التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
١٧
أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٨
وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
١٩
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ
٢٠
وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ
٢١
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ
٢٢
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ
٢٣
وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ
٢٤
كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٢٥
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ
٢٦
وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ
٢٧
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ
٢٨
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ
٢٩
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
٣٠
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ
٣١
وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٢
وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ
٣٣
-الدخان

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ...} لما بين أن كفار مكة يُصِرُّونَ على كفرهم بين أن كثيراً من المتقدمين أيضاً كانوا كذلك، وبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون.
قوله: "وَلَقَدْ فَتَنَّا" بالتشديد على المبالغة، أو التكثير لكثرة متعلّقه. "وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ" يحتمل الاستئناف والحال.
فصل
قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ: ابتلينا. وقال الزجاج: بلونا والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} أي موسى بن عمران. قال الكلبي: كريم على ربه بمعنى أنه استحق على ربه أنواعاً كثيرة من الإكرام.
قوله تعالى: {أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} يجوز أن تكون المفسرة، لتقدم ما هو بمعنى القول، وأن تكون المخففة، ومعناه: وجاءهم بأَنَّ الشأنَ والحَدِيثَ: أَدّوا إِلي عِبَادَ اللهِ، وأن تكون الناصبة للمضارع وهي توصل بالأمر وفي جعلها مخففة إشكال تقدم، وهو أن الخبر في هذا الباب لا يقع طلباً وعلى جعلها مصدرية تكون على حذف حرف الجر، أي جَاءَهُمْ بأَنْ أدَّوا و"عِباد الله" يحتمل أن يكون مفعولاً به وبذلك أنه طلب منهم أن يؤدوا إليه بني إسرائيل، بدليل قوله:
{ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } [الأعراف:105] وأن يكون منادّى، والمفعول محذوف أي أعطوني الطاعة يا عباد الله. وعلل بأنه رسول أمين قد ائتمنه اله على وحيه ورسالته.
قوله: "وأَن لا تعلوا" عطلف على "أَنِ" الأولى، والمعنى لا تتكبّروا على الله بإهانة وحيه ورسولِهِ {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} بحجة بينة يعرف بصحتها كُلُّ عاقل.
والعامة على كسر الهمزة من قوله "إنِّي آتِيكُمْ" على الاستئناف. وقرىء بالفتح على تقدير اللام أي وأَنْ لاَ تَعْلُوا لأنِّي آتيكم.
قوله: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} وقوله: "إنِّي عُذْتُ" مستأنف. وأدْغم الذال في التاء أبو عمرٍو والأَخَوَانِ. وقد مضى توجيهه في "طه" عند قوله: "فَنَبَذْتُهَا".
فصل
قيل: إنه لما قال: {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ...} توعدوه بالقتل، فقال: وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون أي تقتلوني، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن ترجموني بالقول وهم الشتم وتقولوا: هو ساحر. وقال قتادة: "تَرْجُمُونِي بالحِجَارة". وإن لم تؤمنوا لي أي تصدقوني ولم تؤمنوا بالله، لأجل ما آتيتكم به من الحجة، فاللام في "لِي" لام الأجل "فَاعْتَزِلُون" أي اتركوني، لا مَعِي، ولا عَلَيَّ. وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): فاعْتَزِلُوا أذايَ باليد واللسان.
قوه: "فَدَعَا رَبَّهُ" الفاء في "فدعا" تدل على أنه متصل بمحذوف قبله، وتأويله أنَّهُمْ كفروا ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قَوْمٌ مُجْرِمُونَ.
فإن قيل: الكفر أعظم حالاً من الجرم فما السبب في أن جعل الكفار مجرمين حال ما أراد المبالغة في ذمهم؟.
فالجواب: أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه (وقد يكون فاسقاً في دينه) والفاسق في دينه أَخسُّ الناس.
قوله: "أَنَّ هَؤلاَءِ" العامة على الفتح، بإضمار حرف الجر، أي دَعَاهُ بأنَّ هؤلاء. وابن أبي أسحاق وعيسى، والحسن، بالكسر، على إضمار القول عند البصريين وعلى إجراء "دعى" مجرى القول عند الكوفيين.
قوله: "فَأَسْرِ بِعبَادِي" قد تقدم قراءتا الوَصْلِ والقَطْع. وقال الزمخشري فيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء. أي فقال: أَسْرِ بِعبَادِي، أو جواب شرط مقدر كأنه قال: إن الأمر كما تقول فَأَسْرِ بِعِبَادِي. قال أبو حيان: كثيراً ما يدعي حذف الشرط، ولا يجوز إلا لدليل واضح كأن يتقدمه الأمر وما أشْبَهَهُ.
فصل
يقال: سَرَى، وأَسْرَى لغتان، لما قال موسى: إنَّ هؤلاء قَوْمٌ مُجْرِمُونَ أجاب الله تعالى دعاءه وأمره أن يسري فقال: "فَأسْرِ بِعِبَادِي" أي بني إسرائيل {لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون وقومه وذلك بسبب هلاكهم.
قوله: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً} يجوز أن يكون "رهواً" مفعولاً ثانياً، على أن ترك بمعنى صَيَّر وأن يكون حالاً على أنها ليست بمعناها. والرهو: قيل: السكون، فالمعنى اتْرُكْهُ سَاكناً، يقال رَهَا، يَرْهُو، رَهْواً، ومنه: جَاءَت الخَيْلُ رَهْواً. قال النابغة:

4424ـ وَالخَيْلُ تَمْرَحُ رَهْواً فِي أَعِنَّتِهَا كَالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُؤْبُوبِ ذي البَرَدِ

وَرَهَا يَرْهُو في سَيْرهِ أي رَفَقَ، قال القطامِيُّ:

4425ـ يَمْشِينَ رَهْواً فَلاَ الأَعْجَازُ خَازِلَةٌوَلاَ الصُّدُورُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِــلُ

وعن أبي عبيدة: رهواً أي اتركه منفتحاً فُرَجاً على ما تركته.
روي أنه لما انفلق البحر لموسى، وطلع منه خاف أن يتبعه فرعون فأراد أن يضربه ليعود حتى لا يلحقوه، فأمر أن يتركه فرجاً. وأصله من قولهم: رَهَا الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْواً فتح ما بين رجليه (قال مقاتل: اترك البحر رهواً أي راهياً يعني ساكناً. فأصل الرهو السكون، فسمي بالمصدر أي ذا رهو. وقال كعب: اترك طريقاً يابساً). والرَّهْوُ والرَّهوَةُ المكان المرتفع أو المنخفض يجتمع فيه الماء فهو من الأضداد. والرهوة المرأة الواسعة الهن. والرهو طائر يقال له الكُرْكِيَّ.
وقد تقدم الكلام في الشعراء على نظير: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ}.
قوله: "وَمَقَامٍ" العامة على فتح الميم، وهو اسم مكان القيام. وابن هُرْمُز، وقتادةُ، وابنُ السمقيع ونافع في رواية خارجة: بضمها اسم مكان الإقامة.
والنَّعْمَة ـ بالفتح نَضَارة العَيْشِ ولَذَاذَتُهُ. (قال الزمخشري: النعمة بالفتح من التَّنعُّم، والنِّعمة بالكسر الإنعام. وقيل: النَّعمة بالفتح هي المال والزينة كهذه الآية، ومثله:
{ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ } [المزمل:11]. وقوله { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي } [فصلت:50] أي مالاً بعد فَقْرٍ). والجمهور على جرها. ونصبها أبو رجاء عطفاً على "كَمْ" أي تركوا كثيراً من كذا، وتركوا نَعْمَةً.
قوله: "فَاكِهِينَ" العامة على الألف أي طيّبي الأنْفُسِ، أو أصحاب فاكهة كَلاَبنٍ وتَامِرٍ وقيل: فاكهين: لاهِينَ. وقرأ الحسن وأبو رجاء: فَكِهينَ، أي مستخفين مستهزئين بنعمة الله.
قال الجوهري: يقال: فَكِهَ الرَّجُلُ ـ بالكسر ـ فَهُوَ فَكِهٌ، إذا كان مَزَّاحاً. والفكه أيضاً الأشر البَطِر.
قوله: "كذلك" يجوز أن تكون الكاف مرفوعة المحل, خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أي الأمر كذلك. وإليه نحا الزجاج، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ، فقدرها الحَوْفِيُّ أهْلَكْنَا إهلاكاً، وانتقمنا انتقاماً كذلك.
وقال الكلبي: كذلك أفعَل بمن عصا. وقيل: تقديره: يَفْعَلُ فِعْلاً كَذَلِكَ.
وقال أبو البقاء: تَرْكاً كذلك، فجعله نعتاً للتَّرْك المحذوف، وعلى هذه الأوجه كلها يوقف على "كذلك"، ويبتدأ: "وَأَوْرَثْنَاهَا" (قَوْماً آخَرِينَ). (وقال الزمخشري: الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وأورثنا قَوْماً آخرين)، ليسوا منها يعني بني إسرائيل، فعلى هذا يكون: "وَأَوْرَثْنَاهَا" معطوفاً على تلك الجملة الناصبة للكاف فلا يجوز الوقف على "كَذَلِكَ" حِينئِذٍ.
قوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ} يجوز أن يكون استعارة، كقول الفرزدق:

4426ـ وَالشَّمْسُ طَالِعةٌ لَيْسَتْ بكَاسِفَةٍ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَمَرَا

وقال جرير:

4427ـ لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ سُور المَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الخُشَّعُ

وقال النابغة:

4428ـ بَكَى حَارِثُ الجَوْلاَنِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ وَحَوْرَان مِنْهُ خَاشِعٌ مُتَضَائِلُِ

فصل
روى أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
"مَا مِنْ عَبْدٍ إلاَّ وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ، بابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقَُه، وبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ عَمَلُهُ. فَإذَا مَاتَ وَفَقَدَاهُ بَكَيَا عَلَيْهِ" ، وتَلاَ هذه الآية، وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً فتبكي عليه، ولم يكن يصعد لهم إلى السماء كلامٌ طيب، ولا عمل صالح فتبكي عليهم. وقيل: التقدير: فما بكت عليهم أهْلُ السماء والأرض، فحذف المضاف والمعنى: فما بكت عليه الملائكة، ولا المؤمنون بل كانوا لهلاكهم مسرورين.
وقيل: إن العادة جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأنِ إنه أظلمت له الدنيا، وكسفت الشمس والقمر لأجله، وبكت السماء والريح والأرض. يريدُونَ المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكتاب. وقال الزمخشري: ذكر هذا على سبيل السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، ولم يكونوا بهذا الحَدِّ، بل كانوا دون ذلك، فذكر هذا تهكماً بهم.
وقال عطاء: بكاء السماء حُمْرَةُ أطرافِهَا. وقال السدي: لما قتل الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ بكت عليه السماء وبكاؤها حُمْرَتُها {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} أي لما جاء وقت هلاكِهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبةِ وتدارك تقصيرٍ.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} وهو قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل. واعلم أن رفع الضرر مقدم على إيصال النفع، فبدأ تعالى ببيان رفع الضرر عنهم فقال: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}.
قوله: "من فرعون" فيه وجهان:
أحدهما: أنه بدل من "العذاب"، إمَّا على حذف مضاف، أي من عَذَابِ فِرْعَوْنَ، وإما على المبالغة جعل نفس العذاب، فأبدله منه.
والثاني: أنه حال من العذاب تقديره: صادراً مِنْ فِرْعَوْنَ. وقرأ عبد الله: مِنْ عَذَاب المُهِينِ، وهي من إضافة الموصوف لصفته، إذ الأصل: العذاب المهين كالقراءة المشهورة. وقرأ ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ مَنْ فِرْعَوْنُ؟ بفتح الميم "من" ورفع فرعون على الابتداء والخَبَر، وهو استفهام تحقير، كقولك: مَنْ أَنْتَ وَزَيْداً؟ ثم بين حالة بالجملة بعد قوله: {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ}. والتقدير: هل تعرفون من هو في عُتُوه وشَيْطَنَته؟ ثم عرف حاله بقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي كان عالي الدرجة في طبقة المسرفين، ويجوز أن يكون المراد إنه كان عالياً كقوله:
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ } [القصص:4] وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه كان على حقارته وخسته ادَّعى الإلهية. ولما بين الله تعالى (أنه) كيف دفع عن بني إسرائيل الضرر، بين أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} والمراد اخترنا مؤمني بني إسرائيل على عالَمِي زمانهم.
قوله: "على علم" متعلقة بمحذوف، لأنها حال من الفاعل في "اخترناهم" و "على العالمين"، متعلقة باخترناهم. وفي عبارة أبي حيان: أنه لما اختلف مدلولهما جاز تعلقهما باخترنا، وأنشد على ذلك (الشاعر) (رحمةُ اللهِ عَلَيْهِ):

4429ـ وَيَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْعَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تُحَلَّلِ

ثم قال: فـ "على علم" حال إما من الفاعل، أو من المفعول، و "على ظهر" حال من الفاعل في "تعذرت" والعامل في الحال هو العامل في صاحبها. (وفيه نظر، لأن قوله أولاً: ولذلك تعلقا بفعل واحد لما اختلف المدلول ينافي جعل الأولى حالاً، لأنها لم تتعلق به، وقوله: والعامل في الحال هو العامل في صاحبها) لا ينفع في ذلك.
فصل
قيل: هذه الآية تدل على كونهم أفضل من كل العَالَمِينَ. وأجيب: بأن المراد على عَالَمِي زَمَانِهِمْ وقيل: هذا عام دخله التخصيص. كقوله:
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران:110].
قوله: {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ} مثل فَلْق البحر، وتَظْلِيلِ الغمام وإنزال المَنِّ والسَّلوَى، والنِّعم التي أنعمها عليهم. وقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ:
{ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء:35]؛ لأنه تعالى كما يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة، ليتميز به الصديق على الزِّنديق. وههنا آخر الكلام على قصة موسى عليه الصلا ة والسلام.