التفاسير

< >
عرض

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
١٨
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

الجمهور على رفعها على أنّها خبر مبتدأ محذوف، هم صم بكم، ويجيء فيه الخلاف المَشْهُور في تعدُّد الخبر، فمن أجاز ذلك حمل الآية عليه من غير تأويل، ومن منع ذلك قال: هذه الأخبار: وإن تعدّدت لفظاً، فهي متحدة معنى؛ لأن المعنى: هم غير قائلين للحق بسبب عَمَاهُمْ وَصَمَمِهِمْ، فيكون من باب: "هذا حُلْوٌ حَامِضٌ" أي: مُزٌّ، وهذا أعسر أيسر أي: أضبط، وقول الشاعر: [الطويل]

237- يَنَامُ بإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ ويَتَّقِي بِأُخْرَى الأَعَادِي، فَهُوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ

أي: متحرّز.
أو يقدر لكل خبر مبتدأ تقديره: هم صُمّ، هم بُكْمٌ، هم عُمْيٌ.
والمعنى: أنهم جامعون لهذه الأوصاف الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن تكون هذه الآية من باب ما تعدّد فيه الخبر لتعدّد المبتدأ، كقولك: الزيدون فقهاء شعراء كاتبون، فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن بعضهم فقهاء، وبعضهم شعراء، وبعضهم كاتبون، وأنهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضهم اختصّ بالفقه، والبعض الآخر اختصّ بالشعر، والآخر بالكتابة.
وقرأ بعضهم "صمًّا بكماً عمياً" بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه حالٌ، وفيه وجهان:
أحدهما: هو حال من الضمير المنصوب في "تركهم".
والثاني: من المرفوع في "لا يُبْصِرُون".
الثاني: النَّصْب على الذَّم كقوله:
{ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } [المسد: 4] وقول الآخر:

238- سَقَوْنِي الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفُونِي عُدَاةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورِ

أي: أذمُ عُدَاة الله.
الثالث: أن يكون منصوباً بـ "ترك"، أي: صمَّا بكماً عمياً.
والصّمم: داء يمنع من السَّمَاع، وأصله من الصَّلابة، يقال: قناة صَمّاء: أي: صلبة.
وقيل: أصله من الانسداد، ومنه: صممت القَارُورَة أي: سددتها.
والبَكَمُ: داءٌ يمنع الكلام.
وقيل: هو عدم الفَهْمِ.
وقيل: الأبكم من وُلِدَ أَخْرَسَ.
وقوله: {فهم لا يرجعون} جملة خبرية معطوفة على الجملة الخبرية قبلها.
وقيل: بل الأولى دعاء عليهم بالصَّمم، ولا حاجة إلى ذلك.
وقال أبو البقاء: وقيل: فهم لا يرجعون حال، وهو خطأ؛ لأن "الفاء" ترتب، والأحوال لا ترتيب فيها.
و "رجع" يكون قاصراً ومتعدياً باعتبارين، وهذيل تقول:: "أرجعه غيره"، فإذا كان بمعنى "عاد" كان لازماً، وإذا كان بمعنى "أعاد" كان متعدياً، والآية الكريمة تحتمل التَّقديرين، فإن جعلناه متعدياً، فالمفعول محذوف، تقديره لا يرجعون جواباً، مثل قوله:
{ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } [الطارق: 8]، وزعم بعضهم أنه يضمَّن معنى "صار"، فيرفع الاسم، وينصب الخبر، وجعل منه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِب بَعْضُكُم رِقابَ بَعْضٍ" .
ومن منع جريانه مجرى "صار" جعل المنصوب حالاً.
فصل في المراد بنفي السمع والبصر عنهم.
لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون، وينطقون، ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يَبْقَ إلاّ تشبيه حالهم لشدة تمسُّكهم بالعناد، وإعراضهم عن سماع القرآن، وما يظهره الرسول من الأدلّة والآيات بمن هو أصمّ في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكّن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأَبْكَمِ، وإذا لم ينتفع بالأدلّة، ولم يبصر طريق الرشد، فهو بمنزلة الأعمى.
وقوله: {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي: من التمسُّك بالنفاق فهم مستمرون على نفاقهم أبداً.
وقيل: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضَّلالة بعد أن اشتروها.
وقيل: أراد أنّهم بمنزلة المتحيّرين الّذين بقوا خامدين في مَكَانِهِمْ لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرّون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟