التفاسير

< >
عرض

الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ
١
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
٢
ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٣
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ
٤
مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
٥
وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
٦
لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٧
مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ
٨
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
٩
-الحجر

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} تقدَّم نظير {تِلْكَ آيَاتُ} أول الرعد، والإشارة بـ"تِلْكَ" إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد بـ"الكِتَابِ" والـ"قُرآن المبينِ": الكتاب الذي وعد به محمد ـ صلوات الله وسلام عليه ـ، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم قال: "وقُرْءَانٍ"، وكلاهما واحدٌ؟.
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بعضه إلى بعض.
وقيل: المراد بـ"الكِتَابِ" التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبالـ"قرآن": هذا الكتاب.
قوله: {رُّبَمَا يَوَدُّ} في "رُبَّ" قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، وابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الافتخار؛ كقوله: [الطويل]

3253ـ فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ

وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
"رُبَّ" بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و"رُب" بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و"رُبُّ" بضم الراء والباء معاً مشددة ومخففة، و"رُبَّت".
وأشهرها: "رُبَّ" بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصرف، وزيد بن علي: "رُبَّتما"، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]

3254ـ رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي

ضرورة في رواية من جرَّ "الجَاملِ".
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]

3255ـ...................... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ

والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عدم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]

3256ـ يَا رُبَّ قائلةٍ غَداً يَا لَهْفَ أم مُعاوِيَه

ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]

3257ـ فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ

وقول هند: [مجزوء الكامل]

3258ـ يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً ..........................

وقول سليم: [الطويل]

3259ـ ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ

فإن حرف التنفيس، و "غداً" خلَّصاه للاستقبال.
و"رُبَّ" تدخل على الاسم، و"رُبَّما" على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و"ما" في "رُبمَا"، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ "رُبَّ" مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا "ما" هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس:27] في "إنَّ" وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]

3260ـ رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّل فِيهِمْ ..........................

في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ "مَا" نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على "ما" محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى:
{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } [النحل:1] ونحوه.
قوله: "لَوْ كَانُوا" يجوز في "لَوْ" وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول "يوَدُّ" محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة:96]؛ وحينئذٍ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا "ما" كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت "لَوْ" وما في حيِّزها بدلاً من "مَا".
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفروا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحينئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ" .
فإن قيل: "رُبمَا" للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ "رُبمَا" يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]

3261ـ أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ .........................

وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثيره؟.
وقيل: إنَّ شغلهم بالعذاب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله ـ تعالى ـ يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزياداتِ؛ كما قال تعالى:
{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } [الحجر:47].
قوله تعالى:
{ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } [الحجر:3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، {وَيُلْهِهِمُ} يشغلهم "الأملًُ" عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: "ذَرْهُمْ"، تهديدٌ، و {سَوْفَ يَعْلَمُونَ}، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: "وذَرْهُمْ"، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه بـ"تَرَكَ"، بل يستعمل منه المضارع نحو:
{ وَيَذَرُهُمْ } [الأعراف:186]، ومن مجيء الماضي قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ "ذَرُوا الحَبشَة ما وَذَرتْكُم"، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: { مَا وَدَّعَكَ } [الضحى:3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]

3262أ ـ سَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟

و"يَأكلُوا" مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة:17، 278] أنَّ "تَرَكَ" و"وَذرَ" يكونان بمعنى "صيَّر"، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: {وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ}، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير ـ رضي الله عنه ـ كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث.
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]

3262ب ـ صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ

أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ:
"نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ" .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ}، أي: من أهل قرية، {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ} فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع "كِتَابٌ" به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و"كِتَابٌ" مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: "إلاَّ لَهَا" بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة لـ"قَرْيَةٍ"، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى:
{ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } [الشعراء:208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: "جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ".
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك ـ أيضاً ـ في البقرة عند قوله:
{ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [البقرة:216].
قال أبو حيَّان ـرحمه الله ـ: "ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين".
قال شهاب الدين: "وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك".
ثم قال أبو حيان: "وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد "إلاَّ" يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك".
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف بـ"إلا"، ثم قال: وأما نحو: "مَا جَاءَنِي رجُلٌ إلاَّ راكِبٌ" على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبْح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ "إلاَّ" لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: ـ وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله "مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ": إنَّ الجملة بعد "إلاَّ" صفة لـ"أحَدٍ"ـ: إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: "إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف".
قال شهابُ الدين ـرحمه الله ـ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه ـ أيضاً ـ [نصره] به من الآية الأخرى في قوله:
{ مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } [الشعراء:208]. ويقويه ـ أيضاً ـ: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } [الزمر:73].
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ} الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن ـ تعالى ـ أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} "مِنْ أمةٍ" فاعل "تَسْبِقُ"، و"مِنْ" مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: "وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد".
قال الزمخشري: "معنى: "سَبَقَ": إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز]، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبق فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: {مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه".
وحمل على لفظ "أمَّةٍ" في قوله: "أجَلهَا"، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق "يَسْتَأخِرُون" وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من مات أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: "وقَالُوا"، يعنى مشركي مكَّة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ}، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: "نُزِّلَ" مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: "نَزلَ"، مخفَّفاً مبنيًّا للفاعل.
{إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى:
{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ } [الأعراف:184].
وإما لأنهم كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ}، "لَوْ مَا": حرف تحضيضٍ؛ كـ"هَلاًّ"، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ "لولا" متردِّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]

3263ـ......................... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا

والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لفظاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]

3264ـ ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي

مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء "لَوما" حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]

3265ـ لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي

واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟.
فقال الزمخشري: "لَوْ" ركبت مع "لا"، ومع "مَا"؛ لمعنيين، وأمَّا "هَلْ" فلم تركَّب إلاَّ مع "لا" وحدها؛ للتحضيض.
واختلف ـ أيضاً ـ في "لَوْمَا" هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على "لَوْلاَ" وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في ادَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام:
{ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ } [الأنعام:8] ويحتمل أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ } [العنكبوت:53].
ثم إنه ـ تعالى ـ أجاب عن شبهتهم بقوله: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله ـ تعالى ـ الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق ـ هنا ـ الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: {مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ}، قرأ أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: "ما تُنزَّلُ" بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، "المَلائِكةُ": مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
{ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً } [الفرقان:25]؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله ـ تعالى ـ فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله ـ تعالى ـ.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري ـ جل ذكره ـ. "المَلائِكةَ"، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى:
{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ } [الأنعام:111]، ويناسب قوله قبل ذلك: "ومَا أهْلَكْنَا"، وقوله بعده: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا } [الحجر:9]، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و"المَلائِكةُ" مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في:
{ تَذَكَّرُونَ } [الأنعام:152]، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: { تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا } [القدر:4].
وقرأ زيد بن علي: "مَا نَزلَ" مخففاً مبنيًّا للفاعل، و"الملائكةُ" مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله:
{ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } [الشعراء:193].
قوله: {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: متلبسين بالحق، وجعله الزمخشري ـرحمه الله ـ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله "إذَنْ" قال الزمخشري: "إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم".
قال صاحب النظم: "لفظة "إذَنْ" مركبة من "إذْ"، وهو اسم بمنزلة "حِينَ"؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه "إنْ" فصار: ِإذْ أنْ، ثم استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار "إذَنْ"، ومجيء لفظة "أنْ" دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا".
قوله: "نَحْنُ" إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير "لَهُ" للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، كما في قوله تعالى:
{ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } [القدر:1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ".
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه ـ تعالى ـ كيف يحفظ القرآن؟.
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، يغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ أحداً حاول بتغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله ـ تعالى ـ حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله ـ تعالى ـ، لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارى، متوفرة على إبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله ـ عز وجل ـ بحفظه وما حفظ الله ـ عز وجل ـ فلا خوف عليه؟.
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه ـ تعالى ـ لما أراد حفظه، فيَّضهُم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم زادوا، لجاز ـ أيضاً ـ أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور ـ أيضاً ـ مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.