التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
١٢١
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
١٢٢
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
١٢٣
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: "يَتْلُونَهُ"، وتكون الجملة من قوله: "أولئِكَ يُؤْمِنُونَ": إما مستأنفة وهو الصحيح.
وإما حالاً على قول ضعيف تقدم مثله أول السورة.
والثاني: أن الخبر هو الجملة من قوله: "أولئِكَ يُؤْمِنُونَ".
ويكون "يَتْلُونَهُ" في محلّ نصب على الحال إما من المفعول في "ءَاتْنَاهُمْ" وإما من الكتاب، وعلى كلا القولين فهي حال مقدرة؛ لأن وقت الإيتاء لم يكونوا تالين، ولا كان الكتاب متلوًّا.
وجوز الحوفي أن يكون "يتلونه" خبراً، و "أولَئِكَ يُؤْمِنُونَ" خبراً بعد خبر، قال: مثل قولهم: "هذا حلو حامض" كأنه يريد جعل الخبرين في معنى خبر واحد، هذا إن أريد بـ "الذين" قوم مخصوصون.
وإن أريد بهم العموم، كان "أولئِكَ يُؤْمِنُونَ" الخبر.
قال جماعة ـ منهم ابن عطيةرحمه الله وغيره ـ و "يَتْلُونَهُ" حالاً لا يستغنى عنها، وفيها الفائدة.
وقال أيضاً أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون "يَتْلُونَهُ" خبراً؛ لئلا يلزم منه أنّ كل مؤمن يتلو الكتاب حَقَّ تلاوته بأي تفسير فسرت التلاوة قال أبو حيان: ونقول: ما لزم من الامتناع مِنْ جَعْلِهَا خبراً يلزم في جعلها حالاً؛ لأنه ليس كل مؤمن على حال التلاوة بأي تفسير فسرت التلاوة.
قوله تعالى: "حَقَّ تِلاَوَتِهِ" فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه نصب على المصدر وأصله: "تلاوةً حقًّا" ثم قدم الوصف، وأضيف إلى المصدر، وصار نظير "ضربت شديد الضرب" أي: ضَرْباً شديداً. فلما قدم وصف المصدر نصب نصبه.
الثاني: أنه حال من فاعل "يَتْلُونَهُ" أي: يتلونه محقين.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف.
وقال ابن عطية: و "حَقَّ" مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى "أفعل"، ولا تجوز إضافته إلى واحد معرف، إنما جازت هنا؛ لأن تَعَرُّفَ التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم: رجل وَاحِدُ أُمِّه ونَسِيجُ وحده يعني: أنه في قوة "أفعل" التفضيل بمعنى أحقّ التلاوة، وكأنه يرى أن إضافة "أفعل" غير محضة، ولا حاجة إلى تقدير عامل فيه؛ لأن ما قبله يطلبه. والضمير في "به" فيه أربعة أقوال:
أحدها ـ وهو الظاهر ـ: عوده على الكتاب.
الثاني: عوده على الرسول، قالوا: "ولم يَجْرِ له ذكر لكنه معلوم"، ولا حاجة إلى هذا الاعتذار، فإنه مذكور في قوله:
{ أَرْسَلْنَاكَ } [البقرة:119]، إلا أن فيه التفاتاً من خطاب إلى غيبة.
الثالث: أنه يعود على الله تعالى، وفيه التفات أيضاً من ضيمر المتكلّم المعظم في قوله: "أَرْسَلْنَاكَ" إلى الغيبة.
الرابع: قال ابن عطية: إنه يعود على "الهدى" وقرره بكلام حسن.
فصل فيمن نزلت فيهم هذه الآية
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل السَّفينة الذين كانوا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا أربعين رجلاً اثنان وثلاثون من "الحبشة" وثمانية من رهبان "الشام" منهم بحيرى.
وقال الضحاك: هو من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة بن عمرو، وتمام ابن يهوذا، وأسيد وأسد ابنا كعب وابن تامين، وعبد الله بن صوريا. دليل هذين التأويلين تقدم ذكر الكتاب.
وقال قتادة وعكرمة: هم المؤمنون عامة لقوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} وهذا حثّ وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، وهذا شأن القرآن؛ لأن التوراة والإنجيل لا يجوز قراءتهما، وأيضاً قوله: {يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} وهذا الوصف لا يليق إلا بالقرآن.
والتلاوة لها معنيان:
أحدهما: الاتباع فعلاً؛ لأن من اتبع غيره يقال: تلاه فعلاً، قال تعالى:
{ وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا } [الشمس:2].
والثاني: القراءة.
وفي حق التلاوة وجوه:
أحدها: أنهم يدبّروه، فعملوا بموجبه [حتى تمسّكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما].
وثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته.
وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه، وفوضوه إلى الله تعالى.
ورابعها: يقرءونه كما أنزله الله، ولا يحرفونه، ولا يتأولونه على غير حق.
وخامسها: روي عن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوا، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا.
وسادسها: المراد أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه؛ لأنها مشتركة في مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها.