التفاسير

< >
عرض

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
٦٨
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٦٩
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
٧٠
وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٧١
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
٧٢
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ
٧٣
فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٧٤
-النحل

اللباب في علوم الكتاب

قوله - تعالى - {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} الآية لما بيَّن أن إخراج الألبان من النَّعم، وإخراج السَّكر من ثمرات النَّخيل والأعناب دلائلٌ قاهرة على أنَّ لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً حكيماً فكذلك إخراج العسل من النحل دليلٌ قاطع على إثبات هذا المقصود.
اعلم أنه - تعالى - قال: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} يقال: وحَى وأوْحَى وهو هنا الإلهام، والمعنى: أنَّه - تعالى - قرَّر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه:
الأول: أنها تبني البيوت مسدَّسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرَّد طبائعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل: المسطرة والبيكار.
الثاني: أنه ثبت في الهندسة أنَّ تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدَّسات، فإنه يبقى بالضَّرورة فيما بين تلك البيوت فرجٌ خالية ضائقة أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة، فإنه لا يبقى فيها فرج خالية ضائقة فاهتداء ذلك الحيوان الضَّعيف إلى تلك الحكمة الخفيَّة الدَّقيقة اللَّطيفة من الأعاجيب.
الثالث: أن النَّحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرَّئيس للبقيَّة، وذلك الواحد يكون أعظم جثَّة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على البقيَّة وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه، وذلك أيضاً من الأعاجيب.
الرابع: أنها إذا نفرت وذهبت من وكرها مع الجماعة إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها، ضربوا الطبول وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردِّها إلى أوكارها، وهذه أيضاً حالةٌ عجيبةٌ، فلمَّا امتاز هذا الحيوان بهذه الخواصِّ العجيبة الدالَّة على مزيد الذَّكاء والكياسة، ليس إلا على سبيل الإلهام، وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم قال - سبحانه وتعالى - في حقِّها: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}.
فصل
قال أبو العباس أحمد بن علي المقري -رحمه الله -: الوحي يردُ على ستَّة أوجه:
الأول: الرِّسالة؛ قال - تعالى -:
{ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } [النساء: 163]، أي: أرسلنا إليك.
الثاني: الإلهام؛ قال - تعالى -: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} [النحل: 68].
الثالث: الإيماءُ، قال - تعالى -:
{ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ } [مريم: 11] أي: أومأ إليهم.
الرابع: الكتابة، قال - تعالى -:
{ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } [الأنعام: 121] أي: يكتبون إليهم.
الخامس: الأمر، قال - تعالى -:
{ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } [الزلزلة: 5]، أي: أمرها.
السادس: الخلق، قال - تعالى -:
{ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا } [فصلت: 12]، أي: خلق.
قال القرطبي: الإلهام هو ما يخلقه الله - تعالى - في القلب ابتداء من غير سبب ظاهرٍ؛ قال - تعالى -:
{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [الشمس: 7، 8] ومن غير ذلك البهائم وما يخلقه الله فيها من إدراك منافعها، واجتناب مضارِّها، وتدبير معاشها، وقد أخبر الله - تعالى - عن الأرض فقال: { تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } [الزلزلة: 4، 5].
واعلم أن الوحي قد ورد في حقِّ الأنبياء؛ قال - تعالى -:
{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ } [الشورى: 51]، وفي حقِّ الأولياء؛ قال - تعالى -: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } [المائدة: 111] وبمعنى الإلهام في حقِّ بقية البشر؛ قال - تعالى-: { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ } [القصص: 7] وفي حقِّ سائر الحيوانات بمعنى خاصّ.
قال الزجاج: يجوز أن يقال: سمِّي هذا الحيوان نحلاً؛ لأن الله - تعالى - نحل النَّاس العسل الذي يخرج من بطونها.
وقال غيره: النَّحل يذكَّر ويؤنث على قاعدة أسماء الأجناس، فالتأنيث فيها لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله - تعالى - وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلاَّ الهاء.
وقرأ ابن وثَّاب: "النَّحَل" بفتح الحاء، فيحتمل أن يكون لغة مستقلة، وأن يكون إتباعاً.
قوله "أن اتَّخذِي" يجوز أن تكون مفسِّرة، وأن تكون مصدريَّة.
واستشكل بعضهم كونها مفسِّرة، قال: لأنَّ الوحي هنا ليس فيه معنى القول؛ إذ هو الإلهام لا قول فيه.
وفيه نظر؛ لأن القول لكل شيء بحسبه.
و "مِنَ الجِبالِ"من" فيه للتبعيض؛ إذ لا يتهيَّأ لها ذلك في كل جبلٍ ولا شجر، وتقدَّم القول في "يَعْرِشُون" ومن قرأ بالكسر والضم في الأعراف.
والمراد بـ "ممَّا يَعْرِشُونَ" ما يبنون لها من الأماكن التي تأوي إليها، وقرىء: "بِيُوتاً" بكسر الباء.
فصل
اعلم أن النَّحل نوعان:
أحدهما: ما يسكن الجبال والغياض ولا يتعهَّدها أحد من النَّاس.
والثاني: ما يسكن البيوت ويتعهَّدها الناس، فالأول هو المراد بقوله عز وجل: {أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ}.
والثاني هو المراد بقوله - عز وجل - {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} وهو خلايا النحل، واختلفوا فيه.
فقال بعضهم: لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول مخصوصة، بحيث يمكن أن يتوجَّه عليها أمر الله ونهيه.
وقال آخرون: المراد منه أنه - تعالى - خلق غرائز وطبائع توجبُ هذه الأحوال، وسيأتي الكلام على ذلك في قوله - تعالى -:
{ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ } [النمل: 18] إن شاء الله - تعالى -.
ثم قال - تعالى -: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} "مِنْ" هنا للتبعيض؛ لأنها لا تأكل من كلِّ الثمرات؛ فهو كقوله:
{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 23] أو لابتداء الغاية.
قال ابن الخطيب: رأيتُ في كتب الطبِّ أن الله - تعالى - دبَّر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طلٌّ لطيف في الليل، ويقع ذلك الطّلُّ على أوراق الأشجار، وقد تكون الأجزاء الطليَّة لطيفة صغيرة متفرِّقة على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجمع منها أجزاء متساوية محسوسة كالترنجبين، فإنه طلٌّ ينزل من الهواء يجتمع على أطراف أوراق الشَّجر في بعض البلدان، وذلك محسوس، فالقسم الأول: هو الذي ألهم الله - تعالى - هذا النَّحل، حتى أنَّها تلتقط تلك الذرات من الأزهار والأوراق والأشجار بأفواهها، وتأكلها وتتغذى بها، فإذا شبعت، التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئاً من تلك الأجزاء، ثم تذهبُ بها إلى بيوتها وتضعها هناك كأنها تدَّخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير، فذلك هو العسل.
ومنهم من يقول: إنَّ النَّحل تأكل من الزهار الطَّيبة والأوراق العطرة أشياء، ثم إنه - تعالى - يقلِّب تلك الأجسام في داخل أبدانها عسلاً، ثمَّ إنها تقيء مرَّة أخرى؛ فذلك هو العسل.
والأول أقربُ، ولا شكَّ أنه طلٌّ يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار، فكذلك ههنا، ونحن نشاهد أن النَّحل إنَّما يتغذَّى بالعسل؛ ولذلك إذا أخرجوا العسل من بيوت النَّحل تركوا لها بقية من العسل لأجل أن يتغذى بها، فعلمنا أنها تتغذَّى بالعسل، وأنَّها إنما تقع على الأشجار والأزهار؛ ليتغذى بتلك الأجزاء الطلِّية العسليَّة الواقعة من الهواء، وإذا كان ذلك، فقوله: "مِنْ كلِّ الثَّمراتِ" أن "مِنْ" هنا لابتداء الغاية لا للتبعيض.
قوله: {فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ} أي: إذا أكلت من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو اسلكي في طلب تلك الثَّمرات سبل ربك.
قوله تعالى: "ذُلُلاً" جمع ذَلُول، ويجوز أن يكون حالاً من السبل، أي: ذلَّلها لها الله - تعالى -؛ كقوله - عز وجل -:
{ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً } [الملك: 15] وأن يكون حالاً من فاعل "اسْلُكِي"، أي: مطيعة منقادة، بمعنى أنَّ أهلها ينقلونها من مكانٍ إلى مكانٍ ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت.
وانتصاب "سُبُل" يجوز أن يكون على الظرفية، أي: فاسْلُكِي ما أكلت في سبل ربك، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النوار ونحوه عسلا، وأن يكون مفعولاً به أي: اسلكي الطُّرق التي أفهمك وعلَّمك في عمل العسل.
قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} التفات وإخبار بذلك، والمقصود منه أن يحتجَّ المكلف به على قدرة الله وحكمته وحسن تدبيره.
واعلم أنَّا إذا حملنا الكلام على أنَّ النَّحل تأكل الأوراق والثَّمرات ثم تتقيَّأ، فذلك هو العسل فظاهرٌ، وإذا ذهبنا إلى أنَّ النحل يلتقط الأجزاء الطلية بفمه، فالمراد من قوله: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا}، أي: من أفواهها، فكل تجويف في داخل البدن يسمى بطناً، كقولهم: بُطونُ الدِّماغِ، أي: تجاويف الدماغ، فكذا قوله - تعالى - {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا} أي: من أفواهها.
قوله: {شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أنَّه تارة يشرب وحده، وتارة نتَّخذ منه الأشربة، و {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أبيض وأحمر وأصفر.
وقوله - تعالى-: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ}، أي: في العسل.
روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال:
"جَاءَ رجلٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ أخِي اسْتطلقَ بَطْنهُ، فقال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: اسْقِه عَسَلاً، فَسَقاهُ، ثمَّ جَاءَ فقال: إني سَقيْتهُ فَلمْ يزِدهُ إلاَّ اسْتِطلاقاً، فقَال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: اسْقِهِ عَسلاً ثَلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابعة، فقال صلوات الله وسلامه عليه: اسْقهِ عَسَلاً فقال: قد سَقيْتهُ فلمْ يَزدْهُ إلا اسْتِطْلاقاً فقَال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ الله وكَذبَ بَطْنُ أخِيك، فَسقاهُ فَبَرأ" .
وقال عبد الله بن مسعود: "العَسلُ شِفاءٌ من كُلِّ داءٍ".
فإن قيل: كيف يكون شفاء للناس وهو يضرُّ بالصفراء ويهيج المرار؟.
فالجواب: أنه - تعالى - لم يقل: إنه شفاءٌ لكلِّ الناس وشفاء لكل داءٍ في كلِّ حال، بل لمَّا كان شفاء للبعض ومن بعض الأدواء، صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاءٌ؛ والذي يدل على أنه شفاء في الجملة: أنه قلَّ معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل، والأشربة المتَّخذة منه في الأمراض البلغميَّة عظيمة النَّفع.
وقال مجاهد -رحمه الله -: المراد بقوله - تعالى -: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ} القرآن؛ لقوله - تعالى -:
{ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } [يونس: 57].
وقال - صلوات الله وسلامه عليه -:
"عَلَيكُم بِالشِّفاءَيْنِ: العَسلِ والقُرآنِ" .
وعلى هذا تمَّ الكلام عند قوله: {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}، ثم ابتدأ وقال: {فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ} أي: في هذا القرآن.
وهذا القول ضعيف؛ لما تقدم من الحديث؛ ولأنَّ الضمير يجب عوده إلى أقرب مذكور وهو الشَّراب، وأما عوده إلى غير مذكور، فلا يناسب.
فإن قيل: ما المراد بقوله - صلوات الله وسلامه عليه -:
"وكَذبَ بَطْنُ أخِيكَ"
فالجواب: لعلَّه - صلوات الله وسلامه عليه - علم بالوحي أنَّ ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلمَّا لم يظهر نفعه في الحال - مع أنه - عليه الصلاة و السلام - كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك - كان هذا جارياً مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ.
ثم إنه - تعالى - ختم الآية بقوله - تعالى-: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: ما ذكرنا من اختصاص النَّحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة؛ مثل بناء البيوت المسدَّسة واهتدائها إلى جمع تلك الأجزاء الواقعة من جو الهواء على أطراف أوراق الأشجار بعد تفرُّقها، فكل ذلك أمور عجيبة دالَّة على أنَّ إله هذا العالم رتَّبه على رعاية الحكمة والمصلحة.
قوله - تعالى -: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} الآية لمَّا ذكر - تعالى - عجائب أحوال الأنهار والنَّبات والأنعام والنَّحل، ذكر بعض عجائب أحوال الناس في هذه الآية.
واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع مراتب:
أولها: سنُّ النشوء والنَّماء.
وثانيها: سن الوقوف وهو سنُّ الشباب.
وثالثها: سن الانحطاط القليل، وهو سنُّ الكهولة.
ورابعها: الانحطاط الكبير، وهو سن الشيخوخة.
فاحتجَّ - تعالى - بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض، على أن ذلك النَّاقل هو الله - تعالى - ثم قال: {ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} عند قضاء آجالكم صبياناً، أو شباباً، أو كهولاً أو شيوخاً.
{وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}، أي: أردأه لقوله - عزَّ وجلَّ-:
{ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } [الشعراء: 111] وقوله - تعالى-: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } [هود: 27].
قال مقاتل: يعني الهرم. وقال قتادة: تسعون سنة.
وقيل: ثمانون سنة.
قيل: هذا مختصٌّ بالكافر؛ لأن المسلم لا يزداد بطول العمر إلا كرامة على الله، ولا يجوز أن يقال إنه رده إلى أرذل العمر؛ لقوله - تعالى -:
{ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [التين: 5، 6]، فبيَّن أن الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات ما ردُّوا إلى أسفل سافلين.
وقال عكرمة: من قرأ القرآن، لم يردَّ إلى أرذل العمر.
قوله: "لِكَيْلا" في هذه اللاَّم وجهان:
أحدهما: أنَّها لام التعليل، و "كَيْ" بعدها مصدرية ليس إلا وهي ناصبة بنفسها للفعل بعدها، وهي منصوبة في تأويل مصدر مجرور باللام، واللام متعلقة بـ "يُرَدُّ".
قال الحوفيُّ: إنها لام "كَيْ"، و "كَيْ: للتأكيد.
وفيه نظر؛ لأنَّ اللام للتَّعليل و "كَيْ" بعدها مصدريَّة لا إشعار لها بالتَّعليل والحالة هذه، وأيضاً فعملها مختلف.
والثاني: أنها لام الصَّيرورة.
قوله: "شَيْئاً" يجوز فيه التنازع؛ لأنه تقدمه عاملان: يعلمُ وعِلْم، أي: الفعل والمصدر، فعلى رأي البصريِّين - وهو المختار - يكون منصوباً بـ "عِلْمٍ" وعلى رأي الكوفيين يكون منصوباً بـ "يَعْلمَ".
وهو مردود؛ إذ لو كان كذلك لأضمر في الثاني، فيقال: لكيلا يعلم بعد علم إيَّاه شيئاً.
ومعنى الآية: لا يعقل بعد عقله الأوَّل شيئاً، إن الله عليم قدير.
قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه، "قَدِيرٌ" على ما يريد.
فصل
هذه الآية كما دلَّت على وجود الإله العالم القادر الفاعل المختار، فهي أيضاً تدلُّ على صحَّة البعث والقيامة؛ لأنَّ الإنسان كان معدوماً محضاً، ثمَّ أوجده الله، ثم أعدمه مرَّة ثانية، فدلَّ على أنَّه لمَّا كان معدوماً في المرة الأولى، وكان عوده إلى العدم في المرَّة الثانية جائزاً؛ فلذلك لمَّا صار موجوداً ثم عدم، وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرَّة الثانية جائزاً، وأيضاً: كان ميّتاً حين كان نطفة، ثم صار حيًّا، ثمَّ مات فلما كان الموت الأوَّل جائزاً، كان عود الموت جائزاً؛ وكذلك لمَّا كانت الحياة الأولى جائزة، وجب أن يكون عود الحياة جائزاً في المرَّة الثانية، وأيضاً الإنسان في أول طفولته جاهلٌ لا يعرف شيئاً، ثم صار عالماً عاقلاً، فلما بلغ أرذل العمر، عاد إلى ما كان عليه في زمان الطفولة؛ وهو عدم العقل والفهم فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر، فكذلك العقل الذي حصل ثمَّ زال، وجب أن يكون جائز العود في المرَّة الثانية، وإذا ثبتت هذه الجملة، ثبت أنَّ الذي مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده، وعود حياته، وعود عقله مرَّة أخرى، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنَّشر حقٌّ.
قوله: {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} الآية هذا اعتبار بحال أخرى من أحوال الإنسان؛ لأنَّا نرى أكيس النَّاس وأكثرهم عقلاً يفني عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسَّر له ذلك، ونرى أجلاف النَّاس وأقلهم عقلاً وفهماً ينفتح عليه أبواب الدنيا، وكلُّ شيءٍ خطر بباله أو دار في خياله، فإنه يحصل له في الحال، ولو كان السَّببُ هو جهد الإنسان وعقله، لوجب أن يكون العاقل أفضل في هذه الأحوال، فلمَّا رأينا أن الأعقل الأفضل أقلُّ نصيباً، والأجهل الأخس أوفر نصيباً - علمنا أنَّ ذلك بسبب قسمة القسام؛ كما قال - تعالى -:
{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [الزخرف: 32] وهذا التفاوت غير مختصٍّ بالمال، بل حاصل في الذَّكاء والبلادة، والحسن والقبح، والعقل والحمق والصحة والسقم وغير ذلك.
قوله: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} فيه قولان:
الأول: أنَّ المراد من هذا الكلام تقرير ما تقدَّم من أن السَّعادة والنُّحوسة لا يحصلان إلا من الله - تعالى -، والمعنى: إنا رزقنا الموالي والمماليك جميعاً، فهم في رزقي سواء، فلا يحسبنَّ الموالي أنَّهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً، وإنما ذلك رزقي أجريته على أيديهم إلى مماليكهم.
والحاصل: أن الرَّزاق هو الله - تعالى -، وأن المالك لا يرزق العبد؛ وتحقيق القول فيه: أنه ربما كان العبد أكمل عقلاً، وأقوى جسماً، وأكثر وقوفاً على المصالح والمفاسد من المولى؛ وذلك يدلُّ على أن ذلَّة العبد وعزة ذلك المولى من الله؛ كما قال جل ذكره -:
{ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ } [آل عمران: 26].
الثاني: أن المراد من الآية: الرد على من أثبت شريكاً لله - عزَّ وجلَّ -، وعلى هذا القول ففيه وجهان:
الأول: أن يكون هذا ردًّا على عبدة الأصنام؛ كأنه قيل: إنَّه - تعالى - فضَّل الملوك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقدر على ملكٍ مع مولاه، فإذا لم يكن عبيدكم معكم سواءً في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في العبودية.
والثاني: قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه-: "نزلتْ هذه الآية في نصارى نجران، حين قالوا: إنَّ عيسى ابن مريم ابن الله"، والمعنى: أنكم لا تشركوني عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء، فكيف جعلتم عبدي ولداً وشريكاً لي في هذه الألوهية؟.
قوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} في هذه الجملة أوجه:
أحدها: أنَّها على حذف أداة الاستفهام، تقديره: أفهم فيه سواء، ومعناه النفي، أي: ليسوا مستوين فيه.
الثاني: أنها إخبار بالتَّساوي، بمعنى أنَّ ما يطعمونه ويلبسونه لمماليكهم، إنَّما هو رزقي أجريته على أيديهم فهم فيه سواءٌ.
الثالث: قال أبو البقاء: إنَّها واقعة موقع الفعل، ثم جوز في ذلك الفعل وجهين:
أحدهما: أنه منصوب في جواب النَّفي، تقديره: فما الَّذين فضَّلوا برادِّي رزقهم على ما ملكتْ أيمانهم، فيستووا.
الثاني: أنه معطوفٌ على موضع "بِرَادِّي" فيكون مرفوعاً، تقديره: فما الذين فضِّلوا يردُّون، فما يستوون.
قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} [فيه وجهان:
أحدهما: لا شبهة في أن المراد من قوله {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم.
الثاني]: الباء في قوله: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ} يجوز أن تكون زائدة؛ لأنَّ الجحود لا يتعدَّى بالباء؛ كما تقول: خُذِ الخِطامَ وبالخِطَام، وتعلَّقت زيداً وبِزَيْدٍ، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر، فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: "تَجْحَدُونَ" بالخطاب؛ لقوله: "بَعضَكُم" و "خَلقَكُمْ"، والباقون بالغيبة؛ مراعاةً لقوله - عزَّ وجلَّ-: {فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ} وقوله: {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم؛ لقرب المخبر عنه، وأيضاً فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحد النّعمة، وهذا إنكار على المشركين.
فإن قيل: كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام؟.
فالجواب من وجهين:
الأول: أنَّه لمَّا كان المعطي لكل الخيرات هو الله - تعالى -، فالمثبت له شريكاً، فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات، فكان جاحداً لكونها من عند الله، وأيضاً فإنَّ أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النِّعم إلى الطبائع وإلى النُّجوم، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من عند الله.
الثاني: قال الزجاج: إنه - تعالى - لمَّا بين الدلائل، وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل، كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق، فعند ذلك قال: {أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} في تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه البينات "يَجْحدُونَ".
قوله: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} الآية هذا نوع آخر من أحوال الناس استدلَّ به على وجود الإله المختار الحكيم، وتنبيهاً على إنعام الله على عبيده بمثل هذه النعم، وهذا الخطاب للكلِّ، فتخصيصه بآدم وحوَّاء - صلوات الله وسلامه عليهما - خلافٌ للدَّليل، والمعنى: أنه - تعالى - خلق النِّساء ليتزوج بها الذُّكور، ومعنى "مِنْ أنْفُسِكُمْ" كقوله - تعالى -:
{ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ } [البقرة: 54] وقوله: { فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } [النور: 61]، أي: بعضكم بعضاً؛ ونظيره: { وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً } [الروم: 21].
قال الأطباء وأهل الطبيعة: المنيُّ إذا انصبَّ إلى الخصية اليمنى من الذَّكر، ثم انصبَّ منه إلى الجانب الأيمن من الرَّحم، كان الولدُ ذكراً تامًّا، وإن انصبَّ إلى الخصية اليسرى، ثمَّ انصبَّ منها إلى الجانب الأيسر من الرَّحم، كان الولد أنثى تامًّا في الأنوثة، وإن انصبَّ منها إلى الخصية اليمنى، وانصبَّ منها إلى الجانب الأيسر من الرَّحم، كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن انصبَّ إلى الخصية اليسرى، ثم انصبَّ إلى الجانب الأيمن من الرَّحم، كان هذا الولدُ أنثى في طبيعة الذُّكور.
وحاصل كلامهم: أن الذُّكور الغالب عليها الحرارة واليبوسة، والغالب على الإناثِ البرودة والرطوبة، وهذه العلَّة ضعيفة، فإنَّا رأينا في النِّساء من كان مزاجه في غاية السُّخونة، وفي الرِّجالِ من كان مزاجه في غاية البرودة، ولو كان الموجب للذُّكورة والأنوثة ذلك، لامتنع ذلك؛ فثبت أنَّ خالق الذَّكر والأنثى هو الإله القادر الحكيم.
قوله: "وَحفَدةً" فيه أوجه:
أظهرها: أنه معطوف على "بَنِينَ" بقيد كونه من الأزواج، وفسِّر هذا بأنَّه أولاد الأولاد.
الثاني: أنه من عطف الصفات لشيء واحد، أي: جعل لكم بنين خدماً، والحفدة: الخدم.
الثالث: أنه منصوب بـ "جَعَلَ" مقدَّرة، وهذا عند من يفسِّر الحفدة بالأعوان والأصهار، وإنما احتيج إلى تقدير "جَعَلَ"؛ لأن "جَعَلَ" الأولى مقيَّدة بالأزواج، والأعوانُ والأصهارُ ليسوا من الأزواج، والحفدة: جمع حافدٍ؛ كخادمٍ وخَدم.
قال الواحدي -رحمه الله -: "ويقال في جمعه: الحفد بغير هاءٍ؛ كما يقال: الرَّصد، ومعنى الحفدة في اللغة: الأعوان والخدم".
وفيهم للمفسِّرين أقوال كثيرة، واشتقاقهم من قولهم: حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْداً وحُفُوداً وحَفَداناً، أي: أسرع في الطَّاعة، وفي الحديث:
"وإليك نَسْعَى ونَحْفِدُ" ، أي: نُسرع في طَاعتِكَ؛ وقال الآخر: [الكامل]

3344- حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلهُنَّ وأسْلِمَتْ بأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ

ويستعمل "حَفَدَ" أيضاً متعدياً؛ يقال: حَفدنِي فهو حافدٌ؛ وأنشد أيضاً: [الرمل]

3345- يَحْفدُونَ الضَّيْفَ في أبْيَاتهِمْ كَرماً ذلِكَ مِنهُمْ غَيْرَ ذُلْ

وحكى أبو عبيدة أنه يقال: أحفد رباعيًّا، وقال بعضهم: الحَفدةُ الأصهارُ؛ وأنشد: [الطويل]

3346- فَلوْ أنَّ نَفْسِي طَاوعَتْنِي لأصْبحَتْ لهَا حَفدٌ ممَّا يُعَدُّ كَثِيرُ
ولَكنَّهَا نَفْسٌ عليَّ أبيَّةٌ عَيُوفٌ لإصْهَارِ اللِّئامِ قَذُورُ

ويقال: سَيفٌ مُحْتَفِدٌ، أي: سريعُ القطع؛ وقال الأصمعي: أصل الحفد مقاربة الخُطَى.
قوله: {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} ولمَّا ذكر إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح، ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطبية، و"مِنْ" في "مِنَ الطَّيباتِ" للتبعيض.
ثم قال {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه - يعني: بالأصنام وقال مقاتل: يعني: بالشيطان، وقال عطاء: يصدِّقون أن لي شريكاً وصاحبة وولداً.
{وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} أي: بأن يضيفوها إلى غير الله ولا يضيفونها إلى الله، وقيل: يكفرون بالتَّوحيد والإسلام.
وقيل: يحرِّمون على أنفسهم طيِّباتٍ أحلَّها الله لهم؛ مثل: البَحيرَة والسَّائبةِ والوَصِيلَة والحَامِ، ويبيحون لأنفسهم محرَّمات حرمها الله عليهم، وهي الميتة ولحم الخنزير
{ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } [المائدة: 3]، أي: يجحدون ويكفرون إنعام الله في تحليل الطيِّبات وتحريم الخبائث، ويحكمون بتلك الأحكام الباطلة.
قوله - تعالى-: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً} الآية لمَّا شرح الدَّلائل الدالة على صحَّة التَّوحيد، وأتبعها بذكر أقسام النِّعم العظيمة، أتبعها بالردِّ على عبدة الأصنام؛ قال {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَاتِ} يعني: المطر والأرض، ويعني النَّبات والثِّمار.
قوله تعالى: {مِّنَ ٱلسَّمَٰوَاتِ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه متعلق بـ "يَمْلِكُ"، وذلك على الإعرابين الأولين في نصب "شَيْئاً".
الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "رِزْقاً".
الثالث: أن يتعلق بنفس "رِزْقاً" إن جعلناه مصدراً.
وقال ابن عطية - بعد أن ذكر إعمال المصدر منوناً-: والمصدر يعمل مضافاً باتِّفاق؛ لأنه في تقدير الانفصال، ولا يعمل إذا دخله الألف واللاَّم؛ لأنه قد توغَّل في حال الأسماء وبعد عن الفعليَّة، وتقدير الانفصال في الإضافة حسن عمله؛ وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشاعر: [المتقارب]

3347- ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْدَاءَهُ ...................

وقوله: [الطويل]

3348-................... .......... فَلمْ أنْكُلْ عَنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا

قال أبو حيَّان: أما قوله: "باتِّفاقٍ" إن عنى به من البصريين، فصحيحٌ، وإن عنى به من النَّحويين، فليس بصحيحٍ؛ إذْ قد ذهب بعضهم إلى أنَّه وإن أضيف لا يعمل، فإن وجد بعده منصوب أو مرفوع قدَّر له عاملاً، وأما قوله: "في تقدير الانفصال" فليس كذلك، إلا أن تكون إضافته غير محضة؛ كما قال به ابن الطراوة وابن برهان، ومذهبهما فاسد؛ لأن هذا المصدر قد نعت وأكد بالمعرفة، وقوله: "لا يعمل... إلى آخره" ناقضه بقوله: "وقد جاء عاملاً... إلى آخره".
قال شهاب الدِّين: فغاية ما في هذا أنَّه نحا إلى أقوال قال بها غيره، وأمَّا المناقضة، فليست صحيحة؛ لأنه عنى أولاً أنَّه لا يعمل في السَّعة، وثانياً أنه قد جاء عاملاً في الضرورة، ولذلك قيَّده فقال: "في قول الشَّاعر".
قوله: "شَيْئاً" فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: انه منصوبٌ على المصدر، أي: لا يملك لهم ملكاً، أي: شيئاً من الملك.
والثاني: أنه بدلٌ من "رِزْقاً" أي: لا يملك لهم رزقاً شيئاً، وهذا غير مقيَّد؛ إذ من المعلوم أن الرزق شيء من الأشياء، ويؤيِّد ذلك أن البدل يأتي لأحد معنيين: البيان أو التَّأكيد، وهذا ليس فيه بيان؛ لأنه أعمٌّ، ولا تأكيد.
الثالث: أنه منصوب بـ "رِزْقاً" على أنه اسمُ مصدر، واسم المصدر يعمل عمل المصدر، على خلاف في ذلك.
ونقل مكِّي: أن اسم المصدر لا يعمل عند البصريين إلا في شعر، وقد اختلف النقلة عن البصريِّين؛ فمنهم من نقل المنع، ومنهم من نقل الجواز.
وقد ذكر الفارسي انتصابه بـ "رِزْقاً" كما تقدَّم.
ورد عليه ابن الطراوة: بأن الرِّزق اسم المرزوق، كالرِّعي، والطحن. وردَّ على ابن الطراوة؛ بأنّ الرزق بالكسر أيضاً مصدر، وقد سمع فيه ذلك، وظاهر هذا أنه مصدر بنفسه لا اسم مصدر.
قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} يجوز في الجملة وجهان:
العطف على صلة "مَا"، والإخبار عنهم بنفي الاستطاعة على سبيل الاستئناف، ويكون قد جمع الضمير العائد على "مَا" باعتبار معناها؛ إذ المراد بذلك آلهتهم.
ويجوز أن يكون الضمير عائداً على العابدين.
فإن قيل: قال - تعالى -: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ} فعبَّر عن الأصنام بصيغة "ما" وهي لغير العاقل، ثم جمع بالواو والنون فقال: "ولا يَسْتَطِيعُون"، وهو مختص بأولي العلم.
فالجواب: أنه عبَّر عنها بلفظ "مَا" اعتباراً باعتقادهم أنَّا آلهة، والفائدة في قوله: "ولا يَسْتَطِيعُونَ" أنَّ من لا يملك شيئاً قد يوصف باستطاعته أن يمتلكه بطريقٍ من الطرق فبيَّن - تعالى - أنَّ هذه الأصنام لا تملك وليس لها استطاعة تحصيل الملك.
ثم قال - تعالى -: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ} يعني: الأشباه فتشبهونه بخلقه وتجعلون له شريكاً؛ فإنه واحد لا مثل له - سبحانه وتعالى -.
ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} يعني: أن الله يعلم ما عليكم من العقاب العظيم، وأنتم لا تعلمون خطأ ما تضربون من الأمثال، وحذف مفعول العلم اختصاراً أو اقتصاراً.