التفاسير

< >
عرض

إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ
٣٨
وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٣٩
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
٤٠
أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ
٤١
فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ
٤٢
فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
٤٣
عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ
٤٤
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ
٤٥
بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ
٤٦
لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
٤٧
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ
٤٨
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ
٤٩
-الصافات

اللباب في علوم الكتاب

قوله:{لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ} العامة على حذف النون والجر. وقرأ بعضهم بإثباتها والنصب هو الأصل. وقرأ أبان بن تَغْلِب - عن عاصم وأبو السَّمَّال في رواية - بحذف النون والنصب أَجْرَى النون مُجْرَى التنوين في حذفها لالتقاء الساكنين كقوله: { { أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } [الإخلاص:1-2] (و).

4192- وَلاَ ذَاكِر اللَّه إلاَّ قَلِيلاً

وقال أبو البقاء: قرىء شاذا بالنصب. وهو سهو من قارئه لأن اسم الفاعل يحذف منه النون وينصب إذا كان فيه الألف واللام، قال شهاب الدين: وليس بسهوٍ لما تقدم، وقرأ أبو السمال أيضاً لذائق بالإفراد والتنوين الْعَذَابَ نصباً. وتخريجه.
على حذف اسم جمع هذه صفته أي إنكم لفريقٌ أو لجمعٌ ذائقٌ ليتطابق الاسم والخبر في الجَمْعِيَّة. ثم كأنه قيل: فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده؟ فأجاب بقوله: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي "إلا جزاء ما كنتم تعملون".
قوله: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} استثناء منقطع أي لكن عباد الله المخلصين الموحدين، وقوله: "أُوْلَئِكَ لَهُمْ" بيان لحالهم، وقد تقدم في فتح اللام وكسرها من المُخْلَصِينَ قراءتان فمن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله. والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى. والرزق المعلوم قيل: بُكْرَةً وعَشِيًّا لقوله:
{ { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [مريم:62] فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غَدْوَةٍ أو عَشْوَة وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية. وقيل: ذلك الرزق معلوم الصفة أي مخصوصاً بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر. وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامة لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ينقطع وقيل: معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وقد (بين أنه) تعالى يعطيهم غير ذلك تَفَضُّلاً.
قوله: "فَوَاكِهُ" يجوز أن يكون بدلاً من "رزقٍ" وأن يكون خبر ابتداء مضمر أي ذلك الرزق فَوَاكِهُ، وفي الْفَوَاكِهِ قَوْلاَنِ:
أحدهما: أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحّة بالأقوات فإن أجسامهم محكومة ومخلوقة للأبد فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ.
والثاني: أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان المأكول للغذاء أولى بالحضور.
قوله: "وَهُم مُّكْرَمُونَ" قرأ العامة مُكْرَمُونَ خفيفة الراء. و (ابن) مِقْسِم بتشديدها. والمعنى وهم مُكَرَّمُونَ بثواب الله في جنات النعيم لما ذكر مأكولهم ذكر مسكنهم. وقوله "فِي جَنَّاتِ" يجوز أن يتعلق "بمُكْرَمُونَ" وأن يكون خيراً ثانياً وأن يكون حالاً.
قوله: "عَلَىٰ سُرُرٍ" العامة على ضم الراء. وأبو السَّمَّال بفتحها. وهي لغة بعض كَلْبٍ، وتميم يفتحون عين "فُعُلٍ" جمعاً إذا كان اسماً مضاعفاً. وأما الصفة نحو: ذُلُل ففيها خلاف. والصحيح أنه لا يجوز لأنَّ السماع ورد في الجوامد دون الصفات. و{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابلين} حال، ويجوز أن يتعلق "عَلَى سُرُر" بمتقابلين و "يُطَافُ" صفة "لمكرمون" أو حال من الضمير في: "متقابلين" أو من الضمير في أحد الجَارَّيْن إذا جعلناه حالاً.
ومعنى متقابلين لا يرى بعضُهم قَقَا بعض، ولما ذكر المأكل والمسكن ذكر بعده صفة المشرب فقال: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} والكأس من الزجاج ما دام فيها شراب وإلا فهو قَدَح. وقد يطلق الكأس على الخمر نفسها وهو مجاز سائغٌ وأنشد:

4193- وَكَأسٍ شَرِبْتُ عَلَى لذَّةٍ وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا

و "مِنْ مَعِينٍ" صفة "لكأسٍ". والمعين معناه الخَمر الجارية في الأنهار، أي ظاهرة تراها العيون وتقدم الكلام في مَعِين. وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخَمْر، وقوله: "مِنْ مَعِينٍ" أي من شراب مَعِينٍ أو من نَهْرٍ مَعِينٍ. المَعِينُ مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء، وسمي (مـ)ـعِيناً لظهوره، يقال: عَانَ الماءُ إذا ظهر جارياً، (قاله ثعلب) فهو مَفْعُول من العَيْن نحو: مَبِيع ومَكِيلٍ، وقيل: سمي معيناً لأنه يجري ظاهر العين كما تقدم. ويجوز أن يكون فعيلاً من المعين وهو الماء الشديد الجري، ومنه أمْعَنَ في الجَرْيِ إذا اشتد فيه.
قوله: "بَيْضَاءَ" صفة لكأس. وقال أبو حيان: صفة "لكاس" أو "للخمر"، قال شهاب الدين: لم يذكر الخمر اللهم إلا أن يعني بالمعين الخمر. وهو بعيد جداً. ويمكن أن يجاب بأن الكأس إنما، سميت كأساً إذا كان فيها الخمر.
وقرأ عبد الله: صَفْرَاءَ وهي مخالفة للسواد، إلا أنه جاء وصفها بهذا اللون وأنشد لبعض المولدين:

4194- صَفْرَاء لاَتَنْزِلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا لَوْ مَسَّهَا حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ

و"لذة" صفة أيضاً وصفت بالمصدر مبالغة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال: فُلاَنٌ جُودٌ وكَرَمٌ إذا أرادوا المبالغة.
وقال الزجاج: أو على حذف المضاف أي ذات لذَّة، أو على تأنيث "لَذٍّ" بمعنى لذيذ فيكون وصفاً على "فَعْلِ" كصَعْب يقال: لَذَّ الشَّيءُ يَلَذُّ لَذًّا فهو لَذَيدُ وَلَذٌّ وأنشد:

4195- بِحَدِيثَها اللَّذِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمَتْ أُسْدَ الْفَلاَةِ بِهِ أَتَيْنَ سِرَاعَا

وقال آخر:

4196- لَذٌّ كَطَعْم الصَّرخَدِيِّ تَرَكْتُهُ بأَرْضِ العِدَا مِنْ خَشْيَةِ الحَدَثَانِ

واللذيد كل شيء مستطابٌ. وأنشد:

4197- يَلذُّ لِطَعْمِهِ وَتَخَالُ فِيهِ إذَا نَبَّهْتَهَا بَعْدَ الْمَنَامِ

و"للشَّارِبينَ" صفة "لِلَذّةٍ". وقال اللَّيْث: اللَّذَّة واللَّذِيذَة يجريان مَجْرًى واحداً في النعت يقال: شَرَابٌ لَذِّ ولذيدٌ قال تعالى: {بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} وقال تعالى: { { مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } [محمد:15] وعلى هذا "لَذَّة" بمعنى لذيذ.
قوله: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} صفة أيضاً، وبطل عمل لا وتكررت لتقدم خبرها، وتقدم أول البقرة فائدة تقديم مثل هذا الخبر، والبحثُ مع أبي حيان فيه. قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غِيلَةٌ وغائلةٌ وغُول (وغَوْل) سواء، وقال عبيدة: الغَوْلُ أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس:

4198 - وَمَا زَالَتِ الْكَأسُ تَغْتَالُهُمْ وَتَذْهَبُ بالأَوَّل فَالأَوَّلِ

وقال الليث: الغول الصداع والمعنى لي فيها صداع كما في خمر الدنيا، وقال الواحدي: الغَوْل حقيقته الإهلاك، يقال: غَالَهُ غَوْلاً واغْتَالَهُ أهْلَكَهُ، والغَوْل والغَائلُ المهلك وسُمِّي (وَطْءُ) المرضع غَوْلاً لأنه يؤدي إلى الهلاك، والغول كلُّ ما اغتالك أي أهلَكك، ومنه الغُولُ بالضم شيء تَوَهَّمَتْهُ العرب ولها فيه أشعار كالعَنْقَاء يقال: غَالَنِي كذا ومنه الغِيلَة في العقل والرضاع قال:

4199- مَضَى أَوَّلُونَا نَاعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ جَمِعياً وَغَالتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ

فالغول اسم لجميع الأذى. وقال الكلبي: لا فيها إثمٌ، وقال قتادة: وَجَعُ البطن. وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق أمره في خفية، وخمر الدنيا يحصل فيها أنواع من الفساد منها السُّكْرُ وذَهَابُ العقل ووجع البطن والصُّدَاع والقيءُ والبَوْل ولا يوجد شيء من ذلك من خمر الجنّة.
قوله: {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزِفُونَ} قرأ الأخوان "ينزقون" هنا، وفي الواقعة، بضم الياء وكسر الزاي. وافقهما عاصمٌ على ما في الواقعة فقط. والباقون بضم الياء وفتح الزاي. وابن أبي إسحاق بالفتح والكسر. وطلحة بالفتح والضم فالقراءة الأولى من أَنْزَفَ الرَّجُلُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ من السكر فهو نَزِيفٌ وَمنزُوفٌ، وكان قياسه مُنِزْفٌ كمُكْرِمٍ، ونَزَفَ الرجلُ الخَمْرةَ فَأنْزَفَ هو ثُلاَثيُّهُ متعددٌ ورباعية بالهمزة قاصر وهو نحو: كَبَبْتُهُ فأَكَبَّ وقَشَعَت الريحُ السَّحابَ فَأَقْشَعَ أي دخلا في الكَبِّ والقَشْعِ وقال الأسود:

4200- لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُم أَوْ صَحَوْتُمُ لَبْئِسَ النَّدَامَى أَنْتُمْ آلَ أَبْجَرَا

ويقال: أنزف أيضاً أي نَفِذَ شَرَابُهُ. وأما الثانية فمن نزف أيضاً بالمعنى المتقدم وقيل هو من قولهم: نَزَفتِ الرَّكِيَّةُ أي نَزَحَتْ ماءها. والمعنى أنهم لا تذهب خمورهم بل هي باقية أبداً، وضمن يَنْزِفُونَ معنى يصدون عنها بسبب النَّزِيفِ.
وأما القراءتان الأخيرتان فيقال: نَزِف الرجلُ ونَزُفَ بالكسر والضم بمعنى ذهب عقله بالسّكر، ولما ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم فقال: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ}. "قاصرات الطرف" يجوز أن يكون من باب الصّفة المشبهة أي قاصراتٌ أطرافُهن كمُنْطَلِقُ اللّسانِ، وأن يكون من باب إطلاق اسم الفاعل على أصله. فعلى الأول المضاف إليه مرفوع المحل وعلى الثاني منصوبه أي قَصَرْنَ أطْرَافَهُنَّ على أزواجهن. وهو مدح عظيم قال امرؤ القيس:

4201- مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَو دَبّ مُحْوِلٌ مِنَ الذِّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأَثَّرَا

ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى: { { مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ } [الرحمن: 72]. والمعنى أنهن يَحْبسْنَ نظرهُنَّ ولا ينظرن إلى غير أزواجهن، والعِينُ جمع عَيْنَاءَ وهي الواسعة العينين والذَّكَرُ أعْيَنُ، قال الزجاج كِبَارُ الأعْين حِسَانُها، يقال رَجُلٌ أَعَيْنُ، وامرأة عَيْنَاهُ، ورجالٌ ونِسَاءٌ عِينٌ.
قوله: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} والبيضُ جمع بَيْضَة وهو معروف والمراد به هنا بيض النَّعَامِ، والمكنون المصون المستور من كَنَنْتُهُ أي جعلته في كِنّ والعرب تشبه المرأة بها في لونها وهو بياض مشوبٌ ببعض صُفرة والعرب تحبه.
قال امرؤ القيس:

4202- وَبَيْضَةِ خِذْ(رٍ) لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَا تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ معجلِ
كَبِكْرِ مُقَانَاةِ البَيَاضِ بصُفْرَةٍ غَذَاهَا نَمِيرُ الْمَاءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ

وقال ذو الرمة:

4203- بَيْضَاءُ فِي بَرَجٍ صَفْرَاءُ فِي غَنَجٍ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ

وقال بعضهم: إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي جهة أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى. وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا بعض الشعراء حيث قال:

4204- تَنَاسَبَت الأَعْضَاءُ فِيهَا فَلاَ تَرَى بِهِنّ اخْتِلاَفاً بَلْ أَتَيْنَ عَلَى قَدْرِ

ويجمع البيض على بُيُوض قال:

4205- بِتَيْهَاءِ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كَأّنَّهَاقَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا

قال الحسن: شبـ(ـهـ)ـهن ببيض النّعام تكنُّها بالرِّيش عن الريح والغبار فلونها أبيض في صفرة.
يقال: هذا أحسن ألوان النساء تكون المرأة بيضاء مُشْرَبةً صفرةً، (وإنما ذكر المكنون والبيض جمع مؤنث لأنه رده إلى اللفظ).