التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً
٥١
-النساء

اللباب في علوم الكتاب

قال المفسِّرُون: خرج كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ، وحُيَيّ بن أخْطَبَ، فِي سَبْعِينَ رَاكِباً من اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بعد وَقْعَةِ أحُد؛ ليُحالفُوا قُرَيْشاً، على مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ - عليه الصَّلاة والسلام - ويَنقُضُوا العهدَ الذي كان بينَهُم وبين النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزل كَعْبٌ علَى أبِي سُفْيانَ؛ فأحْسنَ مَثْوَاهُ، ونزلت اليهودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فقال أهْلُ "مكةَ": إنكم أهل كتاب، ومُحَمَّدٌ صاحبُ كِتابٍ، ولا نأمَنُ أن يكُونَ هذا مَكْراً مِنكم، فإن أرَدْتَ أن نخرجَ مَعَكَ، فاسْجُدْ لهذين الصَّنَميْنِ وآمنوا بهما، فَفَعلُوا ذلك؛ فذلك قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ}.
ثم قال كَعْبٌ لأهْلِ مَكَّةَ: ليجيء منكم [الآن] ثلاثُونَ ومِنَّا ثلاثُونَ فنلْزقَ أكْبَادنا بالكعبةِ؛ فنعاهد رَبَّ هذا البيتِ، لنجهدنَّ على قِتَالِ مُحَمَّدٍ؛ فَفَعلُوا، ثُمَّ قال أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّك امرؤٌ تَقْرَأُ الكِتَابَ، وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمُّيُّون، ولا نَعلَمُ، فَأيُّنَا أهْدَى طَريقاً: نَحْنُ أم مُحَمَّدٌ؟
فقال كَعْبٌ لأبي سُفْيان: اعرضُوا عليَّ دينكم، فقال أبُو سُفْيَانَ: نحن نَنْحَرُ للحَجِيج الكُومَاء، ونَسْقيهمُ [الماء] ونَقْري الضَّيْفَ، ونُقِلُّ العَانِي، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونعَمِّرُ بين رَبِّنَا، ونطوفُ به، ونحنُ أهْلُ الحَرَم، ومحمدٌ فارق دينَ آبَائِهِ، وقطعَ الرَّحمَ، وفارقَ الحَرَمَ، ودينُنَا القَديمُ، ودينُ محمدٍ الحديثُ، فقال كَعْبٌ: أنْتُمْ واللَّهِ أهْدَى سَبِيلاً مَمَّا عليه محمدٌ؛ فنزلتْ هذه الآيةُ.
قوله: {يُؤْمِنُونَ} فيه وجهانِ:
أحدُهُمَا: أنه حَالٌ إمَّا من: "الذين" وإمَّا مِنْ واوِ "أوتوا"، و "بالجبت" مُتعلِّقٌ به، و "يقولون" عطفٌ عليه، و "الذين" مُتعلِّقٌ بـ "يقولون"، واللامُ؛ إمَّا للتبيلغِ، وإمَّا لِلْعلةِ؛ كنظائرها، و "هؤلاء أهدى" مُبْتَدأٌ وخَبَرٌ في محل نَصْبٍ بالقول و "سبيلاً" تَميِيزٌ.
والثَّانِي: أنَّ "يؤمنون" مُستأنَفٌ، وكأنَّه تعجَّبَ مِنْ حَالِهم؛ إذْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أوتِيَ نَصيباً من الكتاب؛ ألاَّ يَفْعَلَ شَيْئاً مِمَّا ذُكِرَ، فَيكُونُ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كأنَّهُ قيلَ: ألاَ تَعْجَبُ مِنْ حَالِ الذِين أوتُوا نَصِيباً من الكتاب؟ فقيل: وما حَالُهم؟ فقالَ: يؤمِنُون [ويقولُونَ، وهذان] منافيان لحالهم.
والجِبْتُ: حَكَى القَفَّالُ، وغيرهُ، عَن بَعْضِ أهلِ اللُّغَةِ: وهو الجِبْسُُ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، أُبدلتْ تاءً، كالنَّات، والأكْيَاتِ، وست؛ في النَّاسِ، والأكياسِ، وسدس، قال [الرجز المشطور]

1809-................شِرَارَ النَّاتِ لَيْسُوا بِأجْوَادٍ ولاَ أكْيَاتِ

والجبس: هو الذي لا خير عنده.
يُقالُ رَجِلٌ جِبس، وجِبتٌ، أيْ: رَذْلٌ، قِيلَ: وإنما ادَّعَى قلبَ السِّين تاءً؛ لأنَّ مَادَةَ (ج ب ت) مُهْمَلَةٌ. قَالَ قُطْرُبٌ: وغيرهُ يَجْعَلُها مَادَّةً مُسْتَقِلَّةً، وقِيل: الجِبْتُ: السَّاحِرُ بلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطَّاغُوتُ: الكَاهِنُ، قالهُ سعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبُو العَالِيَةِ، وقال عِكْرمَةُ: هما صَنَمانِ، وقال أبُو عُبَيْدَةَ: هُما كُلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وقال عُمَر: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطاغُوتُ: الشَّيْطَانُ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، وقال مُحمدُ بنُ سيرينََ، ومَكْحُولٌ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطَّاغُوتُ: السَّاحِرُ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: الجِبْتُ: - بلسانِ الحبَشَةِ -: شَيْطَانٌ، وقال الضَّحَّاكُ: الجبتُ: حُيَيُّ بنُ أخْطب، والطَّاغُوتُ: كَعْبُ بنُ الأشْرَف، وقِيل: الجبتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، والطاغوتُ: كُلُّ ما يُطْغي الإنْسانَ.
ورَوى قَبيصةُ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: العِيافَةُ: والطَّرْقُ، والطِّيرةُ: مِنَ الجِبْتِ.
الطَّرْقُ: الزَّجْرُ، والعِيَافَة: الحط.