التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٩
-آل عمران

اللباب في علوم الكتاب

قرأ الكسائي بفتح الهمزة، والباقون بكسرها، فأما قراءة الجماعةِ فعلى الاستئناف، وهي مؤكِّدة للجملة الأولى.
قال الزمخشريُّ: "فإن قلتَ: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدته أن قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} توحيد، وقوله: "قائِماً بِالقِسْط" تعديلٌ، فإذا أردفه بقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} فقد آذَن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس في شيء من الدين عنده".
وأما قراءة الكسائي ففيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} - على قراءة الجمهورِ - في أن {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فيها وجهان:
أحدهما: أنه من بدل الشيء من الشيء، وذلك أن الدين - الذي هو الإسلام - يتضمن العدلَ، والتوحيد، وهو هو في المعنى.
والثاني: أنه بدل اشتمال؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيدِ والعدلِ.
والثاني من الأوْجُهِ السابقةِ: أن يكون "إنَّ الدِّينَ" بدلاً من قوله "بِالْقِسْطِ" ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعله بدلاً من لفظه، فيكون محل "إنَّ الدِّينَ" الجر.
والثاني: أن تجعلَه بدلاً من موضعه، فيكون محلها نصباً، وهذا - الثاني - لا حاجة إليه - وإن كان أبو البقاء ذَكَرَه.
وإنما صحَّ البدلُ في المعنى؛ لأن الدين - الذي هو الإسلامُ - قِسْط وعَدْل، فيكون - أيضاً - من بدل الشيء من الشيء - وهما لعينٍ واحدة -.
ويجوز أن يكون بدل اشتمال؛ لأن الدين مشتمل على القسط - وهو العدل - وهذه التخاريج لأبي علي الفارسي، وتبعه الزمخشريُّ في بعضها.
قال أبو حيّان: "وهو - أبو علي - معتزليّ، فلذلك يشتمل كلامُه على لفظ المعتزلة من التوحيد والعدل، وعلى البدل من أنه خرجه هو وغيره، وليس بجيد؛ لأنه يؤدي إلى تركيب بعيد أن يأتي في كلام العرب وهو: عَرَفَ زَيْدٌ أنَّهُ لاَ شُجَاعَ إلاَّ هُوَ وَبَنُو تَمِيمٍ وَبَنُو دَارِمٍ مُلاَقِياً لِلْحُرُوبِ، لاَ شُجَاعَ إلاَّ هُوَ الْبَطَلُ الْحَامِي، إنَّ الخصلةَ الحميدةَ هي البسالةُ، وتقريب هذا المثال: ضرب زيدٌ عائشة، والعُمرانِ حَنِقاً أختك، فحَنقاً، حال من "زيد" و "أختك" بدل من "عائشة" ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف - وهذا لا يجوز - والحال لغير المبدل منه - وهو لا يجوز -؛ لأنه فصل بأجنبي بين البدل والمبدل منه".
قوله عرف زيد هو نظير "شَهِدَ اللهُ"، وقوله: أنه لا شجاع إلا هو نظير {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وقوله: وبنو دارم نظير قوله: "وَالْمَلاَئِكَةُ" وقوله: ملاقياً للحروب نظير قوله: "قَائِماً بِالْقِسْطِ" وقوله: لا شجاع إلا هو نظير قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فجاء به مكرَّراً - كما في الآية - وقوله: البطل الحامي نظير قوله "الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" وقوله: إن الخصلةَ الحميدةَ هي البسالةُ نظير قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}.
قال شهابُ الدين: "ولا يظهر لي منعُ ذلك ولا عدمُ صحةِ تركيبهِ، حتى يقول: ليس بجيِّد، وبعيد أن يأتي عن العرب مثلُه، وما ادَّعاه بقوله - في المثال الثاني -: إن فيه الفصل بأجنبيٍّ فيه نظر؛ إذْ هذه الجمل صارت كلُّها كالجملةِ الواحدةِ؛ لما اشتملت عليه من تقويةِ كلمات بعضها ببعض، وأبو علي وأبو القاسم وغيرُهما لم يكونوا في محل مَنْ يَجْهَل صحةَ تركيبِ بعضِ الكلام وفساده".
ثم قال أبو حيّان: "قال الزمخشريُّ: وقُرِئَتَا مفتوحتَيْن على أن الثاني بدل من الأول، كأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، والمبدَل هو المبدَل منه في المعنى، فكان بياناً صريحاً؛ لأن دينَ الإسلام هو التوحيد والعدل" فقال: فَهَذَا نَقْل كَلاَمِ أبي عَلِيٍّ دُونَ استيفاء.
الثالث - من الأوجه -: أن يكون "إنَّ الدِّينَ" معطوفاً على {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} حذف منه حرف العطف، قاله ابن جرير، وضعفه ابن عطية، ولم يُبَيِّن وَجْهَ ضَعْفه.
قال أبو حيان: "ووجه ضَعْفِه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف، فيفصل بين المتعاطفَين المرفوعين بالمنصوب المفعول، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية وبجملتي الاعتراض، وصار في التركيب دون مراعاة الفصل، نحو أكل زيدٌ خُبْزاً، وعَمْرو سَمَكاً، يعني فصلت بين زيد وعمرو بـ "خبزاً" وفصلت بين "خبزاً" و "سمكاً" بـ "عمرو"؛ إذ الأصل - قبل الفصل -أكل زيد وعمرو خبزاً وسمكاً".
الرابع: أن يكون معمولاً لقوله: {شَهِدَ ٱللَّهُ}، أي: شهد الله بأن الدين، فلما حذف حرف الجر جاز أن يحكم على موضعه بالنصب، أو الجر.
فإن قلت: إنما يتجه هذا التخريجُ على قراءة ابن عباس، وهي كسر "أنّ" الأولى، وتكون الجملة - حينئذ - اعتراضاً بين "شَهِدَ" وبين معموله كما تقدم، وأما على قراءة فتح "أن" الأولى - وهي قراءة العامة - فلا يتجه ما ذكرتَ من التخريج؛ لأن الأولى معمولة له، استغنى بها.
فالجوابُ: أن ذلك مُتَّجِهٌ - أيضاً - مع فتح الأولى، وهو أن يُجْعَل الأولى على حذف لام العلة تقديره: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام؛ لأنه لا إله إلا هو، وهذا التخريج ذكره الواحديُّ، وقال: "هذا معنى قول الفراء حيث يقول - في الاحتجاج للكسائي -: إن شئت جعلت "أنه" على الشرط، وجعلنا الشهادة واقعة على قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، ويكون "إنَّ" الأولى يصلح فيها الخفض، كثولك: شهد الله لوحدانية أن الدين عند الله الإسلام".
وهو كلام مُشْكِلٌ في نفسه، ومعنى قوله على الشرط، أي: العلة، سمَّى العلةَ شرطاً؛ لأن المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقف المعلول على علته، فهو علة، إلا أنه خلاف اصطلاح النحويين.
ثم اعترض الواحدي على هذا التخريج بأنه لو كان كذلك لم يَحْسُن إعادة اسم "الله"، ولكان التركيب: إن الدين عنده الإسلام؛ لأن الاسم قد سَبَق، فالوجه الكناية.
ثم أجاب بأن العربَ رُبَّما أعادت الاسم موضعَ الكناية، وأنشد: [الخفيف]

1372- لاَ أرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيءٌ نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالفقِيرَا

يعني أنه من باب إيقاع الظاهر موقع المضمر، ويزيده - هنا - حُسْناً أنه في موضع تعظيم وتفخيم.
الخامس: أن تكون على حذف حرف الجر معمولة للفظ "الْحَكِيم"، كأنه قيل: الحكيم بأن، أي: الحاكم بأن فـ "حَكِيم" مثال مبالغة، مُحَوَّل من فاعل، فهو كالعليم والخبير والبصير، أي: المبالغ في هذه الأوصاف، وإنما عَدَل عن لفظ "حاكم" إلى "حكيم" - مع زيادة المبالغة -؛ لموافقة "الْعَزِيز"، ومعنى المبالغة: تكرار حكمهِ - بالنسبة إلى الشرائع - أن الدينَ عند الله الإسلام؛ إذْ حَكَم في كلّ شريعة بذلك، قاله أبو حيّان، ثم قال: فإن قلتَ: لم حَمَلْتَ "الْحَكِيم" على أنه مُحوَّل من "فاعل" إلى فعيل؛ للمبالغة، وهَلاَّ جعلته "فَعِيلا"، بمعنى "مُفْعِل" فيكون معناه "الْمُحكِم" كما قالوا في "أليم": إنه بمعنى "مُؤْلِم" وفي "سميع" من قول الشاعر: [الوافر]

1373- أمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعي السَّمِيع ..........................

أي: المُسْمِع؟
فالجوابُ: أنا لا نسلم أن "فَعِيلا" يأتي بمعنى "مفعل"، وقد يؤول "أليم" و "سميع" على غير "مفعل"، ولئن سلمنا ذلك، فهو من الندور والشذوذ، بحيث لا يَنْقاس، [وأما] "فعيل" محوَّل من "فاعل"؛ للمبالغة فهو منقاس؛ كثير جداً، خارج عن الحصر، كعليم، وسميع، وقدير، وخبير، وحفيظ إلى ألفاظ لا تُحْصَى كَثْرَةً، وأيضاً فإن العربيَّ الْقُحَّ، الباقي على سجيته لم يفهم من "حكيم" إلا أنه محوَّل من "فاعل"؛ للمبالغة، ألا ترى أنه لما سمع قارئاً يقرأ
{ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ } [المائدة: 38] والله غفور رحيم أنكر أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فقيل له: التلاوة: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، فقال: هكذا يكون، عَزَّ فَحَكَم فقطع، ففَهِم من "حكيم" أنه محوَّل - للمبالغة - من "حاكم"، وفَهْم هذا العربيِّ حُجَّةٌ قاطعةٌ بما قلناه، وهذا تخريج سَهْل، سائغ جداً، يزيل تلك التكلفات والتركيبات التي يُنزّه كتابُ الله عنها، وأما على قراءة ابن عباس فكذلك نقول، ولا نجعل {إِنَّ الدِّينَ} معمولاً لِـ "شَهِدَ" - كما فهموا - وأن {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض - يعني بين الحال وصاحبها، وبين معموله - بل نقول: معمول "شَهِدَ" هو "إنَّهُ" - بالكسر - على تخريج من خرج أن "شَهِدَ" - لما كان بمعنى القول - كسر ما بعده؛ إجراءً له مُجْرَى القول.
أو نقول: إنه معموله، وعلقت، ولم تدخل اللام في الخبر؛ لأنه منفي، بخلاف ما لو كان مثبتاً فإنك تقول: شهدت إنَّ زيداً لَمُنْطَلِقٌ، فتعلق بـ "إنَّ" مع وجود اللام؛ لأنه لو لم تكن اللام لفتحت "إنَّ"، فقلت: شهدت أنَّ زَيْداً منطلقٌ، فمن قرأ بفتح "أنَّه"، فإنه لم يَنْو التعليقَ، ومن كسر فإنه نوى التعليق، ولم تدخل اللام في الخبر؛ لأنه منفي كما ذكرنا.
قال شهاب الدينِ: وكان الشيخ - لما ذكر الفصل والاعتراض بين كلمات هذه الآية - قال ما نصه: "وأما قراءة ابن عباس فتخرج على أن {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} هو معمول "شَهِدَ" ويكون في الكلام اعتراضان:
أحدهما: بين المعطوف عليه والمعطوف وهو {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}.
والثاني بين المعطوف والحال وبين المفعول لـِ "شَهِدَ", وهو {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وإذا أعربنا {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} خبرَ مبتدأ محذوفٍ كان ذلك ثلاثة اعتراضات، انظر هذه التوجيهات البعيدة، التي لا يقدر أحد على أن يأتي لها بنظيرٍ من كلام العربِ، وإنما حمل على ذلك العُجْمَةُ، وعدمُ الإمعان في تراكيب كلام العربِ، وحِفْظِ أشعارِها".
قال شهاب الدينِ: "ونسبة كلامِ أعلام الأئمة إلى العجمة، وعدم معرفتهم بكلام العرب، وحملهم كلام الله على ما لا يجوز، وأن هذا - الذي ذكره - هو تخريج سهل واضح، غير مقبول ولا مُسَلَّم، بل المتبادر إلى الذهن ما نقله الناسُ، وتلك الاعتراضات بين أثناء تلك الآيةِ الكريمةِ موجودٌ نظيرُها في كلامِ العربِ، وكيف يجهل الفارسي والزمخشريُّ والفراءُ وأضرابهم ذلك؟ وكيف يَتَبَجَّحُ باطِّلاعه على ما لم يَطلع عليه مثلُ هؤلاء؟ وكيف يظن بالزمخشري أنه لا يعرفُ مواقعَ النظم، وهو المسلَّم له في علم المعاني والبيان والبديع، ولا يَشُك أحد أنه لا بد لمن يتعرض إلى علم التفسير أن يعرفَ جملةً صالحةً من هذه العلوم".
قوله: {عِنْدَ ٱللَّهِ} ظرف، العامل فيه لفظ "الدِّين"؛ لما تضمنه من معنى الفعل.
قال أبو البقاء: "ولا يكون حالاً؛ لأن "إنَّ" لا تعمل في الحال".
قال شهاب الدين: قد جوز في "ليت" وفي "كأن" أن تعمل في الحال".
قالوا: لما تضمنته هذه الأحرف من معنى التمني والتشبيه، فـ "إن" للتأكيد، فلْتَعْمَل في الحال - أيضاً - فليست تتباعد عن "الهاء" التي للتنبيه.
قيل: هي أولى منها، وذلك أنها عاملة، و "هاء" ليست بعاملة، فهي أقرب لشبه الفعل من هاء.
فصل
الدين - في أصل اللغة - عبارة عن الانقياد والطاعة والتسليم والمتابعة، قال تعالى:
{ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً } [النساء: 94]، أي: لمن صار منقاداً لكم، ومتابعاً، والإسلام هو الدخول في السلم، يقال: أسلم، أي: دخل في السلم، كقولهم: أشتى، وأقحط، وأصل السِّلم: السلامة، وقال ابن الأنباري: "المُسْلِم" معناه المخلص لله عبادته، من قولهم: سَلِم الشيء لفلان، أي: خَلصَ، فالإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى".
وأما في عرف الشرع فالإسلام هو الإيمان؛ لوجهين:
أحدهما: هذه الآية؛ لأن قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} يقتضي أن الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام، فلو كان الإيمانُ غيرَ الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولاً عند الله - وهو باطل -.
الثاني: قوله تعالى:
{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } [آل عمران: 85] فلو كان الإيمانُ غيرَ الإسلام لوجب أن لا يكون مقبولاً عند الله تعالى.
قال القرطبيُّ: الإسلام هو الإيمان، بمعنى التداخل، وهو أن يُطْلَق أحدهما ويُراد به مسماه في الأصل ومُسمَّى الآخر، كما في هذه الآية؛ إذ قد دخل فيهما التصديق والأعمال، ومنه قوله - عليه السلام -:
"الإيمانَ مَعْرِفةٌ بالْقَلْبِ، وقَوْلٌ باللِّسَان، وعَمَلٌ بالأرْكَانِ" أخرجه ابن ماجه.
فإن قيل: قوله تعالى:
{ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا } [الحجرات: 14] صريح في أن الإسلام غير الإيمان.
فالجواب: أن الإسلام عبارة عن انقياد - كما بينَّا في أصل اللغة - والمنافقون انقادوا في الظاهر من خوف السيف - فلا جرم - كان الإسلام حاصلاً في الظاهر، والإيمان - أيضاً - كان حاصلاً في حكم الظاهر؛ لأنه - تعالى - قال:
{ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } [البقرة: 221] والإيمان الذي يُبيح النكاحَ في الحكم - هو الإقرار الظاهر، فعلى هذا، الإسلام والإيمان تارةً يُعتبران في الظاهر دون الباطن، وتارة في الباطن والظاهر، فالأول هو النفاق، وهو المراد بقوله: "قَالَتِ الأعْرَابُ"؛ لأن باطن المنافق غير منقاد لدين الله تعالى، فكان تقدير الآية: لم تسلموا في القلب والباطن، ولكن قولوا: أسلمْنا في الظاهر.
فصل
قال قتادة - في قوله تعالى-: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، شهادة ألا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رُسُلَه وَدَلَّ عليه أولياءه، لا يقبلُ غيرَه، ولا يَجْزِي إلا به.
روى غالب القطان، قال: أتيتُ الكوفةَ في تجارة، فنزلتُ قريباً من الأعمش، فكنت أختلف إليه، فلما كنت ذاتَ ليلةٍ، أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام من الليل يتهجد، فمرَّ بهذه الآيةِ:
{ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } [آل عمران: 18] قال الأعمش: وأنا أشهدُ بما شَهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي - عند الله - وديعة، {إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} - قالها مراراً.
قلت: لقد سمع فيها شيئاً، فصليْت معه، وودعته، ثم قلت: إني سمعتُكَ تُرَدِّدُهَا، فما بلغك؟ قال: واللهِ لا أحَدثُكَ بها إلى سنةٍ، فكتَبْتُ على بابه ذلك اليومَ، وأقمتُ سنةً، فلمَّا مضت السنةُ، قلتُ: يا أبا محمد، قد مضت السنةُ، فقال: حَدَّثني من حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"يُجَاء بِصَاحِبهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللهُ تعالى: إنَّ لِعَبْدِي هذا - عندي - عهداً، وَأنا أحَقُّ مَنْ وَفَى بِالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ" .
قوله تعالى: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهِ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.
قال الكلبي: نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام، أي: وما اختلف الذين أوتوا الكتابَ في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان نعته في كتبهم.
وقال الربيع: إن موسى - عليه السلام - لما حضره الموتُ دعا سبعين رجلاً من أحبار بني إسرائيل، فاستَوْدَعَهم التوراة، واستخلف يُوشَعَ بن نون، فلما مضى القرنُ الأولُ, والثاني, والثالث, وقعت الفرقةُ بينهم, -وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين - حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشَّرُّ والاختلافُ، وذلك {مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} يعني بيان ما في التوراة، {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي: طلباً للملك والرياسة، فسلط الله عليهم الجبابرةَ.
قال محمدُ بنُ جفعر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران، معناها: {وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني الإنجيل في أمر عيسى، وفرَّقوا القول فيه: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} بأن الله واحد، وأن عيسى عبدُ الله ورسوله، {بَغْياً بَيْنَهُمْ}، أي: المعاداة والمخالفة.
وقيل: المراد اليهود والنصارى، واختلافهم هو قولُ اليهودِ: عُزَيْرٌ ابنُ الله، وقول النصارى: المسيح ابنُ الله، وأنكروا نبوة محمد، قالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش، لأنهم أميُّونَ، ونحن أهل الكتاب.
وقوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي: الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم؛ لأنا لو حملناهم على العلم لصاروا معاندين، والعناد على الجمع العظيم لا يصح. [وهذه الآية وردت في كل أهل الكتاب، وهو جمع عظيم.
وقال الأخفش: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب؛ بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم.
وقال ابن عمر وغيره: أخبر - تعالى - عن] اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علم منهم بالحقائقِ، وأنه كان بغياً وطلباً للدنيا.
وفي الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم.
قوله: "بَغْياً" فيه أوجه:
أحدها: أنه مفعول من أجله، العامل فيه "اخْتَلَفَ" والاستثناء مُفَرَّغ، والتقدير: وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيره، قاله الأخفش، ورجحه أبو علي.
الثاني: أنه مصدر في محل نصب على الحال من "الذين" كأنه قيل: ما اختلفوا إلا في هذه الحال، والاستثناء مُفَرَّغ أيضاً.
الثالث: أنه منصوب على المصدر، والعامل فيه مقدَّر، كأنه لما قيل: {وَمَا اخْتَلَفَ} دل على معنى: وما بغى، فهو مصدر، قاله الزّجّاجُ، ووقع بعد "إلا" مستثنيان، وهما: "مِنْ بَعْدِ" و "بَغْياً" وقد تقدم تخريج ذلك.
قال الأخفش: قوله: "بَغْياً" من صلة قوله: "اخْتَلَفُوا"، والمعنى: وما اختلفوا بغياً بينهم إنما اختلفوا للبغي.
قال القفّالُ: وهذا أجودُ من الأول؛ لأن الأولَ يُوهِمُ أنَّ اختلافَهم بسبب مجيء العلم، والثاني يفيد أن اختلافهم لأجل الحَسَدِ والبغي.
قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} "مَنْ" مبتدأ، وفي خبره الأقوال الثلاثة - أعني: فعل الشرط وحده، أو الجواب وحده، أو كلاهما - وعلى القول بكونه الجواب وحده لا بد من ضمير مقدَّر، أي: سريع الحساب له.
فصل
وهذا تهديد، وفيه وجهان:
الأول: المعنى: فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعاً، فيحاسبه، أي: يُجازيه على كُفْره.
الثاني: أن الله تعالى سيُعْلِمه بأعماله معاصيه وأنواع كفره، بإحصاء سريع، مع كَثْرَةِ الأعمال.