى]: {يُغَاثُ ٱلنَّاسُ} يجوز أن تكون الألف عن واوٍ، وأن تكون عن ياءٍ: إما من الغوث، وهو الفرج، وفعله رباعي، يقال: أغَاثَنا اللهُ إذَا أنْقذنَا من كرْبٍ أو غمٍّ، ومعناه: يغاثُ الناسُ من كَرْبِ الجَدبِ.
وإما من الغيثِ، وهو المطرُ، يقال: أغْيَثَت الأرض، أي: أمطرتْ، وفعله ثلاثي، يقال: أغَاثَنَا الله من الغَيْثِ، وقالت أعرابيةٌ: غِثْنَا ما شِئْنَا، أي: أمْطِرنا ما أردْنَا.
فصل
يقال: أسْنَتُوا، أي: دخلوا في سنةٍ مجدبة: "وقال المفسِّرون: السبعة المتقدمةُ: هي الخصبُ وكثرةُ النِّعم، والسَّبعة الثانية: هي القَحْطُ، وهي معلومةٌ من الرؤيا، وأمَّا حالُ هذه السنةِ، فما حصل في ذلك المنام ما يدلُّ عليه، بل حصل ذلك مِنَ الوَحْيِ".
قال قتادةُ ـرحمه الله ـ: زادهُ الله علمَ سنةٍ.
فإن قيل: لما كانت العِجافُ سَبْعاً، دلَّ على أنَّ السنين المجدبة لا تزيدُ على هذا العدد، ومن المعلوم أنَّ الحاصل بعد انقضاء القحطِ، هو الخصبُ، فكان هذا ـ أيضاً ـ من مدلُولاتِ المنامِ، فلم قلتم: إنَّه حصل بالوحي والإلهام؟.
فالجواب: هَبْ أنَّ تبدل القحْطِ بالخصب معلومٌ، وأما تفصيلُ الحال فيه، وهو قوله: {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} لا يعلمُ إلا بالوحي.
قوله يَعْصِرونَ قرأ الأخوان: "تَعْصِرُونَ" بالخطاب، والباقون بياء الغيبة، وهما واضحتان؛ لتقدم مخاطبٍ أو غائبٍ، فكلُّ قراءةٍ ترجعُ إلى ما يليقُ بها.
و"يَعْصِرُونَ" يحتمل أوجهاً:
أظهرها: أنه من عصر العِنبِ، والزيتونِ، والسمسمِ، ونحو ذلك.
والثاني: أنَّه من عصر الضَّرع، إذا حلبه.
والثالث: أنه من العصرةِ، وهي النجاةٌ، والعُصْر: المنجي. وقال أبو زيد في عثمان ـ رضي الله عنه ـ: [الخفيف]

3113ـ صَادِياً يَسْتغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ولقَدْ كَان عُصْرةَ المَنجُودِ

[ويعضدُ] هذا الوجه مطابقة قوله: {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ} يقال: عَصَرَه يَعْصِرهُ، أي: أنجاه. وقرأ جعفر بن محمدٍ، والأعرج: "يُعْصَرُونَ" بالياء من تحت، وعيسَى بالتاءِ من فوقُ، وهو في كلتا القراءتين مبني للمفعولِ، وفي هاتين القراءتين تأويلان:
أحدهما: أنها من عصره، إذا أنجاه: قال الزمخشريُّ: "وهو مطابق للإغاثةِ".
والثاني: ـ قاله قُطربٌ ـ أنَّهما من الإعْصارِ، وهو إمطار السحابةِ الماء؛ كقوله تعالى:
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً } [النبأ:14]، وقال الزمخشريُّ: وقُرىء: "يُعْصَرُون، تُمْطرُونَ"، من أعصرتِ السَّحابةُ، وفيه وجهان:
إمَّا أن يضمَّن أعصرت معنى مُطِرَت، فيعدَّى تعْدِيتَه، وإما أن يقال: الأصلُ: أعْصِرَتْ عليهم، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى ضميرهم أو يسندُ الإعصارُ إليهم؛ مجازاً، فجعلوا معصرين.
وقرأ زيد بن عليّ: "تِعِصّرُون" بكسر التاء، والعين، والصاد مشددة، وأصلها يعْتَصِرُون، فأدغم التاء في الصاد، وأتبع العين للصادِ، ثمَّ أتبعَ التاء للعين وتقدم [تقريره] في قوله
{ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } [يونس:35].
ونقل النقاشُ قراءة "يُعَصِّرُونَ" بضمِّ الياء، وفتح العين، وكسر الصَّاد مشددة؛ من "عَصَّر" للتكثير، وهذه القراءة، وقراءة زيدٍ المتقدمة، تحتملان أن يكونا من العصرِ للنبات، أو الضَّرع، أو النَّجاة؛ كقول الشاعر: [الرمل]

3114ـ لَوْ بِغيْرِ الماءِ حَلقِي شَرقٌ كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي