التفاسير

< >
عرض

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً
١١٧
لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً
١١٨
وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً
١١٩
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً
١٢٠
أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً
١٢١
-النساء

اللباب في علوم الكتاب

"إن" هُنَا مَعْنَاها: النَّفْي؛ كقوله - تعالى -: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } [النساء: 159] "ويَدْعُون": بمعنى: يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي: يَعْبُدُون، كقوله [- تعالى -]: { وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ } [غافر: 60] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله: "مِن دُونِهِ " أي: من دُونِ اللَّه.
قوله: "إلا إناثاً": في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ.
المشهُورةُ: وهي جَمْع أنْثى، نحو: رباب جمعُ رُبَّى.
والثانية: وبها قَرَأ الحسن: "أنْثَى" بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع.
والثالثة: - وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك -: "إلا أنُثاً" كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه:
أحدها: - [وبه] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ "إناث"؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين.
والثاني: أنه جَمْع "أنيثٍ" كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال: المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه "سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة" أي: غَيْر قَاطِعٍ قال صخر: [الوافر]

1877- فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ

والثَّالث: أنه مُفْرَدٌ أي: يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو: امرأة حُنُثٌ.
والرابعة: وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - "وثنا" بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع.
والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - "أثُنا" بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان:
أظهرهما: أنه جَمْع وثَن، نحو: "أسَد وأُسُد" ثم قَلَب الوَاوَ همزةً؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ: "وُثُن" ثم أُثُن.
والثاني: أن "وَثَناً" المُفْردَ جمع على "وِثانٍ" نحو: جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع "وثان" على "وُثُن" نحو: حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها.
والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني -: "وُثُناً" وهي أصْل القراءة التي قبلها.
والسَّابعة والثَّامنة: "أُثْنا ووُثْنا" بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزَة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل؛ كسُقُف.
والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رضي الله عنها -: "إلا أوْثاناً" جَمْعَ "وَثَن" نَحْو: جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال.
فصل
وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو: اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو: هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و"مُرِيداً": فَعِيل من "مَرَدَ" أي: تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه "شَجَرَة مَرْداء" أي: تناثر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَدُ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد: الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت: تَأنيث اللَّه والعُزَّى: تأنيث العَزِيز.
قال الحَسَن: لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة.
وقال الضَّحَّاك: كان بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون: المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه، قال - تعالى -:
{ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ } [النجم: 27].
وقال الحسن: قوله "إلاَّ إناثاً" أي: إلا مَوْتاً، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان:
الأوَّل: إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول: هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول: هذه المَرْأة تُعْجِبُني.
الثَّاني: الأنْثَى أخسّ من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك.
قوله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه: شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي: تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَد؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّدُ: الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ "تَدْعُونَ" بالخِطَاب.
فصل
قال المفُسِّرونُ: كان [في] كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان شَيْطَان يَتراءَى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمُهُم.
وقل الزَّجَّاج: المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا: إبْلِيس؛ لقوله - تعالى -: بعد ذلك: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}.
وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى للسَّدنة، هو إبْلِيس.
قوله: "لَعَنَهُ الله" فيه وجهان:
أظهرهما: أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ لـ "شيطاناً"، فهي في مَحَلِّ نَصْب.
والثاني: أنها مُسْتأنفةٌ: إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله: "وقال" فيه ثلاثة أوجه:
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: قوله لَعَنَهُ "وقال لأتَّخِذَنَّ" صِفَتَان، يعني: شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيعِ.
الثاني: الحالُ على إضْمَار "قد" أيْ: وقد قَالَ.
الثالث: الاستئناف. و"لأتخِذَنَّ" جوابُ قسمٍ مَحْذُوف، و"مِنْ عبادك" يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من "نَصِيباً"؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها.
فصل
النَّصِيب المَفْرُوض: أي: حظاً مَعْلُوماً، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه: فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة: ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم.
رُوِي عنه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:
"من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان" .
فإن قيل: العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان.
أما النَّقْل: فقوله - تعالى -:
{ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ } [البقرة: 249]، وحُكِيَ عن الشيطان قوله { لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 62]، وقوله: { وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } [الحجر: 39، 40]، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون.
وأمَّا العَقْل: فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل.
فالجواب: أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْعٍ من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين.
وأيضاً: فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم؛ فلهذا وقع اسم النَّصِيب على قَوْم إبْلِيس.
قوله: "ولأضِلَّنَّهُمْ" يَعْنِي: عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به: التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء.
ولأمَنِّيَنَّهم: بالباطل، ولآمُرَنَّهم: بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير.
وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: "ولأمُرَنَّهم" بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو:
{ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ } [الطور: 19].
فصل
قالت المُعْتَزِلَة: قوله: "ولأضِلَّنَّهُم" يدل على أصْلَيْن عظيمين:
أحدهما: أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله:
{ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [الحجر: 39] وقوله: { لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 62] وقوله: { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } [الأعراف: 16]، وأيضاً: فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ [للنَّاسِ] في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك.
[الثاني: أن أهْل السُّنَّة يقُولُون: الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول: لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال]؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال.
والجواب: أن هذا كلامُ إبليس، فلا يكون حُجَّةً، وأيضاً: فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله: "لأغويَنَّهُم" وأخرى إلى الجبْرِ المَحْضِ، وهو قوله:
{ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي } [الحجر: 39] وتارة يَظْهَرُ التَّردد فيهن حَيْث قال: { رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } [القصص:63] يَعْني: أنه قال هؤلاء الكُفَّار: نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه.
قوله: "ولأمَنِّيَنَّهُم" قيل: أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء.
وقيل: أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي.
قوله: {ولآمرنَّهم فليبتّكُنّ ءاذان الأنعامِ} أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط]

1878- حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا طَارَتْ و‌َفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ

ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ.
قوله: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} هذه اللاَّمات كلها للقَسَم.
قال ابن عبَّاسٍ: والحَسَن [ومُجَاهِدٌ] وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ: دِينُ الله، كقوله
{ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } [الروم: 30] أي: لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان:
الأول: أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى؛ يؤيده قوله - عليه الصلاة والسلام -
"كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه" .
والثاني: أن التَّغْيير: تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً.
وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين: التَّغْيِير: ما روى عبد اللَّه [بن مَسْعُود] عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم [أنَّه] قال:
"لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات" .
قالوا: لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، و "لَعَن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة" .
قال القرطبي، قال مَالِك، وجماعة: إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا: لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ: هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر.
قال ابن العرَبيِّ: وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه.
وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفِّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات "الواشية، والمُسْتَوْشِيَة" باليَاء مكان المِيم، والوَشْي: التَّز‍َيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشًّى: في وَجْهِه وقوَائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام -
"نهى عن الضَّرْب في الوَجْه وعن الوَشْمِ في الوجْهِ" ، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح: التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بعَوْرَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة؛ ولهذا كان أنَس يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم.
قال القُرْطُبِي: فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به فِي قوله - عليه الصلاة والسلام -:
"تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا" ثم إن فيه ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون [فيه] تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ نَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن المُثْلَةِ، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها.
وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم: التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه.
وقيل: التَّغْيير هو التَّخَنُّث؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق؛ عِبَارة عن تَشَبُّه الأنْثَى بالذّكر.
ثم قال: {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي: ربًّا يطيعه، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً} لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدَّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق.
قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه:
الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة.
الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -:
{ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ } [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: { لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ } [الأعراف: 90].
الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -:
{ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ } [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم.
الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -:
{ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ [ٱلْمُبِينُ] } [الحج: 11].
قوله: "يَعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ"، قُرِئَ: "يَعدْهُمْ" بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُهُ وتمْنِيَتُهُ: ما يُوقعه في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم؛ كما قال - تعالى -:
{ ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } [البقرة: 268] و"يُمنيهِم" بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ، {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} أي: بَاطِلاً؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ.
قوله "إِلاَّ غُرُوراً" يُحْتمل أن يكونَ مَفْعُولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ "يَعِدُهم" في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ.
فـ {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} "أولئك": مبتدأ، و"مأواهم": مبتدأ ثانٍ، و"جهنم": خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: "مأواهُم جَهَنَّم"؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -]، وهذا معنى الغُرُور.
ثم قال {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}، فقوله "عَنْهَا": يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف:
إمَّا على الحَالِ من "مَحِيصاً" لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى بـ "عَنْ" ولا بـ "مَحِيصاً"، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجُوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق "عن" به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل]

1879- وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ

ويروي: "جِضْنا" بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه: "وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ"، وحَاصَ بَاص، أي: وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحَاص، قال: [الكامل]

1880- أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ

ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه: الأحْوَصُ.
قال الواحِدِي: الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن:
أحدهما: أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ.
والثَّاني: الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار.
ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد.