التفاسير

< >
عرض

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٨٤
إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨٥
وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ
٨٦
وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٨٧
وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٨
-القصص

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَاَ}، لمَّا بيَّن أن الدار الآخرة ليست إلا للمتقين بيَّن بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}، والمعنى: أنهم يزادون على ثوابهم، وقوله: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وظاهره أنهم لا يزادون على ما يستحقون.
فقوله: {فَلاَ يُجْزَى ٱلَّذِينَ} من إقامة الظاهر مقام المضمر تشنيعاً عليهم، وقوله: {إِلاَّ مَا كَانُواْ} أي: إلاَّ مثل ما كانوا، قال الزمخشري: إنما كرر ذكر السيئات، لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، ويجزي بالحسنة بعشر أمثالها.
فإن قيل: قال تعالى:
{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [الإسراء: 7] كرر ذكر الإحسان واكتفى في ذكر الإساءة بمرة واحدة، (وفي هذه الآية كرر الإساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة) فما السبب؟
والجواب: أن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة فكانت المبالغة في النهي عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة، وأما الآية الأخرى فهي في شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى. فإن قيل: كيف لا تجزى السيئة إلا بمثلها مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد؟ فالجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه.
قوله: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} قال أبو علي: فرض عليك أحكامه وفرائضه "لَرَادُّكَ" بعد الموت "إلَى مَعَادٍ" وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال: مَعَادٍ وأي معاد، أي ليس لغيرك من البشر مثله، وقيل: المراد به مكة وترداده إليها يوم الفتح، ووجه تنكيره إياها كانت في ذلك اليوم معاداً لها شأن عظيم لاستيلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفرة، والسورة مكية، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة حين أوذي وهو في غلبة من أهلها أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً، وقال مقاتل:
"إنَّه صلى الله عليه وسلم خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما رجع إلى الطريق نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ فقال جبريل إنَّ الله يقول: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}" . يعني مكة ظاهراً عليهم قال المحققون: وهذا حد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع ما أخبر به فيكون معجزاً.
قوله: {مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} منصوب بمضمر، أي: يَعْلَمْ أو "أَعْلَم" إن جعلناها بمعنى عالم وأعملناها إعماله، ووجه تعلقه بما قبله أنَّ الله تعالى لما وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - الرد إلى معاد قال: قل للمشركين {رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ} يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة {وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يعنيهم وما يستحقونه من العذاب في معادهم.
قوله: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ} أي: يوحى إليك القرآن {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} قال الفراء هذا استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك فأعطاك القرآن وقيل: متصل. قال الزمخشري: هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة. فيكون استثناء من الأحوال ومن المفعول له، {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ} أي: معيناً لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
قوله: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} قرأ العامة بفتح الياء وضم الصاد، من: صدَّه يصُدُّه، وقرىء بضم الياء وكسر الصاد، من: أصده بمعنى صَدَّه، حكاها أبو زيد عن كلب. قال الشاعر:

4023 - أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُم صُدُودَ السَّوَاقِي عَنْ أُنُوف الحَوَائِمِ

وأصل "يَصُدُّنكَ"يَصُدُّونَنَّكَ"، ففعل فيه ما فعل في { لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ } [هود: 8]، والمعنى لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله يعني القرآن. {بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي: إلى دين ربك وإلى معرفته وتوحيده {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} قال ابن عباس: الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به: أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم ومثله: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} وهذا وإن كان واجباً على الكلِّ إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل (التعليم)، فإن قيل: الرسول كان معلوماً منه أنه لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة، فما فائدة ذلك النهي؟ فالجواب: أنَّ الخطاب وإن كان معه لكن المراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى: لا تعتمد على غير الله ولا تتخذ غيره وكيلاً في أمورك، فإن وثق بغير الله فكأنَّه لم يكمل طريقه في التوحيد، ثم بيَّن أنه لا إله إلاَّ هو أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلاَّ هو كقوله: { رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } [المزمل: 9] فلا يجوز اتخاذ إلهٍ سواه.
قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} من جعل شيئاً يطلق على الباري تعالى - وهو الصحيح - قال: هذا استثناء متصل، والمراد بالوجه الذات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة، ومن لم يطلق عليه جعله متصلاً أيضاً، وجعل الوجه ما عمل لأجله أو الجاه الذي بين الناس، أو يجعله منقطعاً أي: لكن هو تعالى لم يهلك.
فصل
استدلت المعتزلة على أن الجنة والنار غير مخلوقتين بأنَّ هذه الآية تقتضي فناء الكل، فلو كانتا مخلوقتين لكان هذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة
{ أُكُلُهَا دَآئِمٌ } [الرعد: 35]، والجواب: هذا معارض بقوله تعالى (في صفة الجنة) { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [آل عمران: 133] وفي صفة النار: { وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [البقرة: 24] ثم إما أن يحمل قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} على الأكثر كقوله: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ } [النمل: 24] أو يحمل على الفناء القليل كقوله: { أُكُلُهَا دَآئِمٌ } [الرعد: 35] على أن فناءها لما كان قليلاً بالنسبة إلى زمان بقائها لا جرم أطلق لفظ الدوام عليها.
قوله: "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" أي: في الآخرة، والعامة على بنائه للمفعول، وعيسى على بنائه للفاعل، روى الثعالبي في تفسيره عن أُبَيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"من قَرَأَ طسم القصص لم يبق في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنَّه كان مصدِّقًا أن كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاَّ وجهه له الحكم وإليه ترجعون" .