التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٦
رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
٣٧
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ
٣٨
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ
٣٩
رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ
٤٠
رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ
٤١
-إبراهيم

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله ـ تعالى ـ وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله ـ تعالى ـ ألبتَّة، حكى عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ أنَّه طلب من الله ـ تعالى ـ أشياء:
أحدها: قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً}، وتقدَّم تحريره في البقرة "وهذا البلد آمناً"، ومسوِّل الجعل التَّصيير.
قال الزمخشري: "فإن قلت: فرق بين قوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} وبين قوله
{ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً } [البقرة:126].
قلت: قد سأل في الأوَّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً".
قوله "واجْنُبْنِي"، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب.
وقال الراغب: "قوله تعالى: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة".
و"أنْ نعبد" على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد.
وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي ـ رحمهما الله ـ "وأجْنِبْنِي" بقطع الهمزة من "أجْنَبَ".
قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد.
فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه:
أحدها: أن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة.
وثانيها: أن الأنبياء ـ عليه الصلاة والسلام ـ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء.
وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟.
فالجواب عن الأوَّل من وجهين:
الأول: أنه نقل عن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب.
والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى:
{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف:82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كانوا خارج مكَّة.
وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال:
{ وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } [البقرة:128] أي: ثبتنا على الإسلام.
ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟.
قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان:
الأول: أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وإن كان يعلم أنَّ الله ـ تعالى يعصمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك تضعيفاً للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب.
والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق ـ سبحانه وتعالى ـ فيحتمل أن يكون قوله {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} المراد أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي، والله تعالى أعلم.
والجواب عن الثالث من وجوه:
أحدها: قال الزمخشري: "قوله "وبَنِيَّ" أراد بنيه [من صلبه]".
والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: "واجْنُبْنِي وبَنِيَّ".
وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك أنَّ دعوته مجابة فيهم.
وثالثها: قال مجاهد: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ صنماً، والصنم هو التمثال المصور، وما ليس بصنم هو من الوثن، وكفَّار قريش ما عبدوا التمثال، وإنما كانوا يعبدون أحجاراً مخصوصة.
وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأنَّه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله، والحجر كالصَّنم في ذلك.
واربعها: أنَّ هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده، بدليل قوله في آخر الآية {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، وذلك يفيد أنَّ من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، وقوله ـ تبارك وتعالى ـ لنوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
{ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } [هود:46].
وخامسها: لعلَّه، وإن كان عمّ في الدعاء إلاَّ أنَّه ـ تعالى ـ أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض، وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ
{ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة:124].
قوله: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} دليل على أن الكفر، والإيمان من الله ـ تعالى ـ لأنَّ إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ طلب من الله ـ تعالى ـ أن يجنبه، ويجنب أولاده من الكفر.
والمعتزلة يحملون ذلك على الإلطاف، وهو عدول عن الظَّاهر، وتقدم فساد هذا التأويل.
قوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً} الضمير في: "إنَّهُنَّ" و"أضْلَلْنَ" عائد على الأصنام، لأنها جمع تكسير غير عاقل.
وقوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} أي: من أشياعي، وأهل ديني.
وقوله {وَمَنْ عَصَانِي} شرط، ومحل "مَنْ" الرفع بالابتداء، والجواب: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والعائد محذوف، أي: له.
فصل
قال السديُّ: ومن عصاني ثمَّ تاب. وقال مقاتلٌ: {وَمَنْ عَصَانِي} فيما دون الشرك.
وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنَّهُ لا يغفر الشرك، وهذه الآية تدلُّ على إثبات الشَّفاعة في أهل الكبائر؛ لأنَّه طلب المغفرة، والرَّحمة لأولئك العصاة، ولا تخلو هذه الشفاعة من أن تكون للكفار [أو للعصاة، ولا يجوز أن تكون للكفار]؛ لأنه تبرَّأ منهم بقوله: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}.
وقوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} فإنه يدلُّ بمفهومه على أنَّ من لم يتبعه على دينه، فليس منه، والأمة مجتمعة على أنَّ الشفاعة في حق الكفَّار غير جائزة؛ فثبت أن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} شفاعة في العصاة غير الكفَّار.
وتلك المعصية: إمَّا أن تكون من الصغائر، أو من الكبائر بعد التَّوبة [أو من الكبائر قبل التوبة، والأول والثاني باطلان؛ لأن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي} اللفظ فيه مطلق، فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر، وأيضاً فالصغائر والكبائر بعد التوبة] واجبة الغفران عند الخصوم، فلا يمكن حمل اللفظ عليه، فثبت أنَّ هذه الشفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التَّوبة.
وإذا ثبت حصول الشفاعة لإبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ثبت حصولها لمحمَّد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ لأنه لا قائل بالفرق، ولأنَّ الشفاعة أعلى المناصب، فلو حصلت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ـ مع أنَّها لم تحصل لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كان ذلك نقصاً في حقِّ محمدٍ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ.
قوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} يجوز أن يكون هذا الجار صفة لمفعول محذوف، أي: أسكنت ذرية من ذريتي، ويجوز أن تكون "مِنْ" مزيدة عند الأخفش.
"بوَادٍ" أي: في وادٍ، وهو مكّة؛ لأن مكَّة وادٍ بين جبلين.
وقوله: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} كقوله
{ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } [الزمر:28].
قوله: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} يجوز أن تكون صفة لـ"وَادٍ".
وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون بدلاً منه، يعني أنَّه يكون بدل بعضه من كل؛ لأنَّ الوادي أعم من حضرة البيت.
وفيه نظرٌ، من حيث أن "عِنْدَ" لا يتصرف.
فصل
سماه محرّماً؛ لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره.
وقيل: لأنَّ الله حرم التعرض له، والتهاون به. وقيل: لأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبَّار كالشيء المُحرَّم الذي يجب أن يجتنب.
وقيل: لأنه حُرِّمَ من الطوفان، أي: منع منه، كما يسمى عتيقاً؛ لأنه أعْتِقَ من الطوفان وقيل: لأن موضع البيت حرم يوم خلق الله السموات، والأرض وحفَّ بسبعة من الملائكةِ وجعل مثل البيت المعمور الذي نباه آدم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فرفع إلى السَّماءِ.
وقيل: إنَّ الله حرَّم على عباده أن يقربوه الدماء، والأقذار وغيرها.
قوله: "لِيُقِيمُوا": يجوز أن تكون هذه اللام لام الأمر، وأن تكون لام علة، وفي متعلقها حينئذ [وجهان]:
أحدهما: أنها متعلقة بـ "أسْكَنْتُ" وهو ظاهر، ويكون النداء معترضاً.
الثاني: أنَّها متعلقة بـ "اجْنُبْنِي" أي: أجنبهم الأصنام. ليقيموا. وفيه بعد.
قوله: {ٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} العامة على: "أفْئِدةً" جمع فؤاد، كـ "غُرَاب وأغْرِبَة" وقرأ هشام عن بان عامر بياء بعد الهمزة، فقيل: إشباع؛ كقوله: [الطويل]

3227ـ........................ يُحِبَّكَ عَظْمٌ فِي التُّرابِ تَرِيبُ

أي: ترب؛ وكقوله: [الرجز]

3228ـ أعُوذُ باللهِ مِنَ العَقْرَابِ الشَّائلاتِ عُقدَ الأذْنَابِ

وقد طعن جماعة على هذه القراءة، وقالوا: الإشباعُ من ضرائر الشعر، فكيف يجعل في أفصح الكلام؟.
وزعم بعضهم: أنَّ هشاماً إنَّما قرأ بتسهيل الهمزة بين بين فظنها الراوي [أنها زائدة] ياء بعد الهمزة، قال: كما توهم عن أبي عمرو اختلاسه في: "بَارِئكُمْ"، و"يَأمُرُكمْ" أنه سكن.
وهذا ليس بشيءٍ، فإنَّ الرُّواة أجلُّ من هذا.
وقرأ زيد بنُ عليِّ: "إفَادة" بزنة "رِفادة"، وفيها وجهان:
أحدهما: أن يكون مصدراً لـ "أفَادَ" كـ"أقَامَ إقَامَة" أي: ذوي إفادَةِ، وهم النَّاس الذين ينتفع بهم.
والثاني: أن يكون أصلها: "وفَادة" فأبدلت الواو همزة، نحو إشاح وإعَاء.
وقرأت أم الهيثم: "أفْوِدَة" بكسر الواو وفيها وجهان:
أحدهما: أن يكون جمع: "فُؤاد" المُسَهَّل وذلك أنَّ الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها يطرد قلبها واواً، نحو "جُون" ففعل في: "فُؤاد" المفرد ذلك فأقرت في الجمع على حالها.
والثاني: قال صاحب اللَّوامح ـرحمه الله ـ: هي جمع "وَفْد".
قال شهاب الدين: "فكان ينبغي أن يكون اللفظ "أوْفِدَة" يتقدم الواو؛ إلا أن يقال: إنه جمع "وَفْداً" على "أوْفِدَة"، ثم قلبه فوزنه "أعْفِلَة" كقولهم: آرام" في "أرْآم" وبابه، إلاَّ أنَّه جمع "فَعْل" على"أفْعِلَة" نحو: "نَجْد وأنْجِدَة" و "وَهْي وأوْهِيَة" وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من اللغةِ.
وقرىء "آفِدة" بزنة ضاربة وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون مقلوبة من "أَفْئِدَة" بتقديم الهمزة على الفاء، فقلبت الهمزة ألفاً فوزنه: "أعْفِلَة" كـ"آرام" في "أرآم".
والثَّاني: أنها اسم فاعل: من "أَفَدَ يَافَدُ"، أي: "قَرُبَ ودَنَا". والمعنى: جماعةٌ آفدة أو جماعات آفدة.
وقرِىء: "أَفِدَة" بالقصر، وفيها وجهان أيضاً:
أحدهما: أن تكون اسم فاعل على "فَعِل" كـ"فَرِح فهو فَرِحٌ"، وأن تكون مخففة من "أفْئِدَة" بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحذف الهمزة.
و"مِنْ" في "مِنَ النَّاسِ" فيها وجهان:
أحدهما: أنها لابتداء الغاية. قال الزمخشريُّ: "ويجوز أن يكون "مِن" لابتداء الغاية، كقولك: القلبُ منِّي سقيمٌ، تريد: قَلْبي، كأنه قال: أفْئدةُ ناسٍ، وإنَّما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل، لتنكير "أفْئِدَة" لأنَّها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة".
قال أبو حيَّان: "ولا ينظر كونها للغاية؛ لأنَّه ليس لنا فعل يبتدأ فيه بغاية ينتهي إليها، إذ لا يصح حعل ابتداء الأفئدة من الناس".
والثاني: أنها للتبعيض، وفي التفسير: لو لم يقل من النَّاس لحج النَّاس كلهم.
قوله "تَهْوِي" هذا هو المفعول الثاني للجعل، والعامة على: "تَهْوِي" بكسر العين، بمعنى تسرع وتطير شوقاً إليه؛ قال: [الكامل]

3229ـ وإذَا رَمَيْتَ بِهِ الفِجَاجَ رَأيْتَهُ يَهْوِى مَخَارِمَها هُويَّ الأجْدلِ

وأصله أن يتعدى باللام، كقوله: [البسيط]

3230ـ حتَّى إذَا ما هَوتْ كفُّ الوَليدِ بِهَا طَارتْ وفِي كفِّه مِنْ رِيشهَا بِتَكُ

وإنَّما عدي بإلى؛ لأنه ضمن معنى تميلُ، كقوله: [السريع]

3231ـ يَهْوِي إلى مكَّة يَبْغِي الهُدَى ما مُؤمِنُ الجِن ككُفَّارِهَا

وقرأ أمير المؤمنين علي، وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، ومجاهدٌ ـ رضي الله عنهم ـ بفتح الواو، وفيه قولان:
أحدهما: أن "إلى" زائدة، أي: تهواهم.
والثاني: أنه ضمن معنى تنزع وتميل، ومصدر الأول على "هُوّى"؛ كقوله: [الكامل]

3232ـ...................... يَهْوِي مَخارِمَها هُوي الأجْدلِ

ومصدر الثاني على "هَوًى".
وقال أبو البقاء: "معناهما متقاربان، إلا أنَّ "هوى" ـ يعني بفتح الواو ـ متعد بنفسه، وإنَّما عدِّي بـ:"إلَى" حملاً على تميلُ".
وقرأ مسلمة بن عبد الله: "تُهْوى" بضم التاءِ، وفتح الواو مبنياً للمفعول، من "أهْوَى" المنقول من "هَوَى" اللازم، أي: يسرع بها إليهم.
فصل
قال المفسرون: قوله {أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} أدخل "مِنْ" للتعبيض، والمعنى: أسكنت من ذريتي ولداً: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} وهو مكة؛ لأنَّ مكَّة وادٍ بين جبلين: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}.
روي عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: أول ما اتَّخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ اتخذت منطلقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، وليس بمكَّة يومئذ أحد، وليس فيها ماء، ووضع عندها إناء فيه تمرٌ، وسقاء فيه ماء ثمَّ قال إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منطلقاً، فتبعته هاجر، فقالت: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ فقال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى الله، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثمَّ رجعت، فانطلق إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حتَّى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثمَّ دعا الله بقوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} الآية ثمَّ إنها عطشت وعطش الصبي؛ فجعل يتلوى، وهي تنظر إليه، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمَّ استقبلت الوادي تنظر أحداً، فلم تر أحداً، وهبطت من الصَّفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثمَّ سمعت سعي المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فلِذلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهمَا" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: صه! تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث! فإذا هي بالملك عند موضع زمزم؛ فضرب بعقبه حتَّى ظهر الماء، أو قال: فضرب بجناحه فغارت عينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"رَحِمَ الله أمَّ إسْمَاعِيلَ لَولا أنَّها عَجلتْ لكَانَتْ زَمْزمُ عَيْناً مَعيناً" .
ثمَّ إنَّ إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ عاد بعد كبر إسماعيل، وأقرَّا هو وإسماعيل قواعد البيت.
قال القاضي: "أكثر الأمور المذكورة في هذه القصَّة بعيدة؛ لأنه لا يجوز لإبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن ينقل ولده حيث لا طعام ولا ماء معه مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إنَّ الله أعلمه أنه يجعل هناك ماء وطعام".
وقوله: {مِن ذُرِّيَّتِي}، أي إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه.
{لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} قال المفسرون: جمع، وقد تهوي: تحن وتشتاقُ إليهم. قال السدي: معناه: وأمل قلوبهم إلى هذا الموضع.
قال مجاهدٌ: لو قال: أفئدة النَّاس لزاحمكم فارس والروم والترك والهند.
وقال سعيد بن جبير: لحجَّتِ اليهود، والمجوس، ولكنه قال: {أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} فهم المسلمون.
{ٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} ممَّا رزقت سكان القرى ذوات الماء: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وذلك يدعل على أن المقصود من منافع الدنيا: أن يتفرغ لأداء العبادات.
ثم قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} من أمورنا.
قال ابن عباس ومقاتل: من الوجد بإسماعيل، وأمه حيث أسكنهما بوادٍ غير ذي زرع. {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}.
قيل: هذا كله قول إبراهيم عليه السلام، وقال الأكثرون: قول الله تعالى؛ تصديقاً لقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ} في "عَلَى" وجهان:
أحدهما: أن "عَلَى" على بابها من الاستعلاء المجازي.
والثاني: أنها معنى "مع" كقوله: [المنسرح]

3233ـ إنِّي على مَا تَريْنَ مِنْ كِبَرِي أعْلَمُ من حَيْثُ تُؤكَلُ الكَتِفُ

قال الزمخشري: "ومحلّ هذا [الجار] النصب على الحال من الياء في "وهَبَ لِي"".
الآية تدلُّ على أنه ـ تعالى ـ أعطى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ على الكبر والشيخوخة فأمَّا مقدار السنة فغير معلوم من القرآن، فالمرجعُ فيه إلى الروايات.
فروي لما ولدت إسماعيل كان سن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ تسعاً وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنة مائة واثنتي عشرة سنة.
وقيل: ولد إسماعيل لأربع وستين سنة، وولد إسحاق [لتسعين] سنة.
وعن سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ لم يولد لإبراهيم صلى الله عليه وسلم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، [وإنما ذكر هذا الكبر؛ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم؛] لأنه زمن اليأس من الولد.
فإن قيل: إن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنَّما دعا بهذا الدُّعاء عندما أسكن هاجر وابنها إسماعيل في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت لم يكن ولد إسحاق فكيف قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}؟.
فالجواب: قال القاضي ـرحمه الله ـ: "هذا الدَّليل يقتضي أن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنَّما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدَّم من الدعاء ويمكن أيضاً أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنَّما ذكر هذا [الدعاء] بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ وإن كان ظاهر الروايات بخلافه".
فصل
المناسبة بين قوله {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} وبين قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}، وذلك أنه كان في قلبه أن يطلب من الله سبحانه وتعالى إعانتهما، وإعانة ذريتهما بعد موته، ولكنَّه لم يصرِّح بهذا المطلوب بل قال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي: تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، فقوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} يدلُّ ظاهراً على أنَّهما يبقيان بعد موته على سبيل الرمز والتعريض، وذلك يدلُّ على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء.
قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حاكياً عن ربِّه عز وجل أنه قال:
"مَنْ شَغلهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألتِي أعْطَيتهُ أفْضَل ما أعْطِي السَّائلينَ" .
ثم قال: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} لما ذكر الدعاء على سبيل التعريض لا على وجه التصريح، قال: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} من قولك: "سَمِعَ الأميرُ كلامَ فلانٍ" إذا اعتدَّ بِهِ وقبلهُ، ومنه "سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمدهُ".
قوله: {لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} فيه أوجه:
أحدهما: أن يكون "فَعِيل" مثال مبالغة مضافاً إلى مفعوله وإضافته من نصب، وهذا دليل سيبويه على أن "فعيلاً" يعمل عمل اسم الفاعل، وإن كان قد خالفهُ جمهور البصريين والكوفيين.
الثاني: أنَّ الإضافة ليست من نصب، وإنَّما هو كقولك: "هذا ضَارِب زيد أمس".
الثالث: أن "سميعاً" مضاف لمرفوعه، ويجعل دعاء الله سميعاً على المجاز والمراد: سماع الله، قاله الزمخشريُّ.
قال أبو حيَّان: "وهو بعيد لاستلازمه أن يكون من الصفة المشبهة والصفة متعدية وهذا إنما يتأتى على قول الفارسيرحمه الله تعالى فإنه يجيز أن تكون الصفة المشبهة من الفعل المتعدي بشرط أمن اللبس، نحو: زيدٌ ظالم العبيدَ، إذا علم أنَّ له عبيد ظالمين، وأما ههنا فاللبس حاصل، إذ الظاهر من إضافة المثل للمفعول لا الفاعل".
قال شهاب الدين: "واللَّبس أيضاً هنا منتف؛ لأنَّ المعنى على الإسناد المجازي كما تقرر".
قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ} أي: من المحافظين عليها.
واحتجُّوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله ـ تعالى ـ لأنَّ قول إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلا م ـ {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} يدلُّ على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى.
وقوله: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي} يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى.
قوله: {وَمِن ذُرِّيَتِي} "عطف على المفعول الأول لـ"اجْعَلْنِي" أي: واجعل بعض ذريتي مقيم الصلاة، وهذا الجار في الحقيقة صفةٌ لذلك المفعول المحذوف، أي: وبعضاً من ذريتي".
وإنَّما ذكر هذا التبعيض؛ لأنه علم بإعلام الله سبحانه وتعالى أنَّه يكون في ذريته جمعاً من الكفار لقوله:
{ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة:124].
قوله {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} قرأ ابو عمرو، وحمزة وورش، والبزي بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، ووقد روى بعضهم بإثباتها وقفاً أيضاً.
قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: معناه: تقبل عملي، وعبادتي، سمى العبادة دعاء.
قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ
"الدُّعَاءُ مُخٌّ العِبادَةِ" .
وقال إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [مريم:48] وقيل: معناه: استجب دعائي.
قوله: {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} العامة على "والديَّ" بالألف بعد الواو وتشديد الياء، وإبن جبير كذلك إلا أنه سكن الياء أراد والده وحده، كقوله
{ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ } [الشعراء:86].
وقرأ الحسين بن علي، ومحمد بن زيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر ـ رضي الله عنهم ـ: "ولِولدَيَّ" دون ألف، تثنية "وَلد"، ويعني بهما: إسماعيل، وإسحاق وأنكرها الجحدري بأن في مصحف أبي "ولأبويَّ" فهي مفسرة لقراءة العامة.
وروي عن ابن يعمر أنه قرأ: "وَلِوُلدِي" بضم الواو، وسكون الياء، وفيها تأويلان:
أحدهما: أنه جمع ولد كأسْد في أسَد.
وأن يكون لغة في الولد، كالحُزْنِ والحَزَن، والعُدْمِ والعَدَم، والبُخْلِ والبَخَل، وعليه قول الشاعر: [الطويل]

3234ـ فَليْتَ زِيَاداً كَان فِي بَطْنِ أمِّهِ وليْتَ زِيَاداً كَانَ وُلْدَ حِمَارِ

وقد قرىء بذلك في مريم، والزخرف، ونوح في السبعة، كما سيأتي إن شاء الله ـ تعالى ـ.
و"يَوْمَ" [نصب] بـ"اغْفِرْ".
فِإن قيل: طلب المغفرة إنَّما يكون بعد الذنب، وهو ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان قاطعاً بأن الله يغفر له، فكيف طلب ما كان قاطعاً بحصوله؟.
فالجواب: المقصود منه الالتجاء إلى الله، وقطع الطَّمع إلاَّ من فضل الله تعالى وكرمه.
فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لأبويه، وكانا كافرين؟.
فالجواب: من وجوه:
الأول: أن المنع لا يعلم إلا بالتوقيف، فلعلَّه لم يجد [منعاً]، فظن جوازهن.
الثاني: أراد بالوالدين آدم وحواء ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ.
الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام.
فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً، ولو لم يكن باطلاً لبطل قوله:
{ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [الممتحنة:4].
فالجواب: أن الله ـ تعالى ـ بين عذر خليله في استغفاره لأبيه في سورة التوبة.
وقال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، ولهذا خص أباه بالذكر في قوله:
{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } [التوبة:114].
في قوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُيَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} قولان:
الأول: يقوم إلى بيت المقدس، وهو مشتقّ من قيام القائم على الرجل، كقولهم: قَامتِ الحربُ على ساقها، ونظيره: قوله: قامت الشمس أي: اشتعلت، وثبت ضوؤها كأنَّها قامت على رجل.
الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز، كقوله:
{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف:82]ٍ.