التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
١٠
يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
١١
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٢
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
١٣
وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٤
وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥
وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
١٦
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
١٧
-النحل

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً} لمَّا استدلَّ على وجود الصانع الحكيم بأحوال الحيوان، أتبعه بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات.
واعلم أنَّ الماء المنزَّل من السماء هو المطر وهو قسمان:
أحدهما: الذي جعله الله شراباً لنا، ولكل حيٍّ.
فإن قيل: دلت الآية على أنَّ شراب الخلق ليس إلاَّ من المطرِ، ومن المعلوم أنَّ الخلق يشربون من المياه التي في قعر الأرض؛ وأجاب القاضي -رحمه الله -: بأنه تعالى بين أنَّ المطر شرابنا، ولم ينفِ أن نشرب من غيره.
وأجاب غيره: بأنه لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ما ينزل من السماء؛ لقوله تعالى:
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ } [المؤمنون: 18] ولا يمتنع أيضاً في العِذاب من الأنهار أن يكون أصلها من المطر.
والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات، وهو قوله {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}.
قوله: "لَكُمْ" يجوز أن يتعلق بـ "أنْزَلَ" ويجوز أن يكون صفة لـ "مَاءً" فيتعلق بمحذوفٍ، فعلى الأول يكون ["شراب" مبتدأ، و "منه" خبره مقدم عليه، والجملة أيضاً صفة لـ "ماء"، وعلى الثاني يكون "شراب" فاعلاً] بالظرف، و "مِنْهُ" حال من "شَرابٌ"، و "مِنَ" الأولى للتبعيض، وكذا الثانية عند بعضهم، لكنَّه مجازٌ؛ لأنَّه لما كان سقاه بالماء جعل كأنه من الماء؛ كقوله: [الرجز]

3303- أسْنِمَةُ الآبَالِ في رَبَابَهْ

أي: في سحابة، يعني به المطر الذي ينبت به الكلأ الذي تأكله الإبل فتسمن أسنمتها.
وقال ابنُ الأنباري -رحمه الله -: "هو على حذف مضافٍ إمَّا من الأول؛ يعني قبل الضمير، أي: ومن جهته أو سقيه شجر، وإمَّا من الثاني، يعني قبل شجر، أي: شربُ شجرٍ أو حياة شجر".
وجعل أبو البقاءِ: الأولى للتبعيض، والثانية للسببية؛ أي: وبسببه إنباتُ شجرٍ، ودل عليه قوله - سبحانه وتعالى - {يُنبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ}.
والشجر ها هنا: كلُّ نباتٍ من الأرض حتَّى الكلأ، وفي الحديث:
"لا تَأكلُوا ثمنَ الشَّجرِ فإنَّهُ سُحْتٌ" يعني: الكلأ ينهى عن تحجر المباحاتِ المحتاج إليها، وأنشدوا شعراً: [الرجز]

3304- نُطْعِمُهَا اللَّحْمَ إذَا عَزَّ الشَّجَرْ

يريد: يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، قاله الزجاج.
وقال ابن قتيبة في هذه الآية: المراد من الشجر: الكلأ.
فإن قيل: قال المفسرون في قوله تعالى:
{ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } [الرحمن: 6]: إن المراد بالنجم: ما ينجم من الأرض ممَّا ليس له ساق، ومن الشجر ما له ساق، وأيضاً: عطف الشجر على النَّجم؛ فيوجب مغايرة الشجر للنجم.
فالجواب: أنَّ عطف الجنس على النوع وبالضدِّ مشهور وأيضاً: فلفظ الشجرِ يشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم ببعض، وتشاجرتِ الرِّماح إذا اختلطت، وقال تعالى:
{ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [النساء: 65]، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب، والكلأ؛ فوجب إطلاق لفظ الشجر عليه.
وقيل المراد بالشجر ما له ساقٌ؛ لأنَّ الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار وإطلاق الشجر على الكلأ مجازٌ.
قوله: {فِيهِ تُسِيمُونَ} هذه صفة أخرى لـ "مَاءً"، والعامة على "تُسِيمُونَ" بضم التاء من أسام، أي: [أرسلها] لترعى.
وقرأ زيد بن علي بفتحها، فيحتمل أن يكون متعدياً، ويكون فعل وأفْعَل بمعنى، ويحتمل أن يكون لازماً على حذف مضافٍ، أي: تُسِيمُ مَواشِيكُمْ.
يقال: أسمت الماشية إذا خلَّيتها ترعى، وسامت هي تسُومُ سَوْماً، إذا رعتْ حيثُ شاءتَ فهي سَوام وسَائِمَة.
قال الزجاج -رحمه الله -: "أخذ ذلك من السومةِ وهي العلامة؛ لأنَّها تؤثر في الأرض برعيها علاماتٍ".
وقال غيره: لأنها تعلَّم الإرسال والمرعى، وتقدم الكلام في هذه المادة في آل عمران عند قوله تعالى:
{ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ } [الآية: 14].
قوله تعالى: {يُنبِتُ لَكُم} تحتمل هذه الجملة الاستئناف والتبعيَّة، كما في نظيرتها، ويقال: أنْبتَ الله الزَّرْعَ فهو منبُوت، وقياسه: مُنْبَت. وقيل: أنْبتَ قد يجيء لازماً، كـ "نَبَتَ"؛ وأنشد الفراء: [الطويل]

3305- رَأيْتُ ذَوِي الحَاجَاتِ حولَ بُيوتهِمْ قَطِيناً لهُمْ حتَّى إذَا أنْبتَ البَقْلُ

وأباه الأصمعيُّ؛ والبيت حجة عليه، وتأويله: بـ "أنبت" البقل نفسه على المجاز بعيد جدًّا.
وقرأ أبو بكر "نُنْبِتُ" بنون العظمة، والزهري "تنَبِّتُ" بالتشديد، والظاهر أنَّهُ تضعيف التَّعدي، وقيل: بل للتَّكرير، وقرأ أبي: "تُنْبُتُ" بفتح الياء وضمِّ الباءِ. "الزَّرْعَ" وما بعده رفع بالفاعلية، وتقدم خلافُ القراء في رفع "الشَّمْس" وما بعدها ونصبها، وتوجيه ذلك في سورة الأعراف.
فصل
النبات قسمان:
أحدهما: لرعي الأنعام؛ وهو المراد من قوله "تُسِيمُونَ".
والثاني: المخلوق لأكل الإنسانِ؛ وهو المراد من قوله: {يُنبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ}.
فإن قيل: إنه - تعالى - بدأ في هذه الآية بذكر مأكول [الحيوان] وأتبعه بذكر مأكولِ الإنسانِ، وفي آية أخرى عكس الترتيب؛ فقال:
{ كُلُواْ وَٱرْعَوْاْ أَنْعَامَكُم } [طه: 54] فما الفائدة فيه؟.
فالجواب: أنَّ هذه الآية مبنيَّةٌ على مكارم الأخلاق؛ وهو أن يكون اهتمام الإنسانِ بمن يكون تحت يده، أكمل من اهتمامه بنفسه، وأمَّا الآية الأخرى، فمبنيةٌ على قوله - عليه الصلاة والسلام-:
"ابْدَأ بِنفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" .
فصل
اعلم أنَّ الإنسان خلق محتاجاً إلى الغذاء، والغذاء، إمَّا من الحيوانات، وإمَّا من النبات، والغذاء الحيوانيُّ أشرف من الغذاء النباتي؛ لأنَّ تولد أعضاءِ الإنسانِ من [أكل] أعضاء الحيوان أسهل من تولدها من غذاء النبات؛ لأنَّ المشابهة هناك أكمل وأتم، والغذاء الحيواني إنما يحصل من إسامةِ الحيواناتِ وتنميتها بالرعي؛ وهو الذي ذكره الله في الإسامةِ.
وأمَّا الغذاء النباتيُّ، فقسمان: حبوب، وفواكه: أمَّا الحبوب، فإليها الإشارة بقوله: "الزَّرْعَ"، وأما الفواكه، فأشرفها: الزيتونُ، والنَّخيلُ، والأعناب أما الزيتون؛ فلأنه فاكهة من وجه، وإدامٌ من وجه آخر؛ لما فيه من الدهنِ، ومنافع الدهنِ كثيرة: للأكلِ، والطلاءِ، وإشعالِ السِّراج.
وأما امتياز النَّخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، وكما أنَّه - تعالى - لما ذكر الحيوانات المنتفع بها على التفصيل، ثم وصف البقية بقوله تعالى:
{ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [النحل: 8] فكذلك ههنا، لمَّا ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في وصف البقية: {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} تنبيهاً على أن تفصيل أنواعها، وأجناسها، وصفاتها، ومنافعها، ما لم يكن ذكره، فالأولى أن يقتصر فيه على الكلام المجملِ، ثم قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
واعلم أن وجه الدَّلالة من هذه الآية على وجود الله - تعالى -: هو أنَّ الحبة الواحدة تقع في الطين، فإذا مضى عليها زمنٌ معينٌ، نفذت في تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض؛ فتنتفخ وتنشقُّ أعلاها وأسفلها؛ فيخرج من أعلاها شجرة صاعدة إلى الهواء، ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في [قعرِ] الأرض؛ وهي عروقُ الشجرِ، ثمَّ إنَّ تلك الشجرة لا تزال تزدادُ، وتنمو وتقوى، ثم يخرج منها الأوراق، والأزهارُ، والأكمام، والثمار، ثمَّ إنَّ تلك الشجرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع؛ كالعنب فإنَّ قشوره وعجمه باردان يابسان كثيفان، ولحمه وماؤه حارٌ رطبٌ، فنسبة هذه الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة، ونسبة التأثيرات الفلكية، والتحريكات الكوكبيَّة إلى الكلِّ متشابهة، فمع تشابه هذه الأشياء، ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع، والطَّعم، واللَّون، والرائحة، والصفة؛ فدلَّ صريح العقل على أنَّ ذلك ليس إلا بفعل فاعل قادرٍ حكيمٍ رحيمٍ.
وختم هذه الآية بقوله: {يَتَفَكَّرُونَ} لأنه تعالى ذكر أنَّه أنزل من السماءِ ماء، فأنبت به الزرع، والزيتون، والنخيل، والأعناب، فكأنَّ قائلاً قال: لا نسلِّم أنه - تعالى - هو الذي أنبتها، بل يجوز أن يكون حدوثها لتعاقبِ الفصولِ الأربعةِ، وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب، فما لم يقُم الدليل على فساد هذا الاحتمالِ لا يكون هذا الدليل وافياً بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً، فلهذا ختم الآية بقوله: {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} الآية وهذه الآية هي الجواب عن السؤال المتقدم تقريره من وجهين:
الأول: أن يقول: هبْ أن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مستندة إلى الاتِّصالات الفكليَّة إلاَّ أنه لا بدَّ لحركتها واتصالاتها من أسباب، وأسباب تلك الحركات: إما ذواتها، وإمَّا أمورٌ مغايرةٌ لها، والأول باطل من وجهين:
الأول: أنَّ الأجسام متماثلةٌ، فلو كان الجسم علَّة لصفة، لكان كل جسمٍ واجب الاتصاف بتلك الصفةِ؛ وهو محالٌ.
والثاني: أنَّ ذات الجسم لو كانت علَّة لحصول هذه الحركة، لوجب دوامُ هذه الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك لوجب بقاءُ الجسم على حالةٍ واحدةٍ من غير تغيير أصلاً؛ وذلك يوجبُ كونه ساكناً لذاته، وما أفضى ثبوته إلى عدمه، كان أصلاً باطلاً.
فثبت أنَّ الجسم يمتنع أن يكون متحرِّكاً لكونه جسماً، فبقي أن يكون متحركاً لغيره، وذلك الغير: إمَّا أن يكون سارياً فيه، أو مبايناً عنه، والأول باطلٌ لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام؛ فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور مباينة عنها، وذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً، عاد التقسيم الأول فيه، وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً، فإما أن يكون موجباً بالذات أو فاعلاً مختاراً، والأول باطل لأنَّ نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على التسوية؛ فلم يكن بعض الأجسام بقبولِ بعض الآثار المعينة أولى من بعض؛ فثبت أنَّ محرك تلك الأفلاك والكواب هو الفاعل القادر المختار المنزَّهُ عن كونه جسماً، وجسمانيًّا؛ وذلك هو الله - تعالى -.
فالحاصل أنَّا وإن حكمنا باستثناء حوادث العالم السفليِّ إلى الحركات الفلكية والكوكبية، فهذه الحركاتُ الفلكية لا يمكن إسنادها إلى [أفلاكٍ أخرى]؛ وإلاَّ لزم التَّسلسلُ؛ وهو محالٌ؛ فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله - تعالى - وإذا كان كذلك، كان هذا اعترافاً بأنَّ الكُلَّ من الله - تبارك وتعالى - وبإحداثه وتخليقه، وهذا هو المراد من قوله عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} يعني: أنَّ تلك الحوادث كانت لأجل تعاقبِ الليل والنَّهار، وحركاتِ الشَّمس والقمر، فهذه الأشياء لا بدَّ وأن يكون حدوثها بتخليق الله - تعالى - وتسخيره؛ قطعاً للتسلسل.
ولمَّا تم هذا الدليل، ختم الآية بقوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: كلّ عاقل يعلم أنَّ القول بالتسلسل باطل، وأنه لا بدَّ من الانتهاءِ إلى الفاعل المختار.
والجواب الثاني عن ذلك السؤال: أنَّ تأثير الطبائع، والأفلاك، والكواكب؛ بالنسبة إلى الكلِّ واحد، ثمَّ إنَّا نرى تولد العنب: قشره على طبع، وعجمه على طبعٍ، ولحمه على طبع ثالثٍ، وماؤه على طبع رابع، ونرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصُّفرةِ، والوجه الثاني من تلك الورقةِ في غاية الحمرة، وتلك الورقة في غاية الرقة واللَّطافة، ونعلم بالضرورة أنَّ نسبة الأنجم، والأفلاكِ، إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة نسبة واحدة، والطبيعة الواحدة هي المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلاً واحداً؛ ألا ترى أنهم قالوا: شكل البسيط هو الكرة؛ لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابهاً، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة، وأيضاً إذا أضأنا الشمع، فإذا استضاء خمسة أذرع من ضوء ذلك الشمع من أحد الجوانب، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب؛ لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب، وإذا ثبت هذا، فنسبة الشمس، والقمر، والأنجم، والأفلاك، والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة نسبة واحدة، والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة نسبة واحدة، وثبت أنَّ الطبيعة المؤثرة، متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابهاً، وثبت أنَّ الأثر غير متشابهٍ؛ لأنَّ أحد وجهي تلك الورقة في غاية الصفرة، والوجه الثاني منها في غاية الحمرة، وهذا يفيد القطع بأنَّ المؤثِّر في حصول تلك الصفات، والألوان، والأحوال - ليس هو الطبيعة؛ بل الفاعل فيها هو الفاعل المختار الحكيم، وهو الله - تعالى - وهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}.
ولما كان مدار هذه الحجَّة على أنَّ المؤثر الموجب بالذاتِ وبالطبيعةِ، يجب أن تكون نسبته إلى الكل متشابهة - لا جرم ختم الآية بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} فلمَّا دلَّ الحسُّ في هذه الأحكام النباتيَّة على اختلاف صفاتها، وتنافر أحوالها - على أنَّ المؤثِّر فيها ليس هو الطبيعة - ظهر أنَّ المؤثر فيها ليس موجباً بالذاتِ؛ بل الفاعل المختار - سبحانه وتعالى-.
فإن قيلك لا يقال: سخَّرتُ هذا الشيء مسخَّراً.
فالجواب: أنَّ المعنى: أنه - تعالى - سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرةً تحت قدرته وإذنه.
فإن قيل: التسخيرُ عبارة عن القهر والقسر، ولا يليق ذلك إلاَّ بمن هو قادر يجوز أن يقهر؛ فكيف يصحُّ ذلك في اللَّيل والنهار، وفي الجمادات؛ كالشمس والقمر؟.
فالجواب من وجهين:
الأول: أنه - تعالى - لما دبَّر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة لمصالح العباد، صارت شبيهة بالعبدِ المنقادِ المطواع؛ فلهذا المعنى أطلق على هذا النَّوع من التَّدبير لفظ التَّسخيرِ.
والجواب الثاني: لا يستقيمُ إلاَّ على مذهب علماء الهيئة؛ لأنهم يقولون: الحركة الطبيعية للشمس والقمر، هي الحركة من المغرب إلى المشرقِ، والله تعالى سخر هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب، فكانت هذه الحركة قسرية؛ فلذلك أطلق عليها لفظ التسخير.
فإن قيل: إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس؛ كان ذكر الليل والنهار مغنياً عن ذكر الشمس، فالجواب: حدوث النهار واللّيل ليس بسبب [حدوث] حركةِ الشمس؛ بل حدوثهما سبب حركة الفلك الأعظم الذي دلَّ الدليل على أن حركته ليست إلا بتحريكِ الله - تعالى - وأما حركةُ الشمسِ، فَإنَّها علة لحدوث السنة، لا لحدوث اليومِ.
فإن قيل: المؤثر في التسخير هو القدرة، لا الأمر؛ فكيف قال الله: {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ}؟.
فالجواب: هذه الآية مبنيّة على أنَّ الأفلاك والكواكب جماداتٌ، أم لا، وأكثر المسلمين على أنَّها جمادات؛ فلهذا حملوا الأمر في هذه الآيةِ على الخلق [والتقدير]، ولفظ الأمر بمعنى الشَّأنِ والفعل كثيرٌ؛ قال تعالى:
{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [النحل: 40].
ومنهم من قال: إنها ليست بجماداتٍ، فههنا يحمل الأمر على الإذنِ والتكليفِ.
قوله: {وَمَا ذَرَأَ} عطف على الليل والنهار؛ قاله الزمخشري؛ يعني: ما خلق فيها من حيوانٍ وشجر.
وقال أبو البقاء: "في موضعِ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: وخلق، أو أنبت".
كأنه استبعد تَسلطَ "وسَخَّرَ" على ذلك؛ فقدَّر فعلاً لائقاً، و "مُخْتلِفاً" حال منه، و "ألْوانهُ" فاعل به.
وختم الآية الأولى بالتفكُّر؛ لأنَّ ما فيها يحتاج إلى تأملٍ ونظر، والثانية بالعقل؛ لأنَّ مدار ما تقدم عليه، والثالثة بالتذكر؛ لأنه نتيجة ما تقدم.
وجمع "آيَاتٍ" في الثانية دون الأولى والثالثة؛ لأنَّ ما يناط بها أكثر؛ ولذلك ذكر معها الفعل.
قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا} الآية لما استدلَّ على إثباتِ الإله أولاً بأجرامِ السَّمواتِ، وثانياً ببدن الإنسان، وثالثاً بعجائبِ خلق الحيوانات، ورابعاً بعدائب النبات - ذكر خامساً عجائب العناصرِ فبدأ بالاستدلال بعنصر الماءِ.
قال علماء الهيئةِ: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة بالماءِ، وذلك هو البحر المحيط، وحصل في هذا الرابع المسكون سبعة أبحرٍ؛ قال تعالى:
{ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } [لقمان: 27] والبحر الذي سخره الله للناس هو هذه البحار، ومعنى تسخيرها للخلق: جعلها بحيث يتمكن [الناس] من الانتفاع بها: إمَّا بالركوبِ، أو بالغوصِ.
واعلم أنَّ منافع البحارِ كثيرةٌ، فذكر منها - تعالى - هنا ثلاثة أنواعٍ:
الأول: قوله تعالى {لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا} يجوز في "منهُ" تعلقه بـ "لِتَأكُلوا" وأن يتعلق بمحذوفٍ؛ لأنه حال من النكرة بعده، و "مِنْ" لابتداءِ الغاية أو للتبعيض، ولا بدَّ من حذف مضافٍ، أي: من حيوان، و "طَريًّا" فعيلٌ من: طَرُوَ يَطْرُو طَراوَةً؛ كـ "سَرُوَ يَسْرُو سَرَاوَة".
وقال الفراء: [بل يقال:] "طَرِيَ يَطْرَى طَرَاءً ممدوداً وطَراوَةً؛ كما يقال: شَقِيَ يَشْقَى شَقاءً وشَقاوةً".
والطَّراوَةُ ضد اليُبوسَةِ أي: غضًّا جديداً، ويقال: طَريْتُ كذا، أي: جدَّدْتهُ، ومنه الثياب المُطرَّاة، والإطْراءُ: مدحٌ تجدَّد ذكرهُ؛ وأمَّا "طَرَأ" بالهمز، فمعناه: طَلَعَ.
قال ابن الأعرابي -رحمه الله -: لحمٌ طَريٌّ غير مهموز، وقد طَرُوَ يَطْرُو طَراوَةً.
فصل
اعلم أنَّه - تعالى - لما أخرج من البحر الملح الزُّعاقِ الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنَّه إنَّما حدث لا بحسبِ الطب؛ بل بقدرة الله - تعالى - وحكمته بحيث أظهر الضد من الضدِّ.
فصل
لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السَّمك، قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يحنثُ؛ لأنَّ لحم السَّمك ليس بلحم. وقال آخرون: يحنثُ لأنَّ الله - تعالى - نصَّ على تسميته لحماً، وليس فوق بيان الله بيانٌ.
روي أنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - لما قال بهذا، وسمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ذلك محتجاً بهذه الآية؛ فبعث إليه أبو حنيفة رجلاً وسأله عن رجلٍ حلف لا يصلِّي على البساطِ فصلَّى على الأرضِ، هل يحنث أم لا؟.
فقال سفيان -رحمه الله -: لا يحنثُ، فقال السائل: أليس أنَّ الله - تعالى - قال:
{ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً } [نوح: 19] قال: فعرف سفيان أنَّ ذلك بتلقين أبي حنيفة - رضي الله عنه - قاله ابن الخطيب.
وهذا ليس بقويِّ؛ لأنَّ أقصى ما في الباب أنَّا تركنا العمل بظاهرِ القرآنِ في لفظ البساط لدليل قام، فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية أخرى من غير دليل، والفرق بين الصورتين من وجهين:
الأول: أنه لما حلف لا يصلِّي على البساط، فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساطِ؛ لزمنا أن نمنعه من الصلاة؛ لأنه إن صلَّى على الأرض حنث، وإن صلَّى على البساط حنث، بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظِ اللحم؛ لأنه ليس في منعه من أكل اللَّحم على الإطلاق محذورٌ.
الثاني: أنَّا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة، أنَّ وقوع اسم البساط على الأرض مجازٌ ولم نعرف أن وقوع اسم اللحم على لحم السمك مجاز وحجة أبي حنيفة - رضي الله عنه-: أنَّ الأيمان مبناها على العرف؛ لأن الناس إذا ذكروا اللحم على الإطلاقِ، لا يفهم منه لحم السَّمك؛ بدليل أنَّه إذا قال لغلامه: "اشْترِ بهذا الدِّرهمِ لحماً" فجاء بلحمِ سمكٍ استحق الإنكار.
والجواب: أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ، وتارة تعتبرون المعنى، وتارة تعتبرون العرف، وليس لكم ضابط؛ بدليل أنَّه إذا قال لغلامه: اشتر بهذا الدرهم لحماً فجاء بلحم العصفور استحق الإنكار، مع أنَّكم تقولون: إنه يحنث بأكل لحم العصفور؛ فثبت أنَّ العرف مضطربٌ، والرجوع إلى نصِّ القرآن متعين.
النوع الثاني من منافع البحر: قوله: {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} "الحليةُ: اسم لما يتحلَّى به، وأصلها الدَّلالةُ على الهيئة؛ كالعِمَّة والخِمرة".
"تَلْبَسُونهَا" صفة، و "مِنْهُ" يجوز فيه ما جاز في "مِنْهُ" قبل، والمراد بالحلية: اللؤلؤ والمرجان.
فصل
المراد: يلبسهم لبس نسائهم؛ لأنَّهن من جملتهم، ولأنَّ تزينهنَّ لأجلهم فكأنها زينتهم، وتمسك بعض العلماءِ في عدم وجوب الزكاةِ في الحليِّ المباح لقوله - عليه الصلاة والسلام-:
"لا زَكَاةَ في الحُلِيّ" .
ويمكن أن يجاب على تقدير صحَّة الحديث: بأنَّ لفظ "الحُلِيّ" مفرد محلى بالألف واللام؛ فيحمل على المعهود السابق، وهو المذكور في هذه الآية، فيصير تقدير الحديث: لا زكاة في اللآلىء، وحينئذٍ يسقط الاستدلال بالحديث.
النوع الثالث من منافع البحر: قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} قال أهل اللغة: مَخْرُ السَّفينةِ شقُّها الماء بصدرها. وعن الفراء: أنه صوتُ جَرْي الفلك بالرِّياحِ.
إذا عرفت هذا، فقول ابن عبَّاسٍ: "مَواخِرَ" أي: جَوارِي، إنما حسن التفسير به؛ لأنها لا تشقُّ الماء إلاَّ إذا كانت جارية. وقوله تعالى: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني: لتركبوه للتجارة؛ فتطلبوا الريح من فضل الله، وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه؛ فلعلكم تقدمون على شكره.
قال القرطبي: امتنَّ الله على الرِّجالِ والنساء امتناناً عامًّا بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنَّما حرَّم الله - تعالى - على الرجال الذهب والحرير.
قال - صلوات الله وسلامه عليه - في الحرير والذهب:
"هَذا حَرامٌ على ذُكورِ أمَّتِي حلٌّ لإنَاثهَا" .
وروى البخاريُّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اتَّخذَ خاتماً من فضَّة ونقش فيه محمَّد رسول الله.
فصل
من حلف لا يلبس حلياً، فلبس لؤلؤاً لم يحنث، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وقال بعض المالكية: "هذا، وإن كان الاسم اللغويُّ يتناوله فلم يقصده باليمين، والأيمان مبنية على العرف، ألا ترى أنه لو حلف لا ينام على فراش فنام على الأرض لم يحنث وكذلك لو حلف لا يستضيء بسراج، وجلس في ضوء الشمس لا يحنث، وإن كان الله سمى الأرض فراشاً والشمس سراجاً".
قوله: {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}، "تَرَى" جملة معترضة بين التعليلين: وهما "لِتأكُلوا"، "ولِتَبْتغُوا"، وإنما كانت اعتراضاً، لأنه خطاب لواحدٍ بين خطابين لجمعٍ.
و "فِيهِ" يجوز أن يتعلَّق بـ "تَرَى" وأن يتعلق بـ "مَوَاخِرَ" لأنها بمعنى شواقٍّ، وأن يتعلق بمحذوفٍ؛ لأنه حال من "مَواخِرَ" أو من الضمير المستكنِّ فيه.
و "مَواخِرَ" جمع مَاخِرَة، والمَخْرُ: الشقُّ، يقال: مَخرتِ السَّفينةُ البَحْرَ، أي: شقَّتهُ، تَمْخرُه مَخْراً ومُخوراً، ويقال للسُّفنِ: بَناتُ مَخْرٍ وبَخْرٍ، بالميم والباء بدل منها.
وقال الفراء: هُوَ صوتُ جري الفلك، وقيل: صوتُ شدَّة هُبوبِ الرِّيح، وقيل بنات مَخْر لسحاب [ينشأ] صيفاً، وامْتخَرْتَ الرِّيحَ واسْتَخْرْتَهَا: إذا استقبلتها بأنفك.
وفي الحديث:
"اسْتَمخِرُوا الرِّيحَ وأعِدُّوا النبْلَ" يعني في الاستنجاءِ، أي: ينظر أين مجراها وهبوبها؛ فليستدبرها؛ حتَّى لا يرد عليه البول. والمَاخُورُ: الموضع الذي يباع فيه الخمر، و "تَرَى" هنا بصرية فقط.
قوله {وَلِتَبْتَغُواْ} فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: عطفٌ على "لِتَأكُلوا" وما بينهما اعتراضٌ كما تقدم، وهذا هو الظاهر.
وثانيها: أنه عطفٌ على علَّةٍ محذوفةٍ، تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، ذكره ابن الأنباري.
وثالثها: أنه متعلق بفعلٍ محذوفٍ، أي: فعل ذلك لتبتغوا. وفيهما تكلُّف لا حاجة إليه.
ومعنى {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني: لتركبوها للتجارة؛ لتطلبوا الرِّبْحَ من فضلِ الله، فإذا وجدتم فضل الله فلعلكم تشكرونه.
قوله تعالى: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} والمقصود منه: ذكرُ بعض النعم التي خلقها الله في الأرض، وتقدم ذكر الرواسي.
قوله {أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: كراهة أن تميدَ، أو لئلاَّ تميد، أي: تتحرَّك، والميدُ: هو الاضطرابُ [والتكفؤ]، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحرِ: ميدٌ.
قال وهب: "لما خلق الله الأرض جعلت تمورُ؛ فقالت الملائكة: إنَّ هذه غير مقرَّة أحدٍ على ظهرها، [فأصبحت] وقد أُرسيتْ بالجبالِ، فلم تدر الملائكة ممَّ خلقت الجبال؛ كالسفينة إذا ألقيت في الماءِ، فإنها تميل من جانب إلى جانب، وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها، استقرت على وجه الماء".
قال ابن الخطيب -رحمه الله - وهذا مشكلٌ من وجوهٍ:
الأول: أنَّ هذا التعليل؛ إمَّا أن يكون مع القولِ بأن حركاتِ هذه الأجسام بطبعها، أو ليست بطبعها؛ بل هي واقعةٌ بتحريكِ الفاعل المختارِ، أمَّا على التقدير الأول فمشكلٌ؛ لأن الأرض أثقل من الماءِ، والأثقل من الماء يغوص في الماءِ، ولا يبقى طافياً عليه، وإذا لم يبق طافياً، امتنع أن يقال: إنَّها تميلُ، وتميدُ وتضطرب، وهذا بخلافِ السفينة؛ لأنها متخذة من الخشب، وفي داخل الخشب تجويفات مملوءة من الهواء، فلهذا السَّبب تبقى الخشبةُ طافية على الماء، [فحينئذ] تميل وتميد وتضطرب على وجه الماء، فإذا أرسيت بالأجرام الثقيلة، استقرت وسكنت؛ فافترقا.
وأمَّا على التقدير الثاني: وهو أنَّه ليس للأرض والماء طبع يوجب الثقل والرسوب، وإنَّما - الله تعالى - أجرى عادته بجعلها كذلك، وصار الماء محيطاً بالأرض لمجردِ إجراءِ العادة، وليس ههنا طبيعة للأرض، ولا للماء، توجب حالة مخصوصة، فعلى هذا التقدير؛ علَّة سكون الأرض: هي أنَّ الله - تعالى - خلق فيها السكون.
وعلة كونها مائدة مضطربة: هي أنَّ الله يخلق فيها الحركة، وعلى هذا، فيفسد القول بأنَّ الأرض كانت مائدة مائلة، فخلق الله تعالى الجبال وأرساها بها؛ لتبقى ساكنة؛ لأنَّ هذا إنما يصح إذا كانت طبيعة الأرض توجبُ الميلان، وطبيعة الجبال توجبُ الإرساء، والثبات، ونحن نتكلم على تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال، فثبت أن هذا التعليل مشكلٌ على كلِّ تقديرٍ.
الثاني: أنَّ إرساء الأرض بالجبال إنَّما كان؛ لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء ساكنة من غير أن تميد وتميل، وهذا إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت الأرض على وجهه واقفاً.
فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيِّز المخصوص؟ فإن كان طبعه المخصوص أوجب وقوفه في ذلك الحيز المعين، فلم لا نقولُ مثله في الأرض؟ وهو أنَّ طبيعة الأرض المخصوصة أوجبت وقوفها في ذلك الحيِّز المعيَّن، وحينئذٍ يفسد القول بأنَّ الأرض إنما وقفت؛ بسبب أنَّ الله أرساها بالجبال، وإن كان المقتضي لسكون الماء في حيِّزه المعين، هو أنَّ الله - تعالى - سكَّن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فلم لا نقول مثله في سكون الأرض؟ وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضاً.
الثالث: أنَّ الأرض كلها جسم، فبتقدير أن تميل وتضطرب على وجه البحر المحيط، فلم لم تظهر تلك الحالة للناس؟.
فإن قيل: أليس أنَّ الأرض تحرِّكها البخارات المحتبسة في داخلها عند الزلزال، وتظهر تلك الحركات للناس، فبم تنكرون على من يقول: إنه لولا الجبال لتحركت الأرض، إلاَّ أنَّه - تعالى - لما أرساها بالجبال الثقالِ، لم تقو الريحُ على تحريكها؟.
قلنا: تلك البخارات احتبست في [داخل] قطعة صغيرة من الأرض، فلما حصلت الحركة في تلك القطعة الصغيرة، ظهرت تلك الحركة، فظهور تلك الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضوٍ معينٍ من بدن الإنسانِ، أما لو تحركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركةُ؛ ألا ترى أنَّ الساكن في السفينة لا يحسُّ بحركة كليةِ السفينة، وإنْ كانت على أسرع الوجوه، وأقواها، فكذا ها هنا.
قال ابن الخطيب -رحمه الله -: والذي عندي ههنا أن يقال: ثبت بالدلائل اليقينية أنَّ الأرض كرة، وثبت أنَّ الجبال على سطح الكرة جاريةٌ مجرى خشوناتٍ تحصل على وجه هذه الكرة.
وإذا ثبت هذا فنقول: لو فرضنا أنَّ هذه الخشوناتِ ما كانت حاصلة؛ بل كانت الأرض كرة حقيقية، خالية عن الخشونات، والتضريسات - لصارت بحيث تتحركُ بالاتسدارة بأدنى سبب؛ لأنَّ الجرم البسيط المستدير: إمَّا ن يجب كونه متحركاً بالاستدارة؛ وإن لم يجب ذلك عقلاً، إلاَّ أنَّها بأدنى سبب تتحركُ على [هذا الوجه]، فلما حصل على ظاهر سطح الكرة من الأرض هذه الجبال، وكانت الخشونات الواقعة على وجهِ الكرةِ، فكل واحدٍ من هذه الجبال إنَّما يتوجه بطبعه نحو مركز العالم، وتوجُّه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم، وقوته الشديدة، يكون جارياً مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة، فكان تخليقُ هذه الجبال على وجه الأرض كالأوتادِ المغروزةِ في الكرة المانعة من الحركة المستديرة، فكانت مانعة للأرض من المَيْدِ، والمَيْلِ، والاضطرابِ، بمعنى أنها منعت الأرض من الحركةِ المستديرة والله أعلم.
قوله: "وأنْهَاراً" عطف على "رَواسِيَ"؛ لأنَّ الإلقاء بمعنى الخلقِ، وادَّعى ابن عطيَّةرحمه الله : أنَّه منصوب بفعلٍ مضمرٍ، أي: وجعل فيها أنهاراً. وليس كما ذكر.
وقيل: الإلقاءُ معناه الجعلُ، قال تعالى:
{ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا } [فصلت: 10] وقدره أبو البقاء: "وشقَّ فيها أنْهاراً" وهو مناسبٌ.
واعلم أنَّه ثبت في العلوم العقليَّة، أنَّ أكثر الأنهار إنما يتفجرُ منابعها في الجبال، فلهذا [السبب] لمَّا ذكر الجبال، أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار.
قوله "وسُبُلاً" أي: وذلَّل، أو وجعل فيها طرقاً؛ لتهتدوا بها في أسفاركم؛ كقوله تعالى:
{ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } [طه: 53] إلى ما تريدون.
وقوله: {وَعَلامَاتٍ} أي: وضع فيها علاماتٍ.
قوله: "وبِالنَّجْمِ" متعلق بـ "يَهْتَدُون" والعامة على فتح النون، وسكون الجيم، بالتوحيد، فقيل: المراد به: كوكب بعينه وهو الجَدْي أو الثُّريَّا.
وقيل: بل هو اسم جنس، وقرأ ابنُ وثَّاب: بضمهما، والحسن: بضمِّ النون فقط، وعكس بعضهم النقل عنهما.
فأمَّا قراءة الضمتين، ففيها تخريجان:
أظهرهما: أنه جمع صريح؛ لأنَّ فعلاء يجمع على فعل؛ نحو: "سَقْفٌ وسُقُف، وزَهْر وزُهُر".
والثاني: أنَّ أصله النجوم، وفعل يجمع على فعول؛ نحو: فَلْس وفُلُوس، ثم خفِّف بحذف الواو، كما قالوا: أسُد وأسُود وأسْد.
قال أبو البقاء: وقالوا في "خِيَام: خُيُم" يعني أنَّه نظيرهُ من حيث حذفوا فيه حرف المدِّ.
وقال ابن عصفورٍ: "إنَّ قولهم: "النُّجُم" من ضرورات الشِّعر" وأنشد: [الرجز]

3306- إنَّ الذي قَضَى بِذَا قاضٍ حَكمْ أن تَرِدَ الماءَ إذَا غَابَ النُّجُمْ

يريد النجوم. كقوله: [الرجز]

3307- حَتَّى إذَا بُلَّتْ حَلاقِيمُ الحُلُقْ

يريد الحُلُوق.
وأمَّا قراءة الضمِّ، والسكون، ففيها وجهان:
أحدهما: أنها تخفيف من الضمِّ.
والثاني: أنها لغة مستقلة. وتقديم كلِّ من الجارِّ، والمبتدأ، يفيد الاختصاص، قال الزمخشريُّ -رحمه الله -: "فإن قلت: قوله تعالى: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه "النجم" مقحم فيه "هُمْ" كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً، فمن المراد بهم؟.
قلت: كأنه أراد قريشاً كان لهم اهتداءٌ بالنجوم في مسائرهم، وكان لهم به علمٌ لم يكن لغيرهم؛ فكان الشكر عليهم أوجب، ولهم ألزم".
وقال بعض المفسرين: قوله تعالى: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} مختصٌّ بسفرِ البحر؛ لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر، ومنافعه، بيَّن أنَّ من يسير فيه يهتدون بالنجم.
وقال بعضهم: هو مطلقٌ في سفر البحر والبرِّ.
فصل في المراد بالعلامات
المراد بالعلاماتِ: معالمُ الطريق، وهي الأشياء التي يهتدى بها، وهذه العلامات هي الجبالُ والرياحُ.
قال ابنُ الخطيب: "ورايتُ جماعة يشمُّون التراب؛ فيعرفون الطرقان بشمِّه".
قال الأخفش -رحمه الله -: تم الكلام عند قوله: "وعَلامَاتٍ" ثم ابتدأ: {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}.
وقال محمد بن كعبٍ القرظيِّ، والكلبيُّ - رحمهما الله-: الجبالُ علاماتُ النَّهار، والنجوم علامات الليل.
قال السديُّ: أراد بالنجم: الثُّريَّا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، يهتدى بها إلى الطرق، والقبلة.
قال القرطبيُّ:
"سأل ابنُ عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرَّف وكرَّم - عن النَّجم؛ فقال - صلوات الله وسلامه عليه-:هُوَ الجَديُ عليْهِ قِبْلتكُمْ وبِهِ تَهْتَدونَ في بَرِّكُمْ وبَحْرِكُمْ" ، وذلك أنَّ آخر الجدي بناتُ نعشٍ الصغرى، والقطب الذي تستوي عليه القبلة بينهما.
قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} الآية لمَّا ذكر الدَّلائلَ الدالة على وجود الإله القادر الحكيم، أتبعه بذكر إبطال عبادة غير الله - تعالى - والمقصود أنَّه لما دلت الدلائل [القاهرة] على وجود إله قادرٍ حكيمٍ، وثبت أنَّه هو المُولِي لجميع هذه النعم، والمعطي لكلِّ هذه الخيراتِ، فكيف يحسنُ في العقولِ الاشتغال بعبادة غيره، لا سيَّما إن كان غيره جماداً لا يفهم، ولا يعقل؟.
فلهذا قال تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ} هذه الأشياء التي ذكرناها {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}، أي كمن لا يقدر على شيء ألبتة؛ {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} فإنَّ هذا القدر لا يحتاج إلى تدبُّر، ونظر؛ بل يكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم، من أنَّ العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، وأنتم ترون في الشاهد إنساناً عاقلاً فاهماً ينعم بالنعم العظيمة ومع ذلك فتعلمون أنَّ عبادته تقبح، فهذه الأصنام جمادات محضة، ليس لها فهمٌ، ولا قدرة ولا إحساس، فكيف تعبدونها؟.
قوله {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} إن أريد بـ {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} جميع ما عبد من دون الله، كان ورود "مَنْ" واضحاً؛ لأنَّ العاقل يغلب على غيره، فيعبر عن الجميع بـ "مَنْ" ولو جيء أيضاً بـ "ما" لجاز، وإن أريد به الأصنام، ففي إيقاع "مَنْ" عليهم أوجهٌ:
أحدها: إجراؤهم لها مجرى أولي العلم في عبادتهم إيَّاها، واعتقادِ أنَّها تضرُّ، وتنفع كقول الشاعر: [الطويل]

3308- بَكيْتُ إلى سِرْبِ القَطَا إذْ مَرَرْنَ بِي فقُلْتُ: ومِثْلِي بالبُكَاءِ جَدِيرُ
أسِرْبَ القَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَناحَهُ؟ لَعلِّي إلى مَنْ قَدْ هَويتُ أطِيرُ

فأوقع "مَنْ" على السرب، لمَّا عاملها معاملة العقلاء.
الثاني: المشاكلة بينه وبين "مَنْ يَخْلقُ".
[الثالث: تخصيصه بمن يعلم، والمعنى: أنه إذا حصل التباين بين من يخلق] وبين "مَنْ لا يخلقُ" من أولي العلم، وأنَّ غير الخالق لا يستحقُّ العبادة ألبتة، فكيف يستقيم عبادة الجمادِ المنحطِّ رتبة، السَّاقط منزلة عن المخلوقِ من أولي العلم؛ كقوله تعالى:
{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ } [الأعراف: 195] إلى آخره؛ وأمَّا من يجيز إيقاع "مَنْ" على غيرِ العقلاءِ من غير شرطِ كقطرب فلا يحتاج إلى تأويل.
قال الزمخشري -رحمه الله -: فإن قلت: هو إلزامٌ للذين عبدوا الأوثان، ونحوها؛ تشبيهاً بالله تعالى - جلَّ ذكره - وقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق - سبحانه لا إله إلا هو - فكان حقُّ الإلزامُ أن يقال لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق.
قلت: حين جعلوا غير الله مثل الله عز وجل، بتسميتهم والعبادة له، جعلوا الله من جنسِ المخلوقات، وتشبيهاً بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}.
فصل في الاحتجاج بالآية
احتجَّ أهل السنَّة بهذه الآية على أنَّ العبد غير خالقٍ لأفعالِ نفسه؛ لأنَّه سبحانه - عز وجل - ميَّز نفسه عن الأشياءِ التي يعبدونها بصفة الخالقية؛ لأنَّ الغرض من قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} بيان تميُّزه عن الأصنام بصفة الخالقية، وأنَّه إنَّما يستحق الإلهية، والمعبوديَّة؛ لكونه خالقاً، وهذا يقتضي أنَّ العبد لو كان خالقاً لشيءٍ؛ وجب أن يكون إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً، علمنا أنَّ العبد لا يقدر على الخلق، والإيجاد.
أجاب المعتزلة من وجوه:
الأول: المراد من قوله تعالى {أَفَمَن يَخْلُقُ} ما تقدم ذكره من السماوات والأرض، والإنسان، والحيوان، والنبات، والبحار، والنجوم، والجبال، كمن لا يقدر على خلق شيءٍ أصلاً، وهذا يقتضي أنَّ من كان خالقاً لهذه الأشياءِ؛ فإنه يكون إلهاً، ولم يلزم منه أنه إن قدر على خلق أفعال نفسه أن يكون إلهاً.
الثاني: أنَّ معنى الآية: أنَّ من كان خالقاً كان أفضل ممَّن لا يكون خالقاً، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهيَّة، والمعبوديَّة، وهذا القدر لا يدلُّ على انَّ كلَّ من كان خالقاً؛ فإنَّه يجب أن يكون إلهاً؛ لقوله:
{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ } [الأعراف: 195].
ومعناه أنَّ الذي له رجلٌ يمشي بها يكون أفضل من الذي له رجلٌ لا يمشي بها، وهذا يوجب كون الإنسان أفضل من الصَّنم، والأفضل لا يليقُ به عبادة الأخسِّ.
فهذا هو المقصود من هذه الآية، ثم إنها لا تدل على أن من له رجل يمشي بها أن يكون إلهاً، فلذلك ها هنا المقصود من هذه الآية: أنَّ الخالق أفضل من غير الخالق، فيمتنع التسويةُ بينهما في الإلهية والمعبودية، ولا يلزم منه أنَّه بمجرَّد حصول صفة الخالقيَّة يكون إلهاً.
الثالث: أنَّ كثيراً من المعتزلةِ لا يطلقون لفظ الخالق على العبد. قال الكعبيُّ في تفسيره: إنا لا نقول: إنا لا نخلق أفعالنا، ومن أطلق ذلك ققد أخطأ؛ إلاَّ في مواضع ذكرها الله تعالى؛ كقوله تعالى:
{ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } [المائدة: 110]؛ وفي قوله عز وجل: { فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 14] واعلمْ أنَّ أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حقيقة؛ حتَّى إنَّ أبا عبد الله البصري بالغ وقال: إطلاقُ لفظ الخالق حقيقة على العبد، وعلى الله مجاز؛ لأنَّ الخلق عبارةٌ عن التقدير، وذلك عبارة عن الظنِّ، والحسبان، وهو في حقِّ العبد حاصلٌ، وفي حق الله تعالى محالٌ.