التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ
٤٣
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
٤٤
-النور

اللباب في علوم الكتاب

وهذه الرؤية بصرية. والإزْجَاءُ: السوق قليلاً قليلاً، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد، وإزجاء السير في الإبل: الرفق بها حتى تسير شيئاً شيئاً.
قوله: "بَيْنَهُ" إنما دخلت "بَيْنَ" على مفرد، وهي إنَّما تدخل على مثنى فما فوقه، لأنَّه إما أن يُرَاد بالسحاب: الجنس، فعاد الضمير عليه على حكمه، وإما أن يراد حذف مضافه أي: بَيْنَ قطعِهِ، فإن كل قطعة سحابة. قال ابن عطية: بين مُفترق السحاب، لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه فروجاً. وورش عن نافع لا يهمز "يُؤَلِّفُ". وقالون عن نافع والباقون يهمزون "يُؤَلِّفُ".
قوله: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي: متراكماً يركب بعضها على البعض ويتكاثف، والعرب تقول: إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً بالريح عصر بعضه بعضاً فخرج الودق منه، ومن ذلك قوله تعالى:
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً } [النبأ: 14]، ومن ذلك قول حسان بن ثابت:

3839- كِلْتَاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فَعَاطِنِي بِزُجَاجَة أرْخَاهُمَا لِلمَفْصَلِ

وروي: "لِلْمِفْصَلِ" بكسر الميم وفتح الصاد. فالمَفْصَلُ: واحد المفاصل. والمِفْصَل: اللسان. وروي بالقاف. أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت، أي: من عصير العنب، وهذه من عصير السحاب، نقله ابن عطية. وقال أهل الطبائع: إن تكوين السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار، وفي الأقل من تكاثف الهواء.
أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلاً وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وإن كان البخار كثيراً ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلله فتلك الأبخرة المتصاعدة إمّا أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ.
فإن بلغت فإما أن يكون البرد قوياً أو لا يكون. فإن لم يكن البرد هنا قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر، فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم. وإن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الإجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كبار أو بعد صيرورتها كذلك. فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجاً. وإن كان على الوجه الثاني نزل برداً فإن لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فإما أن تكون كثيرة أو قليلة. فإن كانت كثيرة فقد تنعقد سحاباً ماطراً، وقد لا تنعقد. أما الأول فلأسباب خمسة:
أحدها: إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة.
وثانيها: أن تكون الرياح (ضاغطة) إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح.
وثالثها: أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتعود الأبخرة حينئذ.
ورابعها: أن يعرض للبخار المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته يلتص به سائر الأجزاء الكثيرة المدد.
وخامسها: لشدة برد الهواء القريب من الأرض، وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وَهْدَة، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة، والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون، والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس.
فإن كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة، فإذا مر بها برد الليل وكثفها، فإنها تصير ماءً محبوساً ينزل أولاً متفرقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلاًّ، وإن جمد كان صقيعاً، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر.
والجواب (أنَّا دللنا على) حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام، فلا نقطع بما ذكرتموه (لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه) وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر، ثم إنها متماثلة، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع، فتلك الطبائع في هذه الأحوال لا بد لها من سبب، وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يُزْجي سحاباً، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم تلك الأبخرة ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض، فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاماً، فعلى جميع التقديرات توجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة.
قوله: {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}. تقدم الخلاف في "خِلاَلِ" هل هو مفرد كحجاب أم جمع كجِبَال جمع "جبل"؟ ويؤيد الأول قراءة ابن مسعود والضحاك - وتُرْوَى عن أبي عمرو أيضاً - "مِنْ خَلَلِهِ" بالإفراد وقرأ عاصم والأعرج: "يُنَزِّل" على المبالغة.
والجمهور على التخفيف. والوَدْق: قيل: هو المطر ضعيفاً كان أو شديداً، قال:

3840- فَلاَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا

وقيل: هو البرق، وأنشد:

3841- أَثَرْنَ عَجَاجَةً وَخَرَجْنَ مِنْهَا خُرُوجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ

والوَدْقُ في الأصل مصدر، يقال: "وَدَقَ السحاب يَدِقُ وَدْقاً" و"يخرُج" حال، لأن الرؤية بصرية.
قوله: {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ}. "مِنْ" الأولى لابتداء الغاية اتفاقاً، لأن ابتداء الإنزال من السماء. وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها لابتداء الغاية أيضاً فهي ومجرورها بدلٌ من الأولى بإعادة العامل، والتقدير: ويُنَزِّلُ من جبال السماء، أي: من جبال فيها، فهو بدل اشتمال.
الثاني: أنها للتبعيض، قاله الزمخشري وابن عطية، لأن جنس تلك الجبال من جنس البرد، فعلى هذا هي ومجرورها في موضع مفعول الإنزال، كأنه قال: وينزل بعض جبال.
الثالث: أنها زائدة، أي: ينزل من السماء جبالاً.
وقال الحوفي: (من جبال) بدل من الأولى، ثم قال: "وهي للتبعيض".
ورده أبو حيان بأنه لا تستقيم البدلية إلا بتوافقهما معنى، لو قلت: خرجت من بغداد من الكَرْخ، لم تكن الأولى والثانية إلا لابتداء الغاية.
وأما الثالثة ففيها أربعة أوجه:
الثلاثة المتقدمة، والرابع: أنها لبيان الجنس، قاله الحوفي والزمخشري. فيكون التقدير على قولهما ويُنَزِّل من السماء بعض جبال التي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ، لأنَّ بعض البَرَدِ بَرَدٌ، ومفعول "يُنَزِّلُ": هو مِنْ جِبَالٍ كما تقدم تقريره.
وقال الزمخشري: "أَو الأولَيَان للابتداء، والثالثة للتبعيض" يعني: أنَّ الثانية بدلٌ من الأولى كما تقدم تقريره، وحينئذ يكون مفعول "يُنَزِّلُ" هو الثالثة مع مجرورها، التقدير: ويُنَزِّلُ بعض بردٍ من السماء من جِبَالِها. وإذا قيل بأن الثانية والثالثة زائدتان، فهل مجرورهما في محل نصب والثاني بدلٌ من الأول، والتقدير: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالاً برداً، فيكون بدل كل من كل أو بعض من كل، أو الثاني في محل نصب مفعولاً لـ "يُنَزِّل"، والثالث في محل رفع على الابتداء وخبره الجار قبله؟ خلافٌ، الأول قول الأخفش، والثاني قول الفراء، وتكون الجملة على قول الفراء صفة لـ "جِبَال"، فيحكم على موضعها بالجر اعتباراً باللفظ، أو بالنصب اعتباراً بالمحل. ويجوز أن يكون "فِيهَا" وحده هو الوَصْفُ، ويكون "مِنْ بَرَدٍ" فاعلاً به لاعتماده، أي استقر فيها بردٌ. وقال الزجاج: "معناه: ويُنَزِّلُ من السماءِ من جبالٍ بَرَدٍ فيها، كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي: خاتم حديد في يدي، وإنما جِئْتَ في هذا وفي الآية بـ "مِنْ" لما فَرَّقْتَ، ولأنك إذا قلت: هذا خاتمٌ من حديدٍ، وخاتم حديدٍ، كان المعنى واحداً" انتهى.
فيكون "مِنْ بَرَدِ" في موضع جرٍّ صفة لـ "جِبَالٍ" كما كان "مِنْ حَدِيدٍ" صفة لـ "خَاتم"، ويكون مفعول: "يُنَزِّلُ": "مِنْ جِبَالٍ"، ويلزم من كون الجبال بَرَداً أن يكون المُنَزَّلُ بَرَداً.
وقال أبو البقاء: والوجه الثاني: أن التقدير: شيئاً من جبال، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة. وهذا الوجه هو الصحيح، لأن قوله: {فِيهَا مِن بَرَدٍ} يُحوجك إلى مفعول يعود الضمير إليه، فيكون تقديره: ويُنَزِّلُ مِنْ جِبَال السماء جبالاً فيها بَرَدٌ، وفي ذلك زيادة حَذْفٍ وتقدير مستغنًى عنه. وفي كلامه نَظَرٌ، لأن الضمير له شيءٌ يعود عليه وهو "السَّمَاء"، فلا حاجة إلى تقدير شيء آخر، لأنه مستغنى عنه، وليس ثَمَّ مانعٌ يمنع من عوده على "السَّمَاء".
وقوله آخراً: وتقدير يستغنى عنه ينافي قوله: وهذا الوجه هو الصحيح. والضمير في "به" يجوز أن يعود على البَرَدِ وهو الظاهر، ويجوز أن يعود على الوَدْق والبَرَد معاً جرياً بالضمير مُجْرَى اسم الإشارة، كأنه قيل: فيصيب بذلك، وقد تقدم نظيره.
فصل
قال ابن عباس: أخبر الله أن في السماء جبالاً من برد، ثم ينزل منها ما شاء وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: المراد بالسماء هو الغيم المرتفع، سمي بذلك لسموه وارتفاعه، وأنه تعالى أنزل من الغيم الذي هو سماء البرد. وأراد بقوله: "مِنْ جِبَالٍ": السحاب العظام، لأنها إذا عظمت شبهت بالجبال كما يقال: فلان يملك جبالاً من مال، ووصف بذلك توسعاً.
وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله في السحاب، ثم أنزل إلى الأرض. وقال بعضهم: إنما سمي ذلك الغيم جبالاً لأنه سبحانه خلقها من البرد، وكل جسم متحجر فهو من الجبال، ومنه قوله تعالى:
{ خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ } [الشعراء: 184]. قال المفسرون: والأول أولى، لأنَّ السماء اسم لهذا الجسم المخصوص، فتسمية السحاب سماء بالاشتقاق مجاز، وكما يصح أن يجعل الماء في السحاب ثم ينزله برداً، فقد يصح في القدرة جعل هذين الأمرين في السماء، فلا وجه لترك الظاهر.
قوله: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} أي: بالبرد من يشاء فيهلك زرعه وأمواله {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} أي: يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقطه عليه.
قوله: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ}. العامة على قصر "سَنَا" وهو الضوء، وهو من ذوات الواو، يقال: سَنَا يَسْنُو سَناً، أي أضاء يُضِيء، قال امرؤ القيس:

3842- يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحُ رَاهِبِ

والسناءُ - بالمد -: الرفعة، قال:

3843- (وسِنٍّ كسُنَّيْقٍ سَنَاءً وسُنَّما)

وقرأ ابن وثاب: "سَنَاءُ بُرَقِهِ" بالمد، وبضم الباء من "بَرْقِهِ" وفتح الراء وروي عنه ضم الراء أيضاً. فأما قراءة المد فإنه شبه المحسوس من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان. فأما "بُرَقِهِ" فجمع "بُرْقَةٍ"، وهي المقدار من البرق، كـ "غُرْفَة وغُرَف"، و"لُقْمَة ولُقَم". وأما ضم الراء فإتباع، كـ "ظُلُمَات" بضم اللام إتباعاً لضم الظاء، وإن كان أصلها السكون. وقرأ العامة أيضاً "يَذْهَبُ" بفتح الياء والهاء.
وأبو جعفر بضم الياء وكسر الهاء من "أَذْهَبَ".
وقد خَطَّأ هذه القراءة الأخفش وأبو حاتم، قالا: "لأنَّ الباءَ تُعَاقِبُ الهمزة".
وليس ردُّهما بصوابٍ، لأنَّها تَتَخرّجُ على ما خُرِّجَ ما قُرِئَ به في المتواتر: "تُنْبِتُ بالدُّهْنِ" من أنَّ الباء مزيدةٌ، أو أنَّ المفعول محذوف والباء بمعنى "مِنْ" تقديره: يَذهب النور من الأبصار، كقوله:

3844- شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ

فصل
المعنى: يكاد ضوء برق السحاب يذهب بالأبصار من شدة ضوئه. واعلم أنّ البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة، والنار ضد الماء والبرد، فظهوره يقتضي ظهور الضد من الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم، ثم قال: {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} يصرفهما في اختلافهما، ويعاقبهما: يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل قال عليه السلام:
"قال الله تعالى: يُؤْذيني ابن آدم، يَسُبُّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ" . وقيل: المراد ولوج أحدهما في الآخر.
وقيل: المراد تغير أحوالهما في الحر والبرد وغيرهما. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي: إن في الذي ذكرت من هذه الأشياء {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} البصائر، أي: دلالة لأهل العقول على قدرة الله وتوحيده.