التفاسير

< >
عرض

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
٣٦
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
٣٧
حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ
٣٨
وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
٣٩
أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٤٠
-الزخرف

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَمَن يَعْشُ} العامة على ضم الشين من عَشَا يَعْشُو، أي يَتَعَامَى، ويَتَجَاهَلُ. وعن ابن عباس وقتادة ويَحْيَى بْنِ سَلاَّم بفتح الشين بمعنى يَعْمَ، يقال: عَشِيَ يَعْشَى عَشاً إذَا عَمِيَ، فَهُوَ أَعْشَى، وامرأَةٌ عَشْوَاء. وزيد بن علي يَعْشُو بإثبات الواو. وقال الزمخشري: على أن من موصولة، وحق هذا أن يقرأ نُقَّيِّضُ بالرفع. قال أبو حيان: ولا يتعين موصوليتُها، بل يخرج على وجهين، إما تقدير حذف حركة حرف العلة، وقد حكاها الأخفش لغةً، وتقدم منه في سورة يُوسُفَ شواهدُ.
وإما على أنه جُزِمَ بمَنْ المَوْصُولَة تشبيهاً لها بمَنْ الشَّرْطيَّة.
قال: وإذا كانوا قد جزموا بالذي وليس بشرط قَط فأولى بما استعمل شرطاً وغير شرط، وأنشد:

4402ـ وَلاَ تَحْفِرَنْ بئْراً تُريدُ أَخاً بِهَا فَإنَّكَ فِيهَا أَنْتَ مِنْ دُونِــهِ تَقَــعْ
كَذَلِـكَ الَّــذِي يَبْغِـي عَلَـى النَّاسِ ظَالِمـاًتُصِبْهُ عَلَى رَغْمٍ عَواقِبُ مَا صَنَعْ

قال: وهو مذهب الكوفيين، وله وجه من القياس، وهو أنَّ "الذي" أشْبَهَتْ اسم الشرط في دخول الفاء في خبرها، واسم الشرط في الجزم أيضاً، إلا أن دخخول الفاء منقاسٌ بشرطه وهذا لا يَنْقَاسُ.
ويقال: عَشَا يَعْشُوا، وَعشِيَ يَعْشَى، فبعضهم جعلهما بمعنًى. وبعضهم فرق بأن عَشِيَ يَعْشَى، إذا جعلت الآفة في بصره، وأصله الواو. وإنما قبلت ياء، لانكسار ما قبلها، كَرَضِيَ يَرْضَى. وعَشَا يَعْشُو أي تفاعل ذلك، ونَظَرَ نَظَرَ العُشْي، ولا آفة ببصره. كما قال: عَرِجَ لمن به آفة العرج. وعَرَجَ لمن تعارج ومشى مِشْيَة العرْجَانِ. قال ـ (رحمةُ اللهِ عليه) ـ:

4403ـ أَعْشُـو إِذَا مَــا جَارَتِي بَـرَزَتْ حَتَّى يُـوارِي جَـارَتِي الخِـدْرُ

أي أنظر نظر العُشْي، وقال آخر:

4404ـ مَتَى تَأْتِـهِ تَعْشُـوا إلى ضَوْءِ نَارِهِتَجِدْ خَيْـرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِـدِ

أي ينظر نظر العُشي لضعف بصره من كثرة الوقُود. وفرّق بعضهم: بأن عشوت إلى النار إذَا استدللت عليها بنظر ضعيف. وقال الفَرَّاء عَشَا يَعْشُوا: يُعْرِضُ، وعَشِيَ يَعْشَى عَمِيَ، إلا أن ابن قتيبةَ قال: لم نَرَ أحداً حكى: عَشَوْتُ عَنِ الشيء، أعْرَضْتُ عنه، وإنما يقال: تَعَاشَيْتُ عن كَذَا، إذا تَغَافَلْت عنه وتَعَامَيْت.
قوله: "نُقَيِّضْ" قراءة العامة بنون العظمة وعَلِيّ بن أبي طالب، والأعمش ويعقوبُ، والسُّلَمِيّ، وأبو عَمْرو، وعاصمٌ في روايةٍ عنهما: يُقَيِّضْ بالياء من تحت. أي يُقَيِّض الرحمنُ. و "الشيطان" نصب في القراءتين وابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ يُقيِّضَّ مبنياً للمفعول شَيْطَانٌ بالرفع قائم مقام الفاعل.
فصل
{وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي يُعْرِض عن القرآن، وقيل: يُعرض عن الله، فلم يخفْ عقابه ولم يرجُ ثَوَابَه، يقال: عَشَوْت إلى النار، أَعْشُو عَشْواً، إذا قصدتها مُبْتَدِياً، وعَشَوْتُ عَنْهَا إذا أعرضت عنها، كما يقال: عدلت إلى فُلاَن، وعدلت عنه أي مِلْتُ إلَيْهِ، ومِلْتُ عَنْهُ.
قال القرطبي: تولية ظهره، كقوله:
{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } [البقرة:18و171] وقال الخليل: أصل العَشْوِ النظر ببصرٍ ضعيف. وأما القراءة بالضم فمعناه: يَتَعَامَ عن ذكره أي يعرف أنه الحق ويتجاهل ويَتَعَامى، كقوله تعالى: { وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } [النمل:14].
{نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي نضمه إليه، ونسلطه عليه {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} لا يفارقه، يزين له العَمَى ويخيل إليه أنه الهدى.
قوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}.
"وإنهم" يعني الشياطين {ليصدونهم عن السبيل} أي يمنعونهم عن الهدى. وذكر الشياطين والإنسان بلفظ الجمع، لأن قوله {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً} يفيد الجمع وإن كان اللفظ على الواحد.
قال أبو حيان: الظاهر أن ضَمِيري النصب في {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ} عائدان على "مَنْ" من حيث معناها راعى لفظها أولاً، فأفرد (في) "له" ثم راعى معناها فجمع في قوله: {وإنهم ليصدونهم} والضمير المرفوع على الشيطان لأن المراد به الجنس ولأن كل كافر معه قرين.
وقال ابن عطية: إن الضمير الأول للشياطين، والثاني للكفار والتقدير: وإن الشياطينَ ليصدون الكفار العاتين، ويحسبون أنهم مهتدون أي ويحسب كفارُ بني آدم أنهم على الهُدَى.
قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} قرأ أبو عمرو والأخوان وحفص "جاءنا" بإسناد الفعل إلى ضمير مفرد يعود على لفظ "من" وهو العاتِي، وحينئذ يكون هذا مما حمل فيه على اللفظ، ثم على المعنى ثم على اللفظ، فإنه حمل أولاً على لفظها في قوله: "نُقَيِّضْ لَهُ.. فَهُوَ لَهُ" ثم جمع على معناها في قوله: {وإنهم ليصونهم}... ويحسبون أنهم ثم رجع إلى لفظها في قوله: "جَاءَنَا" والباقون: "جاءانا" مسنداً إلى ضمير تثنية، وهما العاتِي وقرينه جُعلا في سلسلة واحدة فحينئذ يقول الكافر لقرينه {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي بعد ما بين المشرق والمغرب، فغُلِّبت إحدَاهُما على الآخر، كالقمرين والعمرين قال الفرزدق:

4405ـ .............................لَنَـا قَمَرَاهَـا وَالنُّجُـومُ الطَّوَالِــعُ

ويقولون للكوفة والبصرة: البَصْرَتَان، والغَدَاةِ والعَصْر: العصران، ولأبي بكر، وعمر: العُمرَان وللماء والثمر: الأسْوَدَان وقيل: أراد بالمشرقين: مَشْرِق الصيف ومشرق الشتاء والأول أصلح. وقيل: بُعْدُ المشْرِقَيْنِ مِن المَغْرِبَيْنِ. وقال ابن الخطيب: إن أهل النجوم يقولون: إن الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب هي حركة الفَلَك الأعظم، والحركة التي من المغرب إلى المشرق هي حركة الكواكب الثابتة والأفلاك المميلة والسيارات سوى القمر، وإذا كان كذلك المشرق والمغرب كل واحد منهما مشرِق بالنسبة إلى شيء ومغرب بالنسبة إلى شيء آخر. فثبت أن إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة ثم ذكر وجهاً آخرَ، وهو أن الحِسَّ يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وأما من المغرب فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب، ثم لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق وذلك يدل على أن حركة القمر من المغرب. وإذا ثبت هذا بالجانب المسمى بالمَشْرِق، فإنه مشرق الشمس ولكنه مغرب القمر. وأما الجانب المسمَّى بالمغرب فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين. قال: "ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ من سائر الوجوه". وهذا ليس بشيء، فإن ظهور القمر من المغرب ما كان لكونه أشرق من المغرب إنما كان ظهورها لغيبوبة شُعَاع الشَّمْسِ عنه، وإنما كان إشراقه وظهوره من المشرق الحقيقي ولكنه كان مختفياً بشعاع الشمس.
قوله: {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} والمخصوص بالذم محذوف أي أنت. قال أبو سعيد الخدري: "إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير بِهِ إلى النار".
قوله: {وَلَن يَنفَعَكُمُ} في فاعله قولان:
أحدهما: أنه ملفوظ به وهو "أنَّكُمْ" وما في خبرها التقدير: ولن ينفعكم اشتراكُكُمْ في العذاب بالتأسِّي كما ينفعكم الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصَاب بمِثْلِهِ.
ومنه قول الخنساء:

4406ـ وَلَوْلا كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي عَلَـى مَوْتَـاهُمُ لَقَتَلْـتُ نَفْسِـي
وَمَــا يَبْكُــونَ مِثْـلَ أَخِـي وَلكِـنْ أُعَـزِّي النَّفْـسَ عَنْهُـمْ بِالتأَسِّـي

والثاني: أنه مضمر، فقدره بعضهم ضمير التمني، المدلول عليه بقوله: "يَا لَيْتَ بَيْنِي" أي لن ينفعكم تمنيكم البُعْد.
وبعضهم: لن ينفعكم اجتماعكم. وبعضهم: ظلمكم، وجحدكم. وعبارة من عبّر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف؛ إذ الفاعل لا يحذف إلا في مواضع، ليس هذا منها وعلى هذا الوجه يكون قوله: "أنكم" تعليل، أي لأنَّكُمْ، فحذف الخافض، فجرى في محلها الخلاف، أهو نصب أم جر؟ ويؤيد إضمار الفاعل لا أنه هو إنكم قراءة إنكم بالكسر فإنه استئناف مفيد للتعليل.
قوله: "إذْ ظَلَمْتُمْ" قد استشكل المعربون هذه الآية، ووجهه هو أن قوله (اليوم) ظرف حالي و "إذْ" ظرف ماض، و "ينفعكم" مستقبل، لاقترانه بلن، التي لنفي المستقبل، والظاهر أنه عامل في الظَّرْفَيْنِ، وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع بعد في ظرف حاضر أو ماض؟! هذا ما لا يجوز. وأجيب: عن إعماله في الظرف على سبيل قربه منه، لأنَّ الحال قريب من الاستقبال، فيجوز في ذلك، قال تعالى:
{ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ } [الجن:9]، وقال الشاعر:

4407ـ ............................. سَأسْعَـى الآنَ إِذْ بَلَغَــتْ إنَاهَــا

وهو إقناعي، وإلا فالمستقبل يستحيل وقوعه في الحال عقلاً. وأما قوله: "إذْ" ففيها للناس أوجه كثيرة: قال ابن جني: راجعت أبا علي فيها مراراً، وآخر ما حصلت منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه. "فَإِذْ" بدل من "اليوم" حتى كأنه مستقبل، أو كأن اليوم ماض.
وإلى هذا نحا الزمخشري، قال: "وإذْ بدل من اليوم" وحمله الزمخشري على معنى إذ تَبَيَّنَ وصح ظلمكم ولم يبق لأحدٍ لكم شُبْهَة في أنكم كنتم ظالمين ونظيره:

4408ـ إِذَا انتَسَبْنــا لَـمْ تَلِدْنِـي لئيمــةٌ .............................

أي تبين أني ولد كريمة.
قال أبو حيان: ولا يجوز البدل ما دامت إذ على موضوعها من المُغَيَّا فإن جعلت لمطلق الزمان جاز.
قال شهاب الدين: "لم يُعْهد في إذ أنها تكون لمطلق الزمان بل هي موضوعة لزمان خاص بالمضي كَأَمْسِ.
الثاني: أن في الكلام حذف مضاف تقديره: "بَعْدَ إِذْ ظَلَمْتُمْ".
الثالث: أنها للتعليل، وحينئذ تكون حرفاً للتعليل كاللاّم.
الرابع: أن الفاعل في "إذ" هو ذلك الفاعل المقدر، لا ضميره، والتقدير: ولن يَنْفَعَكُمْ ظلمُكُم أو جُحُودكم إذْ ظَلَمْتُمْ.
الخامس: أن العامل في إذْ ما دل عليه المعنى كأنه قال: ولكن لن ينفعكم اجتماعُكُمْ إذْ ظَلَمْتُمْ. قاله الحَوْفيُّ. ثم قال: وفاعل ينفعكم الاشتراك انتهى.
وظاهر هذا متناقض، لأنه جعل الفاعل أولاً اجتماعكم ثم جعله أخِراً الاشتراك. ومنع أن يكون "إذْ" بدلاً من "اليوم" لِتَغَايُرِهما في الدَّلالة.
وفي كتاب أبي البقاء: وقيل: إذْ بمعنى "إنْ" أي إن ظلمتم. ولم يقيدها بكونها أَن بالفتح أو الكسر. ولكن قال أبو حيان: "وقيل: إذ للتعليل حرف بمعنى أَنْ، يعني بالفتح. وكأنه أراد ما ذكره أبو البقاء إلا أن تسميته "أَنْ" للتعليل مجازاً، فَإِنَّها على حذف حرف العلة أي لأَنْ، فلمصاحبتها لها والاستغناء بها عنها سمَّاها باسمها. ولا ينبغي أن يعتقد أنها في كتاب أبي البقاء بالكسر على الشرطية، لأن معناه بعيدٌ.
وفي كتاب مجاهِدٍ: أن ابن عامر قرأ: إنكم بالكسر، على الاستئناف المفيد للعلة وحينئذ يكون الفاعل مضمراً على أحد التقادير المذكورة.
فصل
المعنى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ} في الآخرة "إذْ ظَلَمْتُمْ" أشركتم في الدنيا {أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم؛ لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحَظَّ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليومَ، فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب، كما كنتم في الدنيا تشتركون. واعلم أنه تعالى بين أن الشركة في العذاب لا تفيد التخفيف، كما كان يفيده في الدنيا، والسبب فيه وجوه:
الأول: أن ذلك العذاب الشديد عظيم، واشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر، فلا جَرَمَ لم تفد الشركة خفةً.
الثاني: إذا اشترك الأقوام في العذاب، أعان كل واحد منهم صاحبه بما مقدر عليه ليحصل بسببه بعض التخفيف. وهذا المعنى متبدّد في القيامة.
الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه يُفيده أنواعاً كثيرة من السلوة. فبين تعالى أن الشيطان وإنْ كَانَ قريناً له، إلا أن مجالسته في القيامة لا توجب السلوة وخفة العقوبة.
قوله (تعالى): {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ...} لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمَمِ والعَمَى. وما أحسن هذا الترتيب، وذلك أن الإنسان في أول اشتغاله يطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رَمدٌ ضعيف، ثم لما كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثر كان مَيْلُهُ إلى الجُسمانيَّات أشد، وإعراضه عن الروحانيات أكمل؛ لأن كثرة المواظبة على الشيء توجب حصول الملكة اللاّزمة لينتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى، فإذا واظب على تلك الحال انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى.
روى أنه عليه الصلاة والسلام، كان يجتهد في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وعِناداً في الغي فقال الله تعالى: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} بمعنى أنهم في النفرة عنك وعن دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصُّمِّ، وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالعمي.