التفاسير

< >
عرض

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ
٣١
-المائدة

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي [سَوْءَةَ أَخِيهِ]}.
هذه "اللامُ" يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أنَّها متعلِّقة بـ "يبحث"، أي: يَنْبُشُ ويُثِيرُ التُّراب للإراءة.
الثاني: أنها متعلِّقة بـ "بَعَثَ"، والمعنى: لِيُريَه الله، أو ليريه الغراب، و"كَيْفَ" معمُولة لـ "يُوارِي"، وجملة الاستفهام معلقة للرُّؤْية البَصَرية، فهي في محلِّ المَفْعُول الثَّانِي سادةٌ مسدَّه؛ لأن "رأى" البصرية قبل تعدِّيها بالهَمْزة مُتَعَدِّية لواحد، فاكتسبت بالهمزة آخر، وتقدَّم نَظِيرُها في قوله تعالى:
{ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ } [البقرة: 260] ومعنى: "يَبْحَثُ" أي: يُفَتِّش في التُّرَاب بمنقارِه ويثيره، ومنه سُمِّيت سورة "بَراءَة" البحوث؛ لأنها فَتَّشَت على المُنَافقين، والسَّوْءَةُ المراد بها: ما لا يجُوز أن يَنْكَشِفَ من جَسَده، وهي الفضيحة أيضاً، قال: [الخفيف]

1951-.......................... يَا لَقَوْمِي لِلسَّوْءَة السَّوآءِ

ويجوز تخفيفها بإلقاء حَرَكَة الهَمْزة على الواو، وهي قراءة الزُّهري، وحينئذٍ لا يجوزُ قَلْبُ هذه الواو ألِفاً، وإن صدق عليها أنَّها حرْف علّةٍ متحرك مُنْفَتِحٌ ما قبله؛ لأنَّ حركتها عَارِضة، ومثلُها "جَيَل" و"توم" مُخَفَّفَيْ "جَيْألَ" و"تَوْءَم"، ويجوزُ أيضاً قلبُ هذه الهمزة واواً، وإدغامُ ما قبلها فيها تَشبيهاً للأصلي بالزَّائِد [وهي لُغة] يَقُولون في "شَيْء" و"ضَوْء": شَيّ وضوّ، قال الشَّاعر: [البسيط]

1952- وإنْ يَرَوْا سَيَّةً طَارُوا بِهَا فَرَحاً مِنِّي ومَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

وبهذا قرأ أبُو جعفر.
قوله تعالى: "يَا ويْلَتَا" قلب يَاء المُتَكلم ألِفاً، وهي لغة فاشيةٌ في المُنَادى المضاف إليها، وهي إحدى اللُّغات السِّت، وقد تقدم ذكرُها.
وقُرِىء كذلك على الأصْلِ وهي قِرَاءة الحسن البَصْرِيِّ.
والنِّدَاء وإن كان أصلُه لِمَنْ يتأتَّى منه الإقْبَالُ وهم العقلاءُ، إلا أنَّ العرب تتجوَّز فتُنَادِي ما لا يَعْقِلُ. وهذه كلمة تُسْتَعمل عند وُقُوعِ الدَّاهِيَة العظيمة ولفظُهَا لفظ النِّداء، كأن الوَيْل غير حَاضِر عِنْده، والمعنى يا وَيْلَتَى احضُري، فهذا أوانُ حُضُورك، ومثله:
{ يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ } [يس: 30]، { يَٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ } [الزمر: 56]، وأمال حمزة، والكسائي، وأبُو عمرو في رواية الدَّوْري ألف "حَسْرَتَا"، والجمهور قرأ "أعَجَزْتَ" بفتح الجيم، وهي اللُّغة الفَصِيحَة، يقال: "عَجَزْت" بالفتح في الماضي، "أعْجِزُ" بِكَسْرها في المُضَارع.
وقرأ الحسن، وابن عبَّاس، وابنُ مسعُود، وطلحة بكسرها وهي لغة شاذَّة، وإنَّما المشهور أن يُقَال: "عَجِزت المرأة" بالكَسْر أي كَبُرت عَجِيزتُهَا، و"أن أكون" على إسْقَاط الخَافِض، أي: عَنْ أنْ أكونَ، فلما حُذِف جَرَى فيها الخلاف المَشْهُور.
قوله تعالى: "فَأوَارِيَ".
قرأ الجمهورُ بنصب الياء، وفيها تَخْرِيجان:
أصحهما: أنه عطف على "أكون" المنصوبة بـ "أنْ" منتظماً في سِلْكِهِ، أي: أعجَزْت عن كوني مُشْبِهاً للغُرَاب فَمُوَارياً.
والثاني: قاله الزمخْشَريُّ، ولم يذكر غيره أنَّه منْصوب على جواب الاستفهام في قوله: "أعجَزْتُ"، يعني: فَيَكونُ من باب قوله:
{ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ } [الأعراف: 53].
ورده أبو البقاء بعد أن حَكَاهُ عن قَوْمٍ، قال: وذكر بعضهم: أنه يجُوزُ أن يَنتصب على جواب الاستفهام؛ وليس بِشَيء، إذ ليس المَعْنى: أيكون منِّي عجز فَمُواراة، ألا ترى أن قولك: "أين بَيْتُكَ فأزُوركَ" معناه: لو عَرَفْتُ لزرتُ ليس المَعْنَى هنا "لو عَجَزت لوَاريت".
قال شهاب الدين: وهذا الرَّدُ على ظاهره صَحِيحٌ.
وبَسْطُ عبارة أبي البَقَاء: أنَّ النُّحاة يَشْتَرِطون في جواز نَصْب الفعْلِ بإضمار "أنْ" بعد الأشياء الثمانية - غير النَّفْي - أن يَنحلَّ الكلامُ إلى شرطٍ وجَزَاء فإن انعقد منه شَرْط وجزاء صَحَّ النَّصْبُ، وإلاَّ امتنعَ، ومنه "أيْن بيتُك فأزُورَك [أي] إن عَرّفتني بَيْتَك أزُورَك".
وفي هذا المقام لو حَلَّ منه شرط وجَزَاء لفسد المعنى؛ إذ يصير التَّقْدِيرُ: إنْ عَجَزْت وارَيْت، وهذا ليس بِصَحِيح؛ لأنه إذا عَجز كيف يُوَارِي.
وردَّ أبو حيَّان على الزَّمخشريِّ بما تقدَّم، وجعله غَلَطاً فاحِشاً وهو مَسْبُوقٌ إليه كما رأيت، فأساءَ عليه الأدبَ بشيء نَقَلَهُ عن غيره الله أعلمُ بصحَّتِهِ.
وقد قرأ الفَيَّاض بن غَزْوَان، وطلحة بن مصرف "بسكون الياء"، وخرَّجها الزمخشري على أحد وجهين:
إمَّا القَطْع، أي: فأنا أوَاري، وإمَّا على التَّسْكِين في موضع النصب تخفيفاً.
وقال ابنُ عطيَّة: "هي لغة لتوالي الحركات".
قال أبو حيَّان: "ولا يصلح أن تعلَّلَ القِرَاءة بهذا ما وُجِد عنه مندُوحَةٌ؛ إذ التَّسْكينُ في الفَتْحَة لا يجُوز إلاَّ ضرورة، وأيضاً فلم تتوالَ حركات".
وقوله "فَأَصْبَحَ" بمعنى "صَارَ".
قال ابن عطيَّة: قوله: "أصْبَح" عبارة عن جميع أوْقَاتِه قيم بَعْض الزَّمان مكان كله، وخُصَّ الصَّباحُ بذلك [لأنه] بَدْءُ النهار، والانبعاث إلى الأمُور، ومَظَنَّةُ النَّشَاط، ومنه قولُ الرَّبِيع: [المنسرح]

1953- أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ..............................

وقول سعد بن أبي وقَّاص: ثم أصَبْحَت بنو [أسد تعزرني على] الإسلام إلى غير ذلك.
قال أبو حيَّان: وهذا التَّعْليل الذي ذكره؛ لكون "أصْبَح" عبارة عن جميع أوْقاته، وإنما خصَّ الصَّبَاح لكونه بَدْءُ النَّهَار ليس بِجَيّد؛ لأن العرب اسْتَعْمَلَت "أضْحَى" و"بَاتَ" و"أمْسَى" بمعنى "صَار"، وليس شيء منها بَدْء النَّهَار.
قال شهاب الدين: وكيف يُحْسِن أن يردَّ على أبي محمد بِمِثْل هذا، وهُوَ لم يَقُل: إنها لمَّا أُقِيمَت مقام أوْقَاته للعلَّةِ الَّتي ذكرها تكونُ بمعنى "صَار"، حتَّى يلزمَ بأخواتها نَاقِصة عليه، وسيأتي الكلام على ذلك في "الحُجُرَات" عند قوله تعالى
{ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ } [الآية: 6] - إن شاء الله تعالى -.
فصل
فإن قيل: فِعْل الغُرَابِ صار سنَّة في دفن الخَلْقِ فَرْضاً على جميع النَّاس على الكِفَاية.
فالجواب: قال بعض المُفَسِّرين: لمَّا قتله ولم يدر ما يَصْنَع به بَعَثَ اللَّه غرابين فاقْتَتَلا، فقتل أحدُهما الآخر فحفَر له بِمِنْقَاره ورجليه، ثمَّ ألقاه في الحُفْرَة فتعلَّم قابيل ذلك، وعَلِمَ أن الغُرَاب أكثر عِلْماً منه، وعلم أنَّه إنما أقدم على قَتْل أخيه [بسبب] جهله وقلَّة معرفته فَنَدِم وتلهف. وقال الأصمُّ: لما قتله وتركه فَبَعَث اللَّه غُرَاباً يحثو التَّراب على المقْتُول، فلما رأى القَاتِل أنَّ المقتول كيف يُكرمُهُ اللَّه بعد موته نَدِم وقال: يا وَيْلَتا، وقال أبو مُسْلم: عادة الغُرَاب دفن الأشْيَاء فجاء غرابٌ ودفن شيئاً؛ فتعلَّم ذلك منه.
وقيل: إنَّه كان عالماً بكيْفِيَّة الدَّفن، وأنه يبعد في الإنْسَان العَاقِل ألاَّ يُهْدَى إلى هذا القدر من العمل، إلاَّ أنه لما قَتَلَهُ تركه بالعَرَاء، فلما رَأى الغُرابَ يدفن الغُرابَ رقَّ قلبه، وقال: إن هذا الغُراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قَتَلَهُ أخْفَاه تحت الأرْض، أفأكون أقلَّ شَفَقَة من هذا الغُراب؟! فجاء وحَثَى التُّراب على المَقْتُول، فلما رأى أنَّ الله تعالى أكرمه حال حياته بقبول قُرْبَانه، وأكرمه بعد مماته بأن بعث الغُراب ليدفنه تَحْتَ الأرْض، علم أنَّه عظيم الدَّرجة عند الله تعالى؛ فتلهَّف على فِعْله، وعَلِمَ أن لا قدرة له على التَّقَرُّب إلى أخيه إلاَّ بأن يَدْفِنَه في الأرض فلا جرم قال: {يا وَيلتَا أعجَزْتُ أن أَكُون مثْل هذا الغُراب}. فإن قيل: لفظ النَّدَم وضع للزُوم، ومنه سُمِّي النَّدِيم نَدِيماً لأنه يُلازِمُ المَجْلس.
فالجواب أنَّه - عليه الصلاة والسلام - قال:
"النَّدم تَوْبَة" وأجابوا عنه بوجوه:
أحدها: أنه لما تعلَّم الدَّفن من الغُرَاب صار من [النَّادِمين على كونه حَمَلَهُ على ظهره سنة.
وثانيها: أنه صار من النَّادمين]؛ لأنَّه لم ينتفع بقتله، وسخطَ عليه بسببه أبواه وإخوته، وكان نَدمُه لهذه الأسْباب لا لِكَونِهِ مَعْصِية.
وثالثها: أنَّ ندمه كان لأجْل تركه بالعَرَاء استِخْفافاً به بعد قَتْله، لأنَّ الغُرَاب لما قتل الغُرَاب ودفنه، نَدِم على قساوة قَلْبه، وقال: هذا أخِي وشقيقي ومَنْ لحمه مختلط بِدَمي، فإذا ظهرت الشَّفَقَة من الغُرَاب ولم تظهر منِّي على أخِي، كنت دون الغراب في الرَّحْمَة والشَّفَقة والأخْلاق الحميدة، فكان نَدَمُه لهذه الأسْبَاب، لا للخوف من الله - تعالى -، فلذلك لَمْ يَنْفَعه النَّدم.
قال المُطَّلِب بن عَبْد اللَّه بن حِنْطَب: لمَّا قتل ابن آدَم أخَاهُ، وجفَّت الأرض سَبْعَة أيَّام بما عليها، ثمَّ شَرِبت الأرْضُ دَمَهُ كما تشرب الماء، فنادَاه [آدم]: أين أخُوكَ هَابِيلُ؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رَقِيباً. فقال آدم: إن دم أخيك ليُنَادِيني من الأرْضِ. فلم قَتَلْتَ أخاكَ؟ قال: فأيْنَ دَمُه إن كنت قتلته؟ فحرّم اللَّه - عزَّ وجل - على الأرْض أن تَشْرَب بعده [دماً] أبداً، وقيل لقابيل: اذْهَب طَرِيداً شريداً فزعاً مَرْعُوباً لا تأمَن من تراه، فأخَذَ بيد أخته "إقْلِيما" وهَرَب بها إلى اليَمَن، فأتاه إبليس فقال له: إنَّما أكَلَت النَّار قربان أخيك هَابيل؛ لأنَّه كان يعبُد النَّار فانْصِبْ أنت أيضاً ناراً، وهو أوَّل من عَبَد النَّار قال مُجَاهد: فعلقت إحدى رِجْلَيْ قَابِيل إلى فخذهَا وسَاقِهَا، وعلقت من يَوْمئذٍ إلى يومِ القِيَامة، ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت عليه، في الصَّيْف حَظِيرةٌ من نار، وفي الشِّتَاء حظيرةٌ من ثَلْج، واتَّخَذَ أولاد قَابِيل آلات اللَّهْو، وانهمكوا في اللَّهْو وشُرْبِ الخَمْر وعِبَادة النار والزِّنا والفَواحِش، حتَّى غرقهم اللَّه بالطُّوفان أيَّام نوح - عليه السلام - وبقي نَسْلُ شِيث.