التفاسير

< >
عرض

طسۤمۤ
١
تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ
٢
نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٣
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ
٤
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ
٥
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ
٦
-القصص

اللباب في علوم الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: "نَتْلُوا عَلَيْكَ" يجوز أن يكون مفعول "نَتْلُو" محذوفاً دَلَّت عليه صفته وهي: {مِنْ نَّبَإِ مُوسَىٰ} (تقديره: نَتْلُو عَلَيْكَ شَيْئاً مِنْ نَبَأ مُوسَى، ويجوز أن تكونَ "مِنْ" مزيدة على رأي الأخفش أي: نتلو عليك نبأ موسى).
قوله: "بِالحَقِّ" يجوز أن يكون حالاً من فاعل "نَتْلُو"، أو من مفعوله، أي نَتْلُو عَلَيْكَ بَعْضَ خبرهما مُتلبسين أو مُتَلبساً بالحق أو متعلقاً بنفس "نَتْلُو" بمعنى: نَتْلُوه بسبب الحق و "لِقَوْم" متعلق بفعل التلاوة أي: لأجل هؤلاء: و "يُؤْمِنُونَ" يصدقون، وخَصَّهُمْ بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا.
قوله: "إِنَّ فِرْعْونَ" هذا هو المتلُوّ جيء به في جملة مستأنفة مؤكدة.
وقرىء "فِرْعَونَ" بضم الفاء وكسرها، والكسر أحسن وهو الفسطاط، {عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} استكبر وتجبَّر {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} فرقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، يتبعونه على ما يريد ويطيعونه.
قوله: يَسْتَضْعِفُ يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مستأنفٌ بيان لحال الأهل الذين جعلهم فرقاً وأصنافاً.
الثاني: أنه حال من فاعل "جَعَلَ" أي: جعلهم كذا حال كونه مستضعفاً طائفة منهم.
الثالث: أنه صفة لـ "طَائِفَةٍ".
قوله: "يُذْبِّحُ" يجوز فيه الثلاثة الأوجه: الاستئناف تفسيراً لـ "يَسْتَضْعِف". أو الحال من فاعله أو صفة ثانية لـ "طَائِفَة". والعامة على التشديد في "يُذَبِّح" للتكثير. وأبو حيوة وابن محيصن "يَذْبَح" مفتوح الياء والباء مضارع "ذَبَحَ" مخففاً.
فصل
المراد بالطائفة بنو إسرائيل، ثم فسَّرَ الاستضعاف فقال: {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}، سمَّى هذا استضعافاً؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} ذكروا في سبب ذبح الأبناء وجوهاً:
قيل: إنَّ كاهناً قال له يُولَدُ مَوْلُود في بني إسرائيل في ليلة كذا (يذهب ملكك) على يده، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً، فقتلهم وبقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة. قال وهب: قتل القبط في طلب موسى تسعين ألفاً من بني إسرائيل. وقال السدي: إنَّ فرعون رأى في منامه أنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت القبط دون بني إسرائيل. فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد من بني إسرائيل رجل يكون هلاك مصر على يده، فأمر بقتل الذكور، وقيل: إن الإنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه فسمع فرعون بذلك فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل.
قوله: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ} فيه وجهان:
أظهرهما: أنه عطفٌ على قوله: "إِنَّ فِرْعَوْنَ" عطفُ عليه على اسمية، لأن كلتيهما تفسير للنبأ.
الثاني: أنه حالٌ من فاعل "يَسْتَضْعِفُ" وفيه ضعف من حيث الصناعة ومن حيث المعنى، أما الصناعة فلكونه (مضارعاً) مثبتاً فحقه أن يتجرد من الواو وإضمار مبتدأ قبله، أي: ونحن نريك، كقوله:

3974 - نَجَوْتُ وأَرْهَنهم مَالِكا

وهذا تكلُّفٌ لا حاجة إليه. وأما المعنى فكيف يجتمع استضعاف فرعون، وإرادة المنّة من الله، لأنه متى مَنَّ اللَّهُ عليهم تعذَّر استضعاف فرعون إياهم.
وقد أجيب عن ذلك بأنه لما كانت المِنَّةُ بخلاصهم من فرعون سريعة الوقوع جعل إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.
قوله: "وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً" قال مجاهد: دعاة إلى الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكاً كقوله تعالى: "وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً"، وقيل: يهتدى بهم في الخير، "وَنَجْعَلَهُمْ الوَارِثِينَ" يعني لملك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم.
قوله: "وَنُمَكِّنَ" العامة على ذلك من غير لام علَّة، والأعمش: وَلِنُمَكَّنَ" بلام العلة ومتعلقها محذوف، أي: ولنمكن فعلنا ذلك، والمعنى: نوطىء لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، وننفذ أمرهم ونطلق أيديهم، يقال: مكَّن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه وأوطأه ومهده.
قوله: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} قرأ الأخوان: "وَيَرَى" بفتح الياء والراء مضارع (رأى) مسنداً إلى "فِرْعَوْنَ" وما عطف عليه فلذلك رفعوا، والباقون بضم النون وكسر الراء مضارع (أَرَى)، فلذلك نصب "فِرْعَونَ" وما عطف عليه مفعولاً أول، "وَمَا كَانُوا" هو الثاني. و "مِنْهُم" متعلق بفعل الرُّؤية أو الإرادة، لا بــ "يَحْذَرُونَ" لأَنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله، ولا ضرورة بنا إلى أَنْ نقولَ اتسع فيه، والحذر هو التوقي من الضَّرر، والمعنى: وما كانوا خائفين منه.
قوله: "أَنْ أَرْضِعِيهِ" يجوز أن تكون المفسرة والمصدرية، وقرأ عمر بن عبد العزيز وعمر بن عبد الواحد بكسر النون على التقاء الساكنين، وكأنه حذف همزة القطع على غير قياس فالتقى ساكنان، فكسر أولهما.