التفاسير

< >
عرض

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ
١٧
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ
١٨
قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ
١٩
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ
٢٠
قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ
٢١
-طه

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} الآية. (مَا) مبتدأة استفهامية و (تِلْكَ) خبره، و "بِيَمِينِكَ" متعلق بمحذوف، لأنه حال كقوله: { وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً } [هود:72]، والعامل في الحال المقدرة معنى الإشارةَ وجوَّز الزمخشري أن تكون (تِلْكَ) موصولة بمعنى (التي) و (بِيَمِينِكَ) صلتها. ولم يذكر ابنُ عطية غيره. وهذا ليس مذهب البصريين أنهم لم يجعلوا (من أسماء) الإشارة موصولاً إلا (ذَا) بشروط تقدمت. وأما الكوفيون فيجيزون ذلك جميعها، ومنه هذه الآية عندهم أي: وَمَا التي بيمينك وأنشدوا:

3651- نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ

أي والذي تحملين.
وقال الفراء معناه: وَمَا هِذهِ التي فِي يمينِكَ.
فصل
السؤال إنما يكون لطلب العلم، وهو على الله تعالى محال. فما فائدة قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينكَ}؟
والجواب فيه فوائد، الأُولَى: حكمةُ هذا السؤال تنبيهُهُ وتَوْقيفُه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية عَلِم أنها معجزةٌ عظيمةٌ، وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره: هَلْ تَعْرِف هَذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه.
الثانية: أن يقرَّرُ عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافُها.
الثالثة: أنه تعالى لمَّا أراه الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسْمَعَهُ كلام نفسه، ثم أورد عليه التكليف الشاق، وذكر له المعاد، وختم ذلك بالتهديد العظيم، فتحيَّر موسى - عليه السلام - ودُهِشَ، (فقيل له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينكَ}، وتكلم معه بكلام البشر إزالةً لتلك الدهشة والحيرة).
فصل هذا خطاب من الله مع موسى بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد عليه السلام فيلزم أن يكون موسى أفضلَ من محمد عليهما السلام.
فالجوابُ: أنَّه تعالى كما خاطبَ موسَى فقد خاطب محمداً في قوله:
{ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } [النجم:10] إلا أن الفرق أنَّ الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه إلى الخلق، والذي ذكره مع محمد كان سراً لم يستأهل له أحداً من الخلق. وأيضاً إن كان موسى تكلم معه فأمةُ محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مرات على ما قاله عليه السلام: "المُصَلِّى يُنَاجِي رَبَّهُ" والرَّبُ يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم القيامة بالتسليم والتكريم لقوله: { سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } [يس : 58].
قوله: "هِيَ عَصَايَ" هِيَ يعودُ على المستفهم عنه.
وقرأ العامة "عَصَايَ" بفتح الياء. والجَعْفَرِيّ وابنُ أبي إسحاق "عَصَيَّ" بالقلب والإدغام. وقد تقدَّم توجيه ذلك أوّل البقرة، ولِمَنْ تنسب هذه اللغة والشعر المروي في ذلك.
وروي عن أبي عمرو ابن أبي إسحاق أيضاً (والحسن "عِصَاي" بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وعن أبي إسحاق) "عِصَايْ" بسكونها وصلاً وقد فعل ذلك نافع مثل ذلك في "مَحْيَايَ" فجمع بين ساكنين وصلاً، وقد تقدم الكلام هناك.
قوله: "أَتَوَكَّأُ" يجوز أن يكون خبراً ثانياً لـ "هِيَ" ويجوز أنْ يكونَ حالاً إمَّا مِنْ "عَصَايَ" وإمَّا مِنْ "الياء" وفيه بُعدٌ، لأن مجيء الحال من المضاف إليه قليل، وله مع ذلك شروط ليس فيه شيء منها هنا.
ويجوز أن تكونَ مستأنفة. وجوَّز أبو البقاء نقلاً عن غيره: أن يكون "عَصَايَ" منصوبة بفعل مقدر، و "أَتَوكَّأُ" هو الخبر. ولا ينبغي أن يقال ذلك.
والتَّوكّؤُ: التحامُلُ على الشيء، وهو بمعنى الاتِّكاء، وقد تقدم تفسيره في يوسف فهما من مادة واحدة، وذكر هنا، لاختلاف وزنيهما.
والهَشُّ بالمعجمة: الخَبْطُ، يقال: هَشَشْتُ الوَرَقَ أَهُشُّهُ أي: خبطته ليسقط، والمعنى: أَخْبِطُ بِهَا وَأَضْرِبُ أغصانَ الشجر ليسقط ورقُهَا على غنمي لتأكله وأما هَشَّ يَهِشُّ - بكسر العين في المضارع - فبمعنى البشاشة وقد قرأ النخعي بذلك، فقيل: هو بمعنى: أَهُشُّ - بالضم - والمفعول محذوف في القراءتين أي: أَهُشُّ الورقَ أو الشجرَ وقيل: هو في هذه القراءة من هَشَّ هشاشَةً إذا مال. وقرأ الحسن وعكرمة: "وأَهُسُّ" بضم الهاء والسين المهملة وهو السَّوْقُ، ومنه الهَسُّ (والهَسَّاسُ) وعلى هذا فكان ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضمِّن معنى ما يتعدى بعلى وهو أقوم (وَأَهْوَنُ).
ونقل ابن خالوية عن النخعي أنه قرأ "وأُهِسُّ" بضم الهمزة وكسر الهاء من (أَهَسَّ) رباعياً بالمهملة. ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة، فيكون عنه قراءتان ونقل صاحب اللوائح عن مجاهد وعكرمة "وأهُشُ" بضم الهاء وتخفيف الشين، قال ولا أعرف لها وجهاً إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي الشين فخفف، وهي بمعنى قراءة العامة.
وقرأ بعضهم: "غَنْمِي" (بسكون النون)، وقرىء "عَلَيَّ" بتشديد الياء والمَآرِبُ: جمع مَأْرُبَة، وهي الحاجة وكذلك الإرْبَة أيضاً. وفي (راء) المَأرُبَة الحركات الثلاث.
وإنما قاال: "مَآرِب" في معنى جماعة، فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى، ولم يقل أخر لرؤوس الآي (و"أُخْرَى") كقوله: "الأسْمَاءُ الحُسْنَى" وقد تقدَّم قريباً.
قال أبو البقاء: ولو قال: أخر لكان على اللفظ. يعني أُخَر كقوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر} [البقرة:184،185] بضم الهمزة وفتح الخاء واللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازي عن شيبة والزهري: مَارِبُ قال: بغير همز كذا أطلق والمراد بغير همز محقق بل مسهل بَيْنَ بَيْن وإلا فالحذف بالكلية شاذ.
فصل
قيل: كما قال: "هِيَ عَصَايَ" فقد تم الجواب إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر، لأنه كان يحب المكالمة مع ربه تعالى، فجعل ذلك كوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض.
"أَتَوكَّأُ عَلَيْهَا" التوَكُّؤُ والاتِّكَاءُ واحد كالتوقي والاتقاء، أي أعتمد عليها إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع {وأهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} أي: أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على الغنم (فتأكله).
{وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} أي حوائج ومنافع، وإنما أجمل في المآرب رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب، فيسمع كلام الله مرة أخرى، ويطول أمر المكالمة بسبب (ذلك).
قال وهب: كانت ذات شعبتين (ومحجن، فإذا طلبَ ثمرَ الشجرة جناه بالمحجن، فإذا حاول كسره لواه بالشعبتين). فإذا سارَ وضعهَا على عاتقه يعلق عليها أداته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها وألقى عليها كساء فكان ظلاً.
وقيل: كانَ فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطولُ طولَ البئر، وتصير شعبتاها دلواً، ويصيران شمعتين في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت يابسة ويركزها فينبع الماء، وإذا رفعها نضب، وكان تقيه الهوام قال مقاتل: كان اسمها نبعة.
وروي عن ابن عبَّاس: أنها كانت تماشيه وتحدثه.
قال الله تعالى: {أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ} أي انبذها.
قال وهب ظن موسى أنه يقول أرفُضْهَا "فَأَلْقَاهَا" على وجه الأرض ثم نظر إليها {فَإِذَا هِيَ حَيَّة تَسْعَىٰ} صفراء أعظم ما تكون من الحيات تمشي بسرعة لها عرف كعرف الفرَس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، صارت شعبتاها شدقين لها والمِحجن عنقاً يهتز، وعيناها متقدان كالنار، وتمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها، وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها (صريف عظيم).
وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كُنْ فيكون.
فصل
والحكمة في قلب العصا حيَّةً في ذلك الوقت من وجوه:
أحدها: لتكون معجزةً لموسى - عليه السلام - يعرف بها نبوة نفسه، لأنه عليه السلام - إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء. والنداء وإن كان مخالفاً للعادات إلا أنه لم يكن معجزاً، لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن، فقلب العصا حيَّةً ليكون دليلاً قاهِراً على الممعجزة.
الثاني: أنه تعالى عرضهَا عليه ليشاهدها أولاً، فإذا شاهدها عند فرعون لا يخافها.
وثالثها: أنه كان راعياً فقيراً ثم نُصِّب للمنِصبِ العظيم فلعله بقي يتعجب من ذلك، فقلب العصا حيَّة تنبيًّا على أني لما قدرت على ذلك، فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين.
فإنْ قيل: كيف قال ههنا "حَيَّة" وفي موضع آخر "جَان" وهو الحية الخفية الصغيرة، وقال في موضع "ثُعْبَانٌ" وهو أكبر ما يكون من الحيات؟
فالجواب: أن الحيَّة اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما الجَانُّ فقيل: عبارة عن ابتداء حالها فإنها كانت حيَّةً على قدر العصا ثم تورمت وتزايدت وانتفخت حتى صارت ثعباناً.
وقيل: كانت في عظم الثعبان وسرعة الجانِّ لقوله تعالى:
{ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ } [النمل: 10، القصص: 31].
(و "تَسْعَى") يجوز أن تكون خبراً ثانياً عند من يجوز ذلك ويجوز أن تكون صفة لـ "حَيَّةً" فلما عاين موسى ذلك "وَلَّى مُدْبِراً"، وهرب ثم ذكر ربه فوقف استحياءً فنودي: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَها} (وهيئتها) "الأُولَى" أي نردها عصا كما كانت. قوله: "سِيرَتَهَا" في نصبها أوجه:
أحدها: أن تكون منصوبةً على الظرف، أي في سيرتها أي: طريقتها.
الثاني: أن تكونَ منصوبة على البدل من "ها"سَنُعِيدُهَا" بدل اشتمال لأن السيرة الصفة، أي سنعيدها صفتها وشكلها.
الثالث: أنها منصوبةٌ على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها.
قال الزمخشري: ويجوز أن يكون مفعولاً من عَادَ أي عادَ إليه، فيتعدى لمفعولين، ومنه بيت زهير:

3652- وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيهَا عَدَاءُ

وهذا هو (معنى قول من قال: إنه على إسقاط (إلى) و) كان قد جوَّز أن يكون ظرفاً كما تقدَّم، إلا أن أبا حيَّان ردَّه بأنّه ظرف مختص فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة (في) إلا فيما (شذ. والسيرَةُ) فِعْلَة تدل على الهيئة من السَّيْر كالركبة من الركُوب، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة، قال خالد الهذلي:

3653- فَلاَ تَغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍِ أَنْتَ سِرْتَهَا فَأَوَّلُ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا

وجوَّز أيضاً أن ينتصب بفعل مضمر، أي: يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملة المقدرة في محل نصب على الحال؛ أي: سَنعيدُها سائرةً سيرتَهَا.
فإن قيل: لمَّا نوديَ يا مُوسى، وخصَّ بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلماذا خاف؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه - عليه السلام - ما شاهد مثل ذلك قط، وهذا معلوم بدلائل العقول. قال أبو القاسم الأنصاري: وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة.
وثانيها: خاف لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها.
وثالثها: أن مجرد قوله "وَلاَ تَخَفْ" لا يدل على حصول الخوف كقوله:
{ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ } [الأحزاب: 1، 48] لا يدل على وجود تلك الطاعة، لكن قوله: { فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً } [النمل: 10، القصص: 31] يدل عليه.
فصل
قال المفسرون: كانَ علَى موسى مَدْرَعة من صوف قد خللها بعيدان. فلما قال له: "خُذْهَا" لف طرف المَدْرَعةِ على يده، فأمره الله أن يكشف يده، فكشف. وقيل: إن مَلَكاً قال: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدْرعة تغني عنك شيئاً؟ فقال: لا ولكني ضعيف، ومِنْ ضَعْفٍ خُلِقَتُ، فكشف يده، ثم وضعَها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي يضعها إذا تَوَكَّأَ. واعلم إن إدخاله يده في فم الحية من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر، وانقلاب العصا حيَّة معجز آخر، ففيها توالي معجزات مع المآرب التي تقدمت.