التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
١١
وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ
١٢
وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ
١٣
وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
١٤
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
١٥
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
١٦
-الروم

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء ولم يقل: "يُعِيدُهُمْ" رد على الخلق، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ فيجزيهم بأعمالهم، قرأ أبو بكر، وأبو عمرو "يَرْجِعُونَ" - بالياء - والآخرون بالتاء.
قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} قرأ العامة "يُبْلِسُ" ببنائه للفاعل وهو المعروف يقال: أَبْلَسَ الرجل أي انقطعت حجته فسكت وهو قاصر لا يتعدى، قال العجاج:

4036 - يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمـاً مُكْرَسَـا قَـالَ: نَعَــمْ أَعْرِفُــهُ وَأَبْلَسَــا

وقرأ السُّلَمِيُّ: "يُبْلَسُ" مبنيّاً للمفعول، وفيه بعدٌ، لأن أبْلَسَ يتعدى، وقد خُرِّجَتْ هذه القراءة على أن القائم مقام الفاعل مصدر الفعل، ثم حذف (المضافُ، وأقيم) المضاف إليه مُقَامَهُ، إذ الأصل يُبْلَسُ إبْلاَس المجرمين، و "يبلس" هو الناصب "ليَوْمَ تَقُومُ" و "يَوْمَئِذٍ" مضاف لجملة تقديرها يَوْمَئِذٍ يقوم وهذا كأنه تأكيد لفظي، إذ يصير التقدير يبلس المجرمون (يوم تقوم الساعة).
فصل
قال قتادةُ والكَلْبِيُّ: المعنى يبلس المشركون من كل خير؛ وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحججهم. وقال مجاهد: يفتضحون. ولم يكن لهم شركائهم أصنامهم التي عبدوها ليشفعوا لهم شفعاء، {وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} يتبرأون منها وتتبرأُ منهم.
قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} أي بين أهل الجنة من أهل النار، قال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبداً كما قال تعالى:
{ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } [الشورى: 7]. قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ} وهي البستان الذي في غاية النضارة، وقوله: "يُحْبَرُونَ" قال ابن عباس يكرمون. وقال قتادة ومجاهد: يُنَعمون، وقال مجاهد وأبو عبيدة: يسرون، والحَبْر والحُبُور السرور. وقيل الحَبْرة في اللغة كل نعمة حسنة والتَّحْبير التَّحْسِينُ يقال هو حسن الحِبرَ والسِّبر بكسر الحاء والسين وفتحهما وفي الحديث: "حَبْرْتُهُ لَكَ تَحْبِيراً" أي حسنت لك صوتي والقرآن تحسيناً، وجاء في الحديث "يَخْرُجُ من النَّارِ رَجُلٌ ذَهَبَ حَبْرُهُ وسَبْرُهُ" فالمفتوح مصدر والمكسور اسم، والروضة الجنة، قيل: ولا تكون روضة إلا وفيها نبت، وقيل: إلا وفيها ماء، وقيل: ما كانت منخفضة، والمرتفعة يقال لها: تُرعة، وقيل: لا يقال لها روضة إلا وهي في مكان غليظ مرتفع. قال الأعشى:

4037 - ما رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَـزْنِ مُعْشِبَـةً خَضْـرَاءَ جَـادَ عَلَيْهَـا مُسْبِـلٌ هَطِـلُ

وأصل رياضٍ رَواضٌ، فقلبت الواو ياء على حدِّ حَوْضٍ وحِيَاضٍ ونكر الروضة للتعظيم، وقال ههنا: "يُحْبَرُونَ" بصيغة الفعل ولم يقل "مَحْبُورُونَ" وقال في الأخرى "(مُحْضَرُونَ)" بصيغة الاسم ولم يقل "يُحْضَرُونَ" لأن الفعل يدل على التجديد، والاسم لا يدل عليه، فقوله "يحبرون" يعني كل ساعة يأتيهم ما يسرون به، وقوله "محضرون" أي الكفار في العذاب يبقون (فيه) مُحْضَرُونَ.