التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي هَـٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
٦٥
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
٦٦
وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ
٦٧
-يوسف

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ} الآية: المتاعُ: ما يصلح لأن يُستمتع به، وهو عامًّ في كلِّ ما يُسْتَمْتعُ به، والمراد به ههنا: الطعامُ الذي حملوه، ويجوز أن يرادُ به أوعيةُ الطعام، {وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ}، ثمن البضاعة.
{رُدَّتْ إِلَيْهِمْ}؛ قرأ الأكثرون بضمِّ الراء، وقرأ علقمة ويحيى، والأعمش: "رِدَّتْ" بكسر الرَّاءِ، على نقل حركة الدَّال المدغمةِ إلى الراء بعد توهُّم خلوها من حركتها، وهي لغةُ بني ضبَّة.
على أنَّ قطرُباً حكى عن العرب: نقل حركةِ العين إلى الفاء في الصحيح؛ فيقولون: ضِرْبُ زَيْد، بمعنى: ضُرِبَ زيد،و قد تقدم ذلك في قوله:
{ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ } [الأنعام:28] في الأنعام.
قوله: "مَا نَبْغِي" في "مَا" هذه وجهان:
أظهرهما: أنها استفهاميةٌ، فهي مفعولٌ مقدمٌ، واجبُ التقديم؛ لأن لها صدر الكلام، أي: أيَّ شيء نبغِي، أعطانا الطعام على أحسنِ الوجوه، فأي شيء نبغي وراء ذلك.
والثاني: أن تكون نافية ولها معنيان:
أحدهما: قال الزجاج ـرحمه الله ـ: ما بقي لنا ما نطلبُ، أي: بلغَ الإكرامُ إلى غايةٍ، ما نَبْغِي وراءها شيئاً آخر. وقيل: المعنى أنَّه ردَّ بضاعتنا إلينا، فنحن لا نَبْغِي عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى، فإنَّ هذه التي معنا كافية لنا.
والثاني: ما نَبْغِي، من البَغْيِ، أي: ما أفْتريْنا، ولا كذبنا على هذا الملك في إكرامهِ وإحسانه.
قال الزمخشريُّ: "ما نَبْغِي في القولِ، وما نتزيَّد فيما وصفنا لك من إحسانِ الملكِ".
وأثبت القراء هذه الياء في "نَبْغِي" وصلاً ووقفاً، ولم يجعلوها من الزَّوائد، بخلاف التي في الكهفِ، في قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ:
{ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } [الكهف:64]، والفرقُ أنَّ "ما" ـ هناك ـ موصولةٌ، فحذف عائدها، والحذف يؤنس بالحذف.
وهذه عبارةٌ مستفيضة عند أهلِ هذه الصناعة؛ يقولون: التغييرُ يُؤنسُ بالتغيير، بخلافها هنا، فإنها: إما إستفهاميةٌ، وإما نافيةٌ، ولا حذف على القولين حتى يؤنس بالحذفِ.
وقرأ عبدالله، وأبو حيوة، وروتها عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تَبْغِي" بالخطاب و "مَا" تحتملُ الوجهين ـ أيضاً ـ في هذه القراءةِ، والجملة من قوله: "هَذِه بِضَاعَتُنَا" يحتملُ أن تكون مفسرةً لقولهم "مَا نَبْغِي" وأن تكون مستأنفة.
قوله "ونميرُ" معطوفةٌ على الجملة الاسميةِ، وإذا كانت "مَا" نافية جاز أن تعطف على "نَبْغِي" فيكون عطف جملة فعلية على مثلها.
وقرأت عائشة، وأبو عبد الرحمن ـ رضي الله عنهما ـ "ونُمِيرُ" من أمارهُ إذا جعل لَهُ المِيرَة، يقال: مَارَهُ يَمِيرهُ، وأمَارَهُ يُمِيرُه، والمِيرَةُ: جَلْبُ الخَيْرِ؛ قال: [الوافر]

3118ـ بَعَثْتُكَ مَائِراً فَمَكثْتَ حَوْلاً مَتَى يَأتِي غِيَاثُكَ مَنْ تُغِيثُ

والبعير لغة يقع على الذكر خاصة، وأطلقه بعضهم على الناقةِ أيضاً وجعلهُ نظير "إنْسَانٍ" ويجوز كسر بائه إتباعاً لعينه، ويجمع في القلَّة على أبعرة، وفي الكثرة على بعران.
والمعنى: ونزدادُ كيل بعيرٍ بسبب حُضُور أخينا؛ لأنه كان يكيلُ لكل رجلٍ حمل بعير.
ثم قال: {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} قال مقاتل ـرحمه الله ـ: ذلك كيلٌ يسير على هذا الرجل المحسن، وحرصه على البذل، وهو اختيار الزجاج.
وقيل: {ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ}، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحَبْسِ والتَّأخير. وقيل: ذلك الذي يدفع إلينا بدُون أخينا شيئاً يسيراً قليلاً، لا يكفينا وأهلنا؛ فابعثْ أخانا معنا؛ لكي يكثر ما نأخذه.
وقال مجاهدٌ: البعِيرُ ههنا الحمارُ، "كَيْلُ بعيرٍ" أي: حِمْلُ حمار، وهي لغة، يقال للحَمير بَعِير، وهم كانوا أصحاب حُمُر، والأول أصحُّ؛ بأنه البعيرُ المعروف.
قوله تعالى: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} الآية.
الموْثِق: مصدر بمعنى الثقةِ، ومعناه: العَهْدُ الذي يُوثق به، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول، يقول: لن أرسله معكم حتى تعطوني عهداً يوثقُ به.
وقوله "مِنَ اللهِ" أي: عهداً موثوقاً به؛ بسبب تأكد الشهادة من الله، أو بسببِ القسمِ بالله عليه.
والمَوْثِقُ: العهدُ المؤكَّد بالقسم، وقيل: المؤكَّد بإشهادِ الله على نفسه.
قوله: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} هذا جوابٌ للقسم المضمر في قوله "مَوْثِقاً"؛ لأنَّ معناه حتى تحلفوا لي لتأتنني به.
قوله {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} في هذا الإستثناء أوجه:
أحدها: أنه منقطع، قاله أبو البقاء. يعني فيكون تقدير الكلام: لكن إذا أحيط بكم خرجتم من عتبي، وغضبي عليكم إن لم تَأتُوني به؛ لوضوحِ عُذْركُم.
والثاني: أنه متصلٌ، وهو استثناء من المفعول له العام. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناءِ، ففيه إشكالٌ؟ قلتُ: "أنْ يُحاطَ بِكُمْ" معفولٌ له، والكلام المثبت، الذي هو قوله "لتَأتُنَّنِي بهِ" في معنى النَّفي، معناه: لا تَمْتنِعُون من الإتيان به؛ إلا للإحاطة بكم، أو لا تمتنعون منه لعلةٍ واحدة وهي {أَن يُحَاطَ بِكُمْ} فهو استثناءُ من أعمِّ العامِّ في المفعول له، والاستثناءُ من أعم العام لا يكونُ إلا في النفي وحده؛ فلا بُدَّ من تأويله بالنَّفي، ونظيره في الإثبات المتأول بالنفي بمعنى النفي قولهم: أقْسَمْتُ باللهِ لما فعَلتَ وإلاَّ فعلتَ بزَيْدٍ يريد ما أطلب منك إلاَّ الفعل". ولوضوح هذا الوجه لم يذكره غيرهُ.
الثالث: أنه مستثنى من أعمِّ العام من الأحوال. قال أبُو البقاء: تقديره: لتَأتُنَّنِي به على كلِّ حالٍ، إلا في حالٍ، إلا في حالِ الإحاطةِ بكم.
قال شهابُ الدِّين: "قد نصُّوا على أنَّ أنْ الناصبة للفعلِ، لا تقعُ موقع الحال وإن كانت مُؤولةً بمصدرٍ، يجوز أن تقع موقع الحالِ؛ لأنهم لم يَغتَفِرُوا في المؤولِ ما يَغْتفرونه في الصَّريح، فيجيزون: جِئْتُك رَكْضاً، ولا يجيزون: جِئْتُكَ أن أرْكُض وإنْ كانا في تأويله".
الرابع: أنُّه مستثنى من أعمِّ العامِّ في الأزمان، والتقدير: لتَأتُنَّنِي به في كل وقتٍ إلا في وقت الإحاطة بكم، وقد تقدم [البقرة:258] الخلافُ في هذه المسألة، وأنَّ أبا الفتح أجاز ذلك كما يجوزه في المصدر الصريح، فكما تقول: "آتيك صِيَاحَ الدِّيك" يجوز أن تقول: آتيك أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وجعل من ذلك قول تأبَّط شرًّا: [الطويل]

3119ـ وقَالُوا لهَا: لا تَنْكِحِيهِ فإنَّهُ لأوَّلِ نَصْلٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعَا

وقول أبِي ذُؤيبٍ الهُذليِّ: [الطويل]

3120ـ وتَاللهِ مَا إنْ شَهْلَةٌ أمُّ واحدٍ بأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُهَا

قال: تقديره: وقت ملاقاته الجمع، ووقت إهانة صغيرها.
قال أبو حيَّان: "فعلى ما قاله يجوز تخريج الآية، ويبقى {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} على ظاهره من الإثبات".
قال شهابُ الدِّين ـرحمه الله ـ: "الظَّاهرُ من هذا أنه استثناء مفرغ، ومتى كان مُفرغاً وجب تأويله بالنفي".
ومنع ابن الأنباري ذلك في "أنْ" وفي "مَا" أيضاً، قال: "فيجوزُ أن تقول: خُروجُنَا صِيَاح الدِّيك، ولا يجوز: خُرُوجنَا أن يَصِيحَ الدِّيكُ، أوْ مَا يَصِيح الديك. فاغتفر في الصريح ما لم يغتفر في المؤوَّل، وهذا قياسُ ما تقدم في منع وقوع أن وما في حيِّزها موقع الحالِ، ولك أن تفرق بينهما بأنَّ الحال تلزم التنكير، و"أنْ" وما في حيزها نصُّوا على أنها في رتبة المضمر في التعريف، وذلك يغني عن وُقُوعِهَا موقع الحال، بخلاف الظَّرف، فإنه لا يشترط تنكيره، فلا يمتنع وقوعُ "أنْ" وما في حيزها موقعه".
فصل
قال الواحديُّ: للمفسرين في الإحاطةِ قولان:
الأول: معناه الهلاكُ. قال مجاهد: إلاَّ أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذراً عندي، والعرب تقول: أحيط بفلانٍ إذا قرب هلاكه.
قال الزمخشري: قال تعالى:
{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [الكهف:42] أي أصابه ما أهلكه، وقال تعالى: { وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } [يونس:22]، وأصله؛ أنَّ من أحاط به العدوُّ، وانسدت عليه مسالكُ النجاةِ، ودنا هلاكه؛ فقد أحيط به,
والثاني: قال قتادة: ومعناه إلاَّ أن تَصِيرُوا مَغلُوبِين مَقْهُورين، لا تقدرون على الرجوع.
{فلما ءاتوه موثقهم}، أي: أعطوه عهدهم. قال يعقوب ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي: شهيدٌ بمعنى شاهدٍ.
وقيل: حافظاً، أي: أنه موكلٌ إليه هذا العهد فإن وفيتم به، جازاكم خير الجزاءِ، وإن غدرتم به، كافأكم بأعظم العقوبات.
قوله تعالى: {وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} الآية، وذلك أنه كان يخافُ عليهم العين؛ لأنَّهم كانوا أعطوا جمالاً، وقوة، وامتداد قامة، وكانوا ولد رجلٍ واحد، فأمرهم أن يتفرَّقُوا في دخولها؛ لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حقٌّ، ويدل عليه وجوه:
الأول: رُوِيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يعوِّذُ الحسن فيقول:
"أعُوذُ بِكلمَاتِ اللهِ التَّامةِ من كُلِّ شيْطَانٍ وهَامَّةٍ، و من كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ" .
ويقول: هكذا يُعوذُ إبراهيم إسماعيل وإسحاق ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
"ورُوِيَ عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: دَخَلْتُ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في أوَّلِ النَّهارِ فَرَأيْتهُ شَديدَ الوَجع، ثُمَّ عدت إليْهِ آخِرَ النَّهارِ فوَجَدتهُ مُعَافى، فقال: إنَّ جِبْريلَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أتَانِي فرقَانِي، فقال: بسمِ اللهِ أرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤذِيكَ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ وحَاسدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، قال ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليْهِ ـ فأفَقْتُ.
وأتِيَ بابْنَي جَعْفَرٍ ـ رضي الله عنه ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا غلماناً بيضاً، فقيل: يا رسول الله إنَّ العيْنَ تسرعُ إليْهِمَا، أفأسْتَرقِي لهُمَا مِنَ العيْنِ، فقال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: نَعَم.
ودخل رسول الله بيت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ وعندها صَبِيٌّ يَشْتَكِي فقَالُوا يَا رَسُول اللهِ: أصَابَتْهُ العَيْنُ، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا تَسْتَرقُونَ لَهُ مِنَ العَيْنِ"
.
وقال صلى الله عليه وسلم: "العَيْنُ حقٌّ ولوْ كَانَ شَيءٌ يَسْبِقُ القَدرَ لسَبقَتِ العيْنُ القدرَ" .
وجاء في الأثرِ: "إن العين تُدخِلُ الرَّجُلَ القبر والجَمَل القِدْرَ.
وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: كَانَ يَأمرُ العَائِنَ أنْ يَتوضَّأ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ المَعِينُ الذي أصيبَ بالعَيْنِ"
.
والذين أثبتُوا العين قالوا: إنه يبدو من العَيْنِ أجزاءُ، فتتصل بالشيء المستحسن؛ فتُؤثِّر، وتسري فيه، كما يؤثر السُّم النار، والنصوصُ النبويةُ نطقت به، والتجاربُ من الزمن القديم ساعدت عليه.
وروى الزمخشري في كتاب "ربيع الأبْرارِ"، قال الجاحظُ: علماءُ الفرس، والهندِ، وأطباءُ اليونانيين، ودهاةُ العرب، وأهل التجربة من نازلة الأمصار، وحذَّاق المتكلمين، يكرهُون الأكل بين يدي السِّباع؛ يَخافُونَ عُيُونها؛ لِمَا فيها من النَّهم، والشَّره، ولما ينحلُّ عند ذلك من أجوافها من البخار الرَّديءِ، وينفصل من عيونها إذا خالط الإنسان نقصه وأفسده، وكانوا يكرهون قيام الخدم بالباب والأشربة على رُءُوسهِم مخافة العين، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في الكلب والسِّنورِ: إمَّا أن يطرد، وإمَّا أن يشغل بما يطرح له، قال: ونظيره: أن الرجل يضربُ الحية بعصاً؛ فيموتُ الضاربُ؛ لأنَّ السُّمَّ فصل من الحيةِ، فسرى فيه حتى داخله، ويديم الإنسانُ النظر إلى العين المحمرة؛ فيعتري عينه حمرة.
وعن الأصمعيِّ ـرحمه الله ـ: أنَّ عَيُوناً كان يقول: إذا رأيت الشَّيء يعجبني، وجدتُ حرارة تخرج من عيني.
وعنه: كان عندنا عيَّانان، فمرَّ أحدهما بحوض من حجارةٍ، فقال: بالله، ما رأيت كاليوم مثله، فانصدع فلقتين، فصُبَّ، فمرَّ عليه فقال: رأيتك تقل ما خزرت أهْلَكَ فيكَ، فتَطَايَرَ أرْبعاً.
وسمع آخرُ صوت بولٍ من وراء جدار فقال: إنَّك تراني كثير الشَّخب جيِّد البول، قالوا: هذا آتيك، قال: وانقطاع ظهراهُ، فقيل: لا بأس فقال: لا يبولُ بعدها أبداً، فما بال حتَّى مات.
وسمع صوت شخب بقرة فأعجبه، فقال: أيتهُنَّ هذه، فواروا بأخرى عنها؛ فهلكتا جميعاً، المُورَى بها، والمُورَى عنها.
والمنقولاتُ في هذا كثيرة؛ فثبت أنَّ الإصابة بالعين حقٌّ، لا يمكن إنكارهُ.
قال القرطبيُّ: وإذا كان هذا معنى الآيةِ؛ فكيون فيها دليلٌ على التَّحرُّزِ من العين، وواجب على كل مسلم إذا أعجبه شيء أن يبرك، فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، ألا ترى لقوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: "ألاَ برَّكْتَ" فدلَّ على أنَّ العين لا تضرُّ، ولا تعدوا إذا برَّك العَائِنُ، وأنها إنَّما تعدو؛ إذا لم يبرك، والتَّبْرِيكُ أن يقول: "تَبارَك اللهُ أحْسَنُ الخَالقينَ، اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ" وإذا أصاب العائن بعينه؛ فإنَّه يُؤمَرُ بالاغتِسَالِ، ويجبرُ على ذلك إن أبى؛ لأنَّ الأمر للوجوب، ولا سيِّما هنا، فإنَّه يخاف على المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحدٍ أن يمنع أخاهُ ما ينتفع به، ولا يضرهُ هو، ولا سيما إذا كان بسببه، كان الجاني عليه.
قال القرطبيُّ: "مَنْ عُرِفَ بالإصاَبَةِ بالعيْنِ مُنِعَ مِنْ مُداخَلةِ النَّاس دفعاً للضَّرُورةِ".
وقال بعضُ العلماءِ: يأَمره الإمامُ بلزوم بيته، وإن كان فقيراً رزقه ما يقوم بهِ، ويكفّ أذاهُ عن الناس.
وقيل: يُنفَى. والَّذي ورد في الحديث أنَّهُ لم ينفِ العَائن، ولا أمره بِلزُومِ بيته ولا حبسه، بل قالوا: يكونُ الرَّجُل الصَّالحُ عائناً، وأنه لا يقدحُ فيه، ولا يفسَّقُ به ومن قال: يحبس، ويؤمر بلزوم بيته؛ فذلك للاحتياط، ودفع ضرره.
قال الجبائيُّ: إنَّ أبناء يعقوب اشتهروا، وتحدَّث النَّاسُ بهم، وبحسنهم، وكمالهم فقال: "لا تَدْخُلُوا" تلك المدينة "مِنْ بابِ واحدٍ" على ما أنتم عليه من العددِ، والهيئة، ولم يأمن عليهم حسد النَّاس، أو قال: لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك على ملكه، فحيبسهم.
وهذا وجهٌ محتملٌ لا إنكار فيه إلاَّ أنَّ القول الأوَّل أولى؛ لأنَّه لا امتناع فيه بحسب العقلِ، والعرف كما بيَّنا، والمتقدِّمُون من المفسرين أطبقوا عليه، فوجب المصيرُ إليه.
ونقل عن الحسنِ أنه قال: خاف عليهم العين، فقال: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} ثُمَّ رجع إلى علمه، فقال: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}، وعرف أن العين ليست بشيء.
وكان قتادةُ يفسِّر الآية بإصابة العين، ويقول: ليس في قوله: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} إبطال له؛ لأن العين، وإن صحّ فاللهُ قادر على دفع أثره.
وقال النَّخعيُّ: كان عالماً بأنَّ مالك مصر هو ولده يوسف إلاَّ أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ ما أذن لهُ في إظهار ذلك، فلمَّا بعث أولاده إليه، وقال: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}، وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة، وقوله: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} فالإنسان مأمورٌ بأن يراعي الأسباب المُعتبرة في هذا العالم، ومأمورٌ بأن يجزم بأنَّه لا يصل إليه إلاَّ ما قدره الله ـ تعالى ـ وأنَّ الحذر لا يُنْجِي من القدرِ، فإنَّ الإنسان مأمور بالحَذرِ عن الأشياءِ المُهلكةِ، والأغذيةِ الضَّارةِ، وبالسَّعي في تحصيل المنافع، ودفع المضار بقدر الإمكان، ثمَّ مع ذلك ينبغي أن يكون جازماً بأنَّه لا يصل إليه إلاَّ ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلاَّ ما أراد اللهُ، فقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم، وقوله {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى الالتفات إلى التَّوحيدِ المحض، والبراءة عن كُلِّ شيءٍ سوى الله ـ تعالى.
فإن قيل: كيف السَّبيلُ إلى الجمعِ بين هذه القولين؟.
فالجوابُ: أنَّ هذا السُّؤال غير مختصٍّ به، فإنه لا نزاع في أنَّه لا بدَّ من إقامة الطَّاعات والاحْترازِ من السَّيئاتِ، مع أنَّا نعتقدُ أنَّ السَّعيدَ من سعد في بطن أمه، والشَّقي من شَقِيَ في بطن أمِّه، فكذ هاهنا.
وأيضاً: نأكلُ، ونشربُ، ونحترزُ عن السموم، وعن الدُّخولِ في النَّار، مع أنَّ الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله ـ سبحانه وتعالى ـ، فكذا ههنا، فظهر أنَّ السؤال ليس مختصًّا بهذا المقام، بل هو بحثٌ عن سرِّ مسألة الخيرِ، والشرِّ.
والحقُّ أن العبد يجبُ عليه أن يسعى بأقصى الجهد، والقدرة، وبعد السَّعي البليغ، يعلم أنَّ كل ما يدخل في الوجود لا بُدَّ وأن يكن بمشيئة الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وسابق حكمه، وحكمته.
ثم إنَّهُ ـ تعالى ـ أكَّد هذا المعنى، فقال: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ}، وهذا من أدلِّ الدَّلائل على صحَّةِ القول بالقضاءِ، والقدر؛ لأنَّ الحكم عبارة عن الإلزام والمنع ومنه سميت حكمة الدَّابَّة بهذا الاسم؛ لأنَّها تمنع الدَّابَّة من الحركاتِ الفاسدةِ والحكم إنَّما يمسى حكماً؛ لأنه يرجح أحد طرفي الممكنِ على الآخر، بحيثُ يصيرُ الطَّرفُ "الآخر" ممتنع الحصولِ، فبيَّن ـ تعالى ـ أنَّ الحكم ليس إلاَّ لله، وذلك يدلُّ على أنَّ جميع الممكنات ترجع إلى قضائه، وقدرته، ومشيئته، وحكمه إمَّا بواسطةٍ، أو بغير واسطةٍ، ولذلك فوَّض يعقوب أمرهُ إلى الله ـ تعالى ـ.
ثم قال: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اعتمدت: {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}، والمعنى: أنَّهُ لمَّا ثبت أنَّ الكُلَّ من الله ـ تعالى ـ ثبت أنَّهُ لا يتوكل إلاَّ على اللهِ سبحانه وتعالى.