التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ
٨٠
ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
٨١
وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
٨٢
-يوسف

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ} "اسْتَفْعَلَ" هنا بمعنى "فَعِلَ" المجرَّد يقال: يَئِسَ، واسْتَيْأس [بمعنى] نحو "عَجِبَ واسْتَعْجَبَ، وسَخِرَ، واسْتَسْخَرَ.
وقال الزمخشري: وزيادة التَّاء والسِّين في المبالغة نحو ما مرَّ في: "اسْتَعْصَمَ" وقرأ البزيُّ عن ابن كثير بخلاف عنه: "اسْتَأيَسُوا" بألف بعد التاء ثم ياء وكذلك في هذه السورة:
{ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } [يوسف:87] إنَّه لا يَيْأسُ { حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ } [يوسف:110]، وفي الرعد: { أَفَلَمْ يَيْأَسِ } [الرعد:31] الخلاف واحد.
فأمَّا قرأءة العامة: فهي الأصل، إذ يقال: يَئِسَ، فالفاء ياء، والعين همزة وفيه [لغة] أخرى، وهي القلبُ [الرعد:31] بتقديم العين على الفاءِ، فيقال: أيِسَ، ويدلُّ على ذلك شيئان:
أحدهما: المصدر الذي هو اليأسُ.
والثاني: أنَّه لو لم يكن مقلوباً للزم قلبُ الياءِ ألفاً، لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولكن منع من ذلك كون الياءِ في موضع لا تعلُّ فيه ما وقعت موقعه، وقراءة ابن كثير من هذا، ولما قلب الكلمة أبدل من الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، إذ صارت كهمزة رأس، وكأس، وإن لم يكن من أصله قلب الهمزة السَّاكنة حتى علَّةِ وهذا كما تقدَّم أنه يقرأ "القرآن" بالألف، وأنَّه يحتملُ أن يكون نقل حركة الهمزة، وإن لم يكن من أصله النقل.
قال أبو شامة بعد أن ذكر هذه الكلمات الخمسِ الَّتي وقع فيها الخلافُ "وكذلك رسمت في المصحف، يعني كما قرأها البزيُّ يعنى بالألف مكان الياءِ، وبياء مكان الهمزة".
وقال أبو عبد الله: واختلفت هذه الكلمات في الرَّسم، فرسم: "يَأيَس"، "ولا تَأيسُوا" بألف، ورسم الباقي بغير ألف.
قال شهابُ الدين: "وهذا هو الصَّوابُ، وكأنَّه غفلة من أبي شامة".
ومعنى الآية: "فلمَّا أيسُوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوا".
وقال أبو عبيدة: "اسْتَيْأسُوا": استيقنوا أنَّ الأخ لا يرد إليهم.
قوله: {خَلَصُواْ نَجِيّاً} قال الواحديُّ: يقال: خلص الشَّيء يخلصُ خلوصاً إذا انفصل من غيره، ثم فيه وجهان:
أحدهما: قال الزجاج، خلصوا: أي: انفردوا، وليس معهم أخوهم.
وقال الباقون: تميزوا عن الأجانب، وهذا هو الأظهر، أي: خلا بعضهم ببعضٍ يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم.
وأمَّا قوله: "نَجِيًّا" حال من فاعل: "خَلصُوا" أي: اعتزلوا في هذه الحالِ وإنَّما أفردت الحال، وصاحبها جمع، إمَّا لأن النَّجيَّ فعيلٌ بمعنى مفاعل كالعشير والخليط بمعنى المُخالِط والمُعاشِر، كقوله
{ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } [مريم:52] أي: مناجياً وهذا في الاستعمال يفرد مطلقاً، يقال: هُم خَليطُكَ وعَشِيرتُك، أي: مخالطوك ومعاشروك وإما لأنَّه صفة على فعيل بمنزلة صَدِيق، وبابه يوحد، لأنه يزنة المصارد كالصَّهيل، والوجيب والذَّميل، وإمَّا لأنه مصدرٌ بمعنى التَّناجي كما قيل: النَّجْوى بمعناه، قال تعالى: { وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } [الإسراء:47]، وحينئذ يكون فيه التَّأويلات المذكورات في: "رجُلٌ عدلٌ" وبابه، ويجمع على "أنْجِيَة"، وكان من حقِّه إذا جعل وصفاً أن يجمع على "أفْعِلاء"، كـ"غَنِيّ"، وأغْنِيَاء" و"شَقِيّ، وأشْقِيَاء"؛ ومن مجيئه على "أنجِيَة" قول الشاعر: [الرجز]

3131ـ إنِّي إذَا ما القَوْمُ كَانُوا أنْجِيَهْ واضْطَرَبَ القَوْمُ اضطِرابَ الأرْشِيَهْ
هناك أوصيني ولا تُوصِي بِيَهْ

وقول لبيد: [الكامل]

3132ـ وشَهِدْتُ أنْجِيةً الأفَاقةِ عَالِياً كَعبي وَأرْدَافُ المُلوكِ شُهُودُ

وجمعه كذلك يقوي كونه جامداً، إذ يصيرُ كرغيب، وأرغِفَة.
وقال البغويُّ: النَّجِي يصلحُ للجماعة، كما قال ههنا، وللواحد كما قال:
{ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } [مريم:52] وإنما جاز للواحد والجمع؛ لأنه مصدر جعل نعتاً كالعدل، ومثله: النَّجوى يكونُ اسماً، ومصدراً، قال تعالى { وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } [الإسراء:47] أي: مُتنَاجِين، وقال ـ حل ذكره ـ { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ } [المجادلة:7] وقال في المصدر { إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ } [المجادلة:10].
قال ابن الخطيب: "وأحسنُ الوجوه أن يقال: إنَّهم تمحَّضُوا تناجياً؛ وأنَّ من كمل حصول أمرٍ من الأمُورِ فيه وصف بأنَّه صار غير ذلك الشَّيء فلما أخذوا في التَّناجي على غاية الجدِّ؛ صاروا كأنهم في أنفسهم صاروا نفس التَّناجِي في الحقيقة".
"قالَ كَبيرُهمْ" في العقل، والعلم لا في السنِّ، وهو "يَهُوذَا"، قاله ابن عباسٍ، والكلبي.
وقال مجاهدٌ: شمعون، وكانت له الرِّئاسةُ على إخوته.
وقال قتادة، والسديُّ، والضحاك: وهو روبيلُ، كان أكبرهم في السنِّ، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف ـ عليه السلام ـ.
{أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً}: عهداً: {مِّنَ ٱللَّهِ}، وأيضاً: نحنُ متَّهمُونَ بواقعة يوسف.
قوله {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ} في هذه الآية وجوه ستة:
أظهرها: أنَّ "مَا" مزيدة فيتعلَّق الظَّرف بالفعل بعدها، والتقدير: ومن قبل هذا فرَّطتم، أي: قصَّرتم في حقِّ يوسف، وشأنه، وزيادة "مَا" كثيرة، وبه بدأ الزمخشري وغيره.
الثاني: أن تكون "مَا" مصدرية في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر الظَّرف المتقدم قال الزمخشريُّ: على أنَّ محل المصدر الرَّفع بالابتداء، والخبر الظرف وهو "مِنْ قَبْلُ"، والمعنى: وقع من قبل تفريطكم في يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإلى هذا نحا ابنُ عطيَّة أيضاً فإنَّه قال: ولا يجوز أن يكون قوله: "مِنْ قَبْلُ" متعلقاً بـ:"مَا فَرَّطْتُمْ"، وأنَّ "مَا" تكون على هذا مصدرية، والتقدير: ومن قَبْلِ تفريطكم في يوسف واقعٌ، أو مستقرٌّ وبهذا المقدر يتعلق قوله: "مِنْ قَبْلُ".
قال أبو حيَّان: هذا وقول الزمخشريُّ راجعان إلى معنى واحد، وهو أن "مَا فرَّطتُمْ" يقدَّرُ بمصدرٍ مرفوع بالابتداء، و:"مِنْ قَبْلُ" في موضع الخبر وذهلا عن قاعدة عربيَّة، وحقَّ لهما أن يذهلا ـ وهي أنَّ هذه الظروف التي هي غايات إذا بُنيت لا تقع أخباراً للمبتدأ جرَّت، أو لم تجرَّ، تقول: يومُ السَّبت مُباركٌ والسَّفر بعدهُ، ولا تقول: والسَّفر بَعد و"عَمْرٌو وزيْدٌ خَلفهُ" ولا يجوز: عمرٌو وزيدٌ خلف، وعلى ما ذكراه يكون: "تَفْريطُكُم" مبتدأ، و"مِنْ قَبْلُ" خبر وهو مبنيُّ وذلك لا يجوز، وهو مقررٌ في علم العربيِّة".
قال شهابُ الدِّين: "قوله: "وحُقَّ لهُمَا أنْ يَذْهَلا" تحامل على هذين الرجلين، وموضعهما من العلم معروفٌ، وأمَّا قوله: "إنَّ الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً"، فمسلَّم، قالوا: لأنَّه لا يفيد، وما لا يفيد، لا يقع خبراً، ولذا لا يقع صفة، ولا صلة، ولا حالاً والآية الكريمةُ من هذا القبيل لو قلت: "جاء الذي قبل" أو "مررت برجل قبل" لم يجز لما ذكرت.
ولقائلٍ أن يقول: إنَّما امتنع ذلك؛ لعدم الفائدة، وعدم الفائدة لعدم العلم بالمضافِ إليه المحذوف، فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوماً مدلولاً عليه أن يقع ذلك الظَّرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبراً، وصفة، وصلة، وحالاً والآية الكريمة من هذا القبيل، أعني ممَّا علم فيه المضاف إليه كما مرَّ تقريره".
ثمَّ هذا الرَّد الذي ردّ به أبو حيَّان سبقه إليه أبو البقاءِ، فقال: "وهذا ضعيف؛ لأن "قَبْل" إذا وقعت خبراً أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة".
الثالث: أنها مصدرية أيضاً، في محل رفع بالابتداء، والخبر هو قوله "فِي يُوسفَ" أي: وتفريطكم كائن، أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي كأنه استشعر أن الظرف المقطوع لا يقعُ خبراً؛ فعدل إلى هذا، وفيه نظر؛ لأنَّ السِّياق، والمعنى يجريان إلى تعلق: "فِي يُوسفَ" بـ "فَرَّطْتُمْ"، فالقولُ بما قاله الفارسي يؤدِّي إلى تهيئة العامل [للعمل]، وقطعه عنه.
الرابع: أنَّها مصدرية أيضاً، ولكن محلها النَّصب على أنَّها منسوقة على"أنَّ أباكُمْ قد أخَذَ" أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم الميثاق، وتفريطكم في يوسف.
قال الزمخشري: "كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً، وتفريطكم من قبل في يوسف" وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضاً.
قال أبو حيَّان: "وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيِّد؛ لأنَّ فيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف الذي هو حرفٍ واحد، وبين المعطوف؛ فصار نظير: ضَربْتُ زيداً، وبِسَيفٍ عمراً، وقد زعم الفارسيُّ أنه لا يجوز ذلك إلاَّ في ضرورة الشِّعر".
قال شهابُ الدِّين: هذا الرَّدُّ سبقه إليه أبُو البقاءِ، ولم يرتضه وقال: "وقيل: هو ضعيفٌ؛ لأنَّ فيه الفصل بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ، وقد بينا في سورة النِّساء أن هذا ليس بشيء".
قال شهاب الدين: "يعني أنَّ منع الفصل بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ ليس بشيءِ، وقد تقدَّم إيضاحُ هذا، وتقريره في سورة النساء، كما أشار إليه أبو البقاء".
ثمَّ قال أبو حيَّان: "وأمَّا تقديرُ الزمخشري: وتفريطكم من قبل في يوسف؛ فلا يجوز؛ لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري، والفعل عليه، وهو لا يجوز".
وقال شهابُ الدِّين: "ليس في تقدير الزمخشريِّ شيء من ذلك؛ لأنَّه لمَّا صرح بالمقدر أخَّر الجارين، والمجرورين عن لفظ المصدر المقدَّر كما ترى، وكذا هو في سائر النسخ، وكذا ما نقله عنه الشيخ بخطهِ، فأين تقديمُ المعمولِ على المصدر ولو رد عليه، وعلى ابن عطيَّة بأنه يلزمُ من ذلك تقديمُ معمولِ الصِّلةِ على الموصول لكان ردًّا واضحاً، فإنَّ: "مِنْ قَبْلُ" متعلق بـ "فَرَّطْتُمْ"، وقد تقدَّم الكلامُ على ما المصدرية، وفيه خلافٌ مشهورٌ".
الخامس: أن تكون مصدرية أيضاً، ومحلها النصب عطفاً على اسم: "أنَّ" أي: ألم تعلموا أنَّ أباكم، وأن تفريطكم من قبل في يوسف، وحينئذٍ يكون في خبر "أنَّ هذه المقدرة وجهان:
أحدهما: هو: "مِنْ قَبْلُ".
والثاني: هو "فِي يُوسَفُ" واختاره أبو البقاء، وقد تقدَّم ما في كلِّ منهما، ويردُّ على هذا الوجه الخامس ما ردَّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف، والمعطوف، وقد عرف ما فيه.
السادس: أن تكون موصولة اسمية، ومحلُّها الرفع، والنَّصب على ما تقدَّم في المصدريَّة.
قال الزمخشريُّ: بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدَّمتموهُ في حقِّ يوسف من الجنايةِ، ومحلُّها الرَّفع، أو النَّصب على الوجهين.
يعنى بالوجهين رفعها بالابتداء، وخبرها "مِنْ قبل"، ونصبها على مفعولِ "ألمْ تَعْلمُوا"، فإنَّهُ لم يذكر في المصدرية غيرهما، وقد تقدَّم ما اعترض به عليهما، وما قيل في جوابه.
فتحصل في "مَا" ثلاثة أوجه:
الزيادة، وكونها مصدرية، أو بمعنى الذي، وأن في محلها وجهين: الرفع، أو النصب.
قوله تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} برح هنا تامة، ضمنت معنى أفارقُ فـ:"الأرْضَ" معفول به، ولا يجوز أن تكون تامَّة من غير تضمين؛ لأنها إذا كانت كذلك؛ كان معناها: ظهر أو ذهب، ومنه: بَرحَ الخفاءُ، أي: ظهر، أو ذهب، ومعنى الظهور لا يليق، والذهابُ لا يصلُ إلى الظَّرف المخصوص إلاَّ بواسطةِ "في": تقول: "ذَهَبْتُ في الأرضِ" ولا يجوز ذهبتُ الأرْضَ، وقد جاء شيءٌ لا يقاس عليه.
وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون ظرفاً".
قال شهابُ الدِّين: "يحتمل أن يكون سقط من النُّسخِ لفظ "لاَ"، وكان: "ولا يجوز أن يكون ظرفاً".
واعلم أنه لا يجوز في "أبْرَحَ" هنا أن تكون ناقصة؛ لأنَّه لا ينتظم من الضمير الذي فيها، وما "من الأرض" مبتدأ أو خبرٌ، ألا ترى أنَّك لو قلت: أنَا الأرض لم يجز من غير "فِي" بخلاف "أنَا في الأرْضِ وزيدٌ في الأرْضِ".
قوله: {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ} في نصبه وجهان:
أظهرهما: عطفه على: "يَأذَنَ".
والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار "أنْ" في جواب النَّفي، وهو قوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} أي: لنْ أبْرحَ الأرْضَ إلاَّ أن يحكم، كقولهم: لالزَمنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حقِّي، أي: إلا أن تَقْضِيَنِي.
قال أبو حيَّان: "ومَعْنَاهُ ومعنى الغاية مُتقَارِبَان".
قال شهابُ الدِّين: "وليْسَ المعنى على الثَّاني، بل سِياقُ المعنى على عطفه على "بَأذَنَ" فإنه غيًّا الأمر بغايتين: أحداهما خاصة، وهي إذْنُ أبيه والثانية عامة؛ لأنَّ إذن أبيه له في الانصراف هو من حكم الله ـ عزَّ وجلَّ".
فصل
اعلم أنَّهم لما أيسوا من تخليصه، وتناجوا فيما بينهم، قال كبيرهم: {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً} أي: عهداً {مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ} هذا فرَّطتم في شأن يوسف، ولم تحفظوا عهد أبيكم، {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} التي أنا بها، وهي أرض مصر، فلن أفارق أرض مصر {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ} في الانصراف إليه والخروج منها {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} بالخروج منها بردّ أخي إليّ، أو خروجي، وترك أخي، أو بالانتصاف ممَّن أخذ أخي.
وقيل: أو يحكم الله لي بالسَّيف، وأقاتلهم واسترد أخي {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ}؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل، والحق، فحينئذ تفكَّروا في الأصوب ما هو؟ فظهر لهم أنَّ الأصوب هو الرُّجوع، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته: {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ} بنيامين "سَرَقَ".
قرأ العامة: "سَرَقَ" مبنيًّا للفاعل مخففاً، وابن عباس، وأبو رزين، والضحاك، والكسائي في رواية "سُرِّقَ" بضمِّ السِّين، كسر الرَّاء مشدداً مبنيًّا للمفعول يعني: نسب إلى السَّرقة، كما يقال: خَوَّنته، أي: نسبته إلى الخِيانةِ، قال الزجاج: "سُرِّقَ" يحتمل معنيين:
أحدهما: علم منه السرقة، والآخر: اتهم بالسَّرقة.
قال الجوهريُّ: "والسَّرِق والسَّرِقة ـ بكسر الراء فيهما ـ هو اسم الشيء المسروق، والمصدر: سَرَق، يَسْرِق،سَرَقاً ـ بالفتح".
وقرأ الضحاك: "سَارِق" جعله اسم فاعل.
{وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} فإنَّا رأينا أخراج صاع من متاعه. وقيل: معناه {وَمَا شَهِدْنَآ} أي: ما كانت منَّا شهادة في عمرنا على الشَّيء إلاَّ بما علمنا، وليست هذه الشَّهادة منَّا، إنَّما هو خبرٌ عن صنيعِ ابنكَ بزعمهم.
فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنَّه سرق من غير بينة، لا سيَّما وقد أجابهم بالنَّفي فقال: الذي جعل الصَّواع في رحلي، وهو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟ فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: أنهم شاهدوا أنَّ الصواع كان موضوعاً في [محلٍّ] لم يدخله غيرهم، فلمَّا شاهدوا إخراج الصواع من رحله؛ غلب على ظنهم أنَّه هو الذي أخذ الصواع.
وأما قوله: "وضَعَ الصُّواعَ في رحْلِي الذي وضع البِضاعَة في رحالكم" فالفرق ظاهرٌ؛ لأنهم لمَّا رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأمَّا الصُّواع، فلم يعترف أحدٌ بأنه هو الذي وضع الصُّواعَ؛ فلهذا غلب على ظنونهم أنه سرق؛ فشهدوا بناء على غلبة الظَّنِّ، ثمَّ بينوا أنهم غيرُ قاطعين بهذا الأمر بقولهم: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}.
وثانيها: تقدير الكلام: {إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} في قول الملك، وأصحابه، ومثله كثيرٌ في القرآن، قال تعالى:
{ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } [الدخان:49] أي: عند نفسك وأمَّا عندنا فلا فكذا هاهنا.
وثالثها: أنَّ ابنك ظهر عليه ما يشبه السَّرقة، ومثل هذا المعنى قد يسمَّى سرقة، فإن إطلاق أحد الشَّيئين على الشبيه الآخر جائزٌ، ومثله في القرآن
{ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى:40].
ورابعها: أنهم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت، فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة، لا سيَّما، وقد شاهد سائرهم ذلك.
وخامسها: قراءة ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ المتقدمة "سُرِّقَ" أي: نسب إلى السَّرقة، فهذه لا تحتاجُ إلى تأويلٍ، إلاَّ أنه تقدَّم أنَّ أمثال هذه القراءة لا تدفعُ السَّؤال؛ لأنَّ الإشكال إنَّما يندفعُ إذا كانت القراءة الأولى باطلة، وهذه القراءة حقّ أمَّا إذا كانت الأولى حقّ، كان الإشكال باقياً صحَّت القراءة، أو لم تصحّ، فلا بدّ من الرجوعِ إلى أحدِ الوجوه المذكورة.
فصل
دلَّ قولهم: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} على أنَّ الشَّهادة غير العلم؛ لأن هذا الكلام يقتضي كون الشَّهادةِ مغايرة للعلم، ولقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "إذَا عَلمْتَ مثلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ"... وليست الشَّهادةٌ عبارةً عن قوله "اشْهَد"؛ لأنه إخبار عن الشَّهادة، والإخبار عن الشَّهادة غير الشهادة.
وإذا ثبت هذا؛ فنقول: الشَّهادةُ عبارةٌ عن الحكم الذِّهنيِّ وهو الذي يسميه المتكلمون بـ "الكلام" النفسي".
فصل
قال القرطبيُّ: تضمنت هذه الآية جواز الإشهاد بأيّ [وجه] حصل العلمُ بها فإنَّ الشَّهادة مرتبطةٌ بالعلم عقلاً وشرعاً، فلا تسمعُ إلاَّ ممَّن علم، ولا تقبلُ إلاَّ منهم، وهذا هو الأصل في الشَّهادات.
ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزةٌ، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة، وكذلك الشَّهادة على الخطّ ـ أي: إذا تبيَّن أنه خطُّه، أو خطُّ فلان ـ صحيحةٌ، فكلُّ من حصل له العلم بشيء؛ جاز أن يشهد به، وإن لم يشهدهُ المشهودُ عليه. قال الله تعالى:
{ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [الزخرف:86] وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "ألاَ أخْبِرُكمْ بِخيْرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتِي بشهادة قَبْل أنْ يُسْألَها" .
قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} قال مجاهدٌ وقتادة: وما كنا نعلم أنَّ ابنك يسرق، ويصيِّر أمرنا إلى هذا، ولو علمنا بلك ما ذهبنا به معنا، وإنَّما قلنا: ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه من سبيل.
وقال عكرمة: لعلَّ الصُّواع دفن في اللَّيلِ، فإنَّ الغيب هو اسم لليل على بعض اللغات.
وقيل: رأيناهم أخرجوا الصواع من رحله، أمَّا حقيقة الحالِ، فغير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.
وعن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ ما كنا لليله، ونهاره، ومجيئه، وذهابه حافظين.
وقيل: إنَّ يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال لهم: فهبْ أنه سرق، ولكن كيف علم الملكُ أن شرع بني إسرائيل أنَّه من سرقَ يُسترقُّ بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم، فقالوا عند ذلك: إنَّا ذكرنا له هذا الحكم قبل أن نعلم أنّ هذه الواقعة نقع فيها، فقوله: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي: ما كنا نعلم أن الواقعة تصيبنا.
فإن قيل: فهل يجوز من يعقوب أن يخفي حكم الله؟.
فالجواب: لعلَّ ذلك الحكم كان مخصوصاً بما إذا كان المسروق منه مسلماً، فلهذا أنكر ذلك الحكم عند الملك الذي ظنَّه كافراً.
قوله تعالى: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} يحتمل ثلاثة أوجهٍ:
أشهرها: أنه على حذف مضافٍ، أي: واسألْ أهل القرية، وأهل العِير، وهو مجازٌ شائعٌ، قاله ابن عطيِّة وغيره.
وقال أبو عليِّ الفارسي: ودافع جواز هذا في اللغةِ كدافعِ الضَّروراتِ، وجاحد المحسوسات، وهذا على خلافٍ في المسألةِ، هل الإضمار من باب المجازِ، أو غيره؟ المشهور أنه قسم منه، وعليه أكثر النَّاسِ.
قال أبو المعالي: قال بعض المتكلمين: "هذا من الحذف، وليس من المجاز إنَّما المجازُ لفظة استعيرت لغير ما هي له، قال: وحذف المضاف هو عينُ المجاز وعظمه، هذا مذهب سيبويه وغيره، وحكي أنَّه قول الجمهور".
وقال ابن الخطيب: إن الإضمار، والمجاز [قسمان لا قسيمان]، فهما متباينان.
الثاني: أنَّه مجاز، ولكنه من باب إطلاق اسم المحل على الحال للمجاورة كالراوية.
الثالث: أنَّه حقيقة لا مجاز فيه، ولذلك قال أبو بكر الأنباري:
المعنى: واسْألِ القرية والعير؛ فإنَّها تجيبك، وتذكر لك صحَّة ما ذكرنا؛ لأنك من أكابر الأنبياء، فيجوز أن ينطق الله لك الجماد، والبهائم.
وقيل: إنَّ الشيء إذا ظهر ظهوراً تامًّا كاملاً فقد يقال فيه: سل السماءَ والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظُّهور إلى الغاية حتَّى لم يبق للشكِّ فيه مجالٌ، والمراد من القرية: مصر، وقيل: قرية على باب مصر قال ابن عباس رضي الله عنه: هي قرية من قرى مصر، كانوا ارتحلوا منها.
وأما قوله: {وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي القافلة التي كُنَّا فيها.
قال المفسِّرون: كان صحبهم قوم من الكنعانيين من جيران يعقوب.
قال ابنُ إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أنَّ إخوته أهل تهمة عند أبيهم لمَا كانوا صنعوا في أمر يوسف عليه السلام، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم.
ثم إنَّهم لما بالغوا في التَّأكيد، والتقرير قالوا: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} يعنى سواء نسبتنا إلى التُّهمة، أم لم تنسب؛ فنحن صادقون، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم؛ لأنَّ هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، بل الإنسان، إذا قدم ذكر الدَّليل القاطع على صحَّة الشيء، فقد يقول بعده: وأنَّا صادق في ذلك، يعني فتأمل فيما ذكرته من الدَّلائل، والبينات.
فصل
قال القرطبي: "دلَّت هذه الآية على أنَّ كل من كان على حقٍّ، وعلم أنه قد يظن به أنَّه على [خلاف] ما هو عليه، أو يتوهم أن يرفع التُّهمة، وكلَّ ريبةٍ عن نفسه ويصرِّح بالحق الذي هو عليه، حتَّى لا يبقى متكلِّم، وقد فعل هذا نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقوله للرجلين اللَّذين مرًّا، وهو قد خرج مع صفيَّة بن حييّ من المسجد: "على رسلكما، إنّما هي صفيّة بن حييّ"؛ فقالا: سبحان الله! وكبر عليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ الشَّيطَان يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدم مُجْرَى الدَّم، وإِنِّي خَشِيتُ أن يَقْذِفَ في قُلوبِكُمَا شرًّا، أو قال: شَيْئاً" متفقٌ عليه.
فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه، ولم يخبره بمكانه، ويحبس أخاه مع علمه بشدّة وجد أبيه عليه، ففيه معنى العقوق، وقطيعة الرَّحمِ، وقلَّة الشَّفقةِ؟.
فالجواب: أنَّه فعل ذلك بأمر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أمره به ليزيد في بلاءِ يعقوب، فيضاعف له الأجر، ويلحقه في الدَّرجةِ بآبائه الماضين.
وقيل: إنَّه لم يظهر نفسه لإخوته؛ لأنَّهُ لم يأمن أن يدبِّروا في أمره تدبيراً، فيكتموه عن أبيه، والأول أصح.