التفاسير

< >
عرض

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
١١٧
فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١١٨
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ
١١٩
وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ
١٢٠
قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٢١
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ
١٢٢
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
١٢٣
لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
١٢٤
قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ
١٢٥
وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
١٢٦
وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ
١٢٧
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
١٢٨
قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
١٢٩
-الأعراف

اللباب في علوم الكتاب

يجوز في "أن": أن تكُون المفسِّرة لمعنى الإيحَاءِ.
ويجوزُ أنْ تكون مصدريّةً؛ فتكونُ هي، وما بعدها مفعول الإيحَاءِ.
قوله: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} قرأ العامَّةُ: "تَلَقَّفُ" بتشديد القافِ، من "تَلَقَّفَ" والأصلُ: "تَتَلَقَّفُ" بتاءيْنِ، فحذفت إحداهُمَا، إمَّا الأولى، وإمَّا الثانية وقد تقدَّم ذلك في نحو
{ تَتَذَكَّرُونَ } [الأنعام: 152].
والبزِّيُّ: على أصلها في إدغامِهَا فيما بعدها، فيقرأُ: {فإذا هي تَّلَقَّفُ} بتشديد التاء أيضاً، وقد تقدم تحقيقه عند قوله:
{ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ } [البقرة: 267].
وقرأ حفصٌ "تَلْقَفُ" بتخفيف القافِ من "لَقِفَ" كـ: "عَلِمَ يَعْلَمُ، ورَكِب يَرْكَبْ".
يقال: لَقِفْتُ الشَّيءَ ألْقَفُهُ لَقْفاً، ولَقَفَاناً، وتَلقفتُهُ أتَلقَّفُهُ تَلَقُّفاً: إذا أخَذْتهُ بِسُرعةٍ، فأكَلْتَهُ أو أبْتَلَعْتَهُ.
وفي التفسير: أنها ابتلعَتْ جميع ما صَنَعُوه، وأنشدُوا على: لَقِفَ يَلْقَفُ، كـ "عَلِمَ يَعْلَمُ" قول الشَّاعِر: [السريع]

2543 - وأنتَ عَصَا مُوسَى الَّتي لَمْ تَزَلْ تَلْقَفُ مَا يَصْنَعُهُ السَّاحِرُ

ويُقَالُ: رَجُلٌ ثقفٌ لقفٌ، وثَقِيفٌ لَقِيفٌ، بَيِّن الثَّقافة واللَّقَافة. ويُقَالُ: لَقِفَ ولَقِمَ بمعنى واحدٍ، قاله أبُو عُبيدٍ.
ويقالُ: تَلْقَفُ، وتَلْقَمُ، وتَلْهَمُ: بمعنًى واحدٍ.
والفَاءُ في "فإذَا هِيَ" يجوزُ أن تكُون العاطفة، ولا بُدَّ من حَذْفِ جملةٍ قَبْلهَا ليترتَّبَ ما بعد الفاءِ عليها، والتقديرُ: "فألْقَاهَا فإذا هِيَ".
وَمَنْ جوَّز أن تكون الفاءُ زائدةً في نحو: "خَرَجْتُ فإذا الأسَدُ حَاضِرٌ" جوَّز زيادتها هُنَا.
وعلى هذا فتكونُ هذه الجملةُ قد أوحيت إلى موسى كالَّتي قَبْلَهَا.
وأمَّا على الأوَّل - أعني كون الفاءِ عاطفةً - فالجملةُ غير موحى بها إليه.
قوله: "مَا يَأفكونَ" يجوزُ في "ما" أن تكون بمعنى "الذي" والعائدُ محذوفٌ، أي: الذي يأفِكُونهُ.
ويجوز أن تكُون "ما" مصدرية، "والمصدر" حينئذٍ واقعٌ موقعَ المفعُولِ به، وهذا لا حَاجةَ إلَيْهِ.
وذلك قولُهُ: {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يَجُوز أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، فيكونُ المعنى: بَطَلَ الحبالُ والعِصيُّ الذي عملوا به السِّحر: أي: زَالَ، وذهب بِفُقْدانِهَا، وأن تكون مصدرية، أي: وبطل الذي كانوا يعملونه، أو عملهم.
وهذا المصدرُ يجوزُ أن يكون على بابه.
وأن يكون واقعاً موقع المفعول به. بخلاف "مَا يَأفكُون" فإنَّ يتعيَّنُ أن يكُونُ واقعاً موقع المفعُولِ به ليصحَّ المعنى؛ إذ اللَّقْفُ يستدعي عَيْناً يصحُّ تسلُّطُه عليها.
ومعنى الإفكِ في اللُّغةِ: قلبُ الشَّيءِ عن وجْههِ، ومنه قِيلَ للكذبِ إفْكٌ، لأنَّهُ مقلْوبٌ عن وجهه.
قال ابنُ عبَّاسٍ: "مَا يَأفِكُونَ" يُريدُ: يَكْذِبُونَ، والمعنى: أنَّ العصا تلقَفُ ما يأفِكُونَهُ، أي: يَقْلِبُونَهُ عن الحَقِّ إلى البَاطِلِ.
قوله: "فَوَقَعَ الحَقُّ" قال مُجاهدٌ والحسنُ: ظَهَرَ.
وقال الفرَّاءُ: "فتبيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ".
قال أهْلُ المعاني: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيءِ بوجوده نازلاً إلى مُسْتَقرِّهِ، {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، من السِّحْرِ، وذلك أنَّ السَّحرة قالوا: لئن كان ما صنعَ موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - سِحراً لَبَقِيَتْ حبالُنَا وعصينا ولم تُفْقَدْ، فلما فقدت؛ ثَبَتَ أنَّ ذلك من أمر اللهِ.
قال القَاضِي: قوله: "فَوَقَعَ الحَقُّ": يفيد قُوَّة الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بحيثُ لا يَصحُّ فيه البُطلان كما لا يَصِحُّ في الواقعِ أن يصيرَ إلاَّ واقعاً.
فصل
قلت: فإن قيل: قوله: "فوقع الحَقُّ" يدُلُّ على قوَّةِ الظَّهُورِ.
فكان قوله: {وبطل ما كانُوا يَعْمَلُون} تكريراً.
فالجوابُ: أنَّ المرادَ: مع ثبوت الحقِّ زالت الأعيانُ الَّتي أفكوها، وهي الحِبَالُ والعصا، فعند ذلك ظهرت الغلبةُ.
فصل
قوله: "فَغُلِبُوا هُنالِكَ" يجوزُ أن يكون مكاناً، أي: غُلِبُوا في المكانِ الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظَّاهرُ.
وقيل: يجوزُ أن يكون زماناً، وهذا ليس أصْلُهُ، وقد أثبت لَهُ بعضهم هذا المعنى بقوله تعالى:
{ هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } [الأحزاب: 11].
ويقول الآخر: [الكامل]

2544 -............................... فَهُنَاكَ يَعْترفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ؟

ولا حُجَّةَ فيهما، لأنَّ المكانَ فيهما واضحٌ.
قوله: "وانقلبُوا صاغرينَ" أي: ذليلين مقهورين. وصاغرين حالٌ من فاعل انقلبُوا والضميرُ في انقلبُوا يجوزُ أن يعودَ على قوم فرعون وعلى السَّحرةِ، إذا جعلنا الانقلاب قبل إيمان السحرةِ، أو جعلنا انقلبُوا بمعنى: صاروا، كما فسَّره الزمخشريُّ، أي: صاروا أذلاَّءَ مبهوتين مُتَحَيِّرين.
ويجوز أن يعودَ عليهم دُونَ السَّحرةِ إذا كان ذلك بعد إيمانهم، ولم يجعلْ انْقلبُوا بمعنى: صاروا: لأنَّ الله لا يَصِفُهُم بالصَّغَارِ بعد إيمانهم.
قوله: {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}.
قال مقاتل: "ألْقاهُمُ اللَّهُ". وقيل: ألهمهم اللَّهُ أنْ يسجدُوا فَسَجَدُوا.
قال الأخفشُ: من سرعة ما سَجدُوا كأنَّهم ألقوا.
فـ "ساجدين" حال من السَّحرة، وكذلك قالوا أي ألقوا ساجدين قائلين ذلك، ويجوزُ أن يكُون حالاً من الضَّمير المستتر في ساجدينَ.
وعلى كلا القولين هُمْ متلبِّسُون بالسُّجُودِ للَّهِ تعالى.
ويجوزُ أن يكون مستأنفاً لا محلَّ له، وجعله أبُو البقاءِ حالاً من فاعل "انْقَلَبُوا"، فإنَّهُ قال: "يجوزُ أن يكُون حالاً، أي: فانْقَلَبُوا صاغرين".
قالوا وهذا ليس بجيِّد للفصل بقوله "وَألقى السَّحرةُ".
قوله: {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
قال المفسِّرونَ: لما قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال فِرعونُ: إيّايَ تعنُون؛ فقالوا: {رَبِّ مُوسَى وهارُونَ}، فـ: "ربِّ مُوسَى" يجوز أن يكون نعتاً لـ: "ربِّ العالمينَ"، وأن يكون بدلاً، وأنْ يكون عطف بيان.
وفائدةُ ذلك: نَفْيُ تَوَهُّم من يتوهَّمُ أنَّ رب العالمينَ قد يطلق على غير اللَّه تعالى، لقول فرعونَ
{ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } [النازعات: 24] وقدَّمُوا "مُوسَى" في الذِّكْرِ على "هَارُونَ" وإن كان هارون أسَنَّ منه، لكبره في الرُّتْبَةِ، أو لأنَّهُ وقع فاصِلة هنا.
ولذلك قال في سورة طه:
{ بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ } [طه: 70] لوقوع "موسى" فاصلةً، أو تكون كل طائفة منهم قالت إحدى المقالتين، فنسبَ فعل البعض إلى المجمُوعِ في سورةٍ، وفعل بعضهم الآخر إلى المجمُوعِ في أخرى.
فصل
احتجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بقوله تعالى: {وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} على أن غيرهم ألقاهُم، وما ذاك إلاَّ اللَّهُ رب العالمين، وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد خلقُ الله تعالى.
وأجاب المُعتزِلَةُ بوجوهٍ:
أحدها: أنَّهُمْ لمَّا شاهدوا الآياتِ العظيمةَ، لم يتمالَكُوا أن وقعوا ساجدين، فصاروا كأنَّ مُلقِياً ألقاهُم.
وثانيها: ما تقدَّم من تفسير الأخفش.
وثالثها: أنَّهُ ليس في الآية أنَّ ملقياً ألقاهم، فنقولُ ذلك المُلقي هُم أنفسُهم.
والجوابُ: أن خالق تلك الدَّاعيةِ في قلوبهم هو اللَّهُ تعالى، وإلا لافتقر خَلْقُ تلك الدَّاعِيِةِ إلى داعيةٍ أخرى، ولزم التَّسلسل، وهو مُحَالٌ، ثمَّ إن أصل القدرةِ مع تلك الدَّاعية الجازمة تصيرُ موجبةً للفعل، وخالقُ ذلك الموجب هو اللَّهُ تعالى، فكان ذلك الفعل مُسنداً إلى اللَّهِ تعالى.
فصل
فإن قيل: إنَّهُ تعالى ذكر أوَّلاً أنَّهُمْ صاروا ساجدين، ثمَّ ذكر بعد ذلك أنهم قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
فما الفائدة فيه مع أن الإيمان يجبُ أن يكون متقدِّماً على السُّجُودِ؟.
فالجوابُ، من وجوه، أحدها: أنَّهُم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا للَّه تعالى في الحال، وجعلوا ذلك السُّجُود شكراً لِلَّه تعالى على الفَوْزِ بالمَعْرفةِ والإيمان، وعلامة على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهاراً للتَّذلل، فكأنَّهم جعلوا ذلك السُّجُود الواحد علامةً على هذه الأمور.
وثانيها: لا يبعد أنَّهُمْ عند الذهاب إلى السُّجود قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
فصل
فإن قيل: لمّا قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} دخل موسى وهارون في جملة العالمين، فما فائدة تخصيصهما بعد ذلك؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن التقدير آمنا برب العالمين، وهو الذي دعا إلى الإيمان به وبموسى وهارون.
الثاني: خَصَّهُمَا بالذِّكْرِ تشريفاً، وتفضيلاً كقوله:
{ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [البقرة: 98].
قوله: "آمنتم" اختلف القرَّاءُ في هذا الحرف هنا، وفي طه وفي الشعراءِ، فبعضهم جرى على منوالٍ واحد، وبعضهم قرأ في موضع بشيءٍ لمْ يقرأ بِهِ في غيره، وهم في ذلك على أربع مراتب.
الأولى: قراءة الأخوينِ، وأبي بكر عن عاصمٍ بتحقيق الهمزتين في السُّور الثَّلاثِ من غير إدخال ألف بينهما، وهو استفهام إنكارٍ، وأمَّا الألفُ الثَّالثة فالْكلُّ يَقْرءُونَهَا كذلك، لأنَّهَا فاءُ الكلمة، أبدلتْ لسكونها بعد همزة مفتوحة، وذلك أنَّ أصْلَ هذه الكلمةِ أَأَأْمنْتم بثلاثِ همزاتٍ: الأولى للاستفهام، والثَّانيةُ همزة "أفْعَلَ"، والثَّالثةُ فاء الكلمة، فالثَّالثة يجبُ قلبها ألفاً، لما تقدم أوَّل الكتاب، وأمَّا الأولى فمُحَقَّقه ليس إلاَّ، وأمَّا الثَّانيةُ فهي الَّتي فيها الخلاف بالنِّسبة إلى التَّحقيقِ والتَّسْهيلِ.
الثانية: قراءة حفص وهي "آمنتم" بهمزة واحدة بعدها الألفُ المشار إليها في جميع القرآن، وهذه القراءةُ تحتمل الخبرَ المَحْضَ المتضمِّنَ للتَّوبيخ، وتحتمل الاستفهامَ المشارَ إليه، ولكنه حُذِفَ لفهم المعنى، ولقراءة الباقين.
الثالثة: قراءة نافعٍ وابن عمرٍو وابن عامر والبزِّي عن ابن كثير وهي تحقيقُ الأولى، وتسهيلُ الثانية بين بين، والألف المذكورة، وهو استفهام إنكاري، كما تقدم.
الرابعة: قراءةُ قنبلٍ عن ابنِ كثير، وهي التَّفرقةُ بين السُّور الثَّلاثِ.
وذلك أنَّهُ قرأ في هذه السُّورة حال الابتداء بـ "أآمنتم" بهمزتين، أولاهما محققة والثَّانية مُسَهَّلة بَيْنَ بَيْنَ وألف بعدها كقراءة البزِّي، وحال الوصل يقرأ: {قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنْتُم} بإبدال الأولى واواً، وتسهيل الثَّانية بين بين وألف بعدها، وذلك أنَّ الهمزة إذا كانت مفتوحةً بعد ضمَّةٍ جاز إبدالُهَا واواً سواء أكانت الضَّمَّةُ والهمزةُ في كلمةٍ واحدةٍ نحو: مُرْجَؤونَ، و
{ يُؤَاخِذُكُمُ } [البقرة: 225] ومُؤجَّلاً أم في كلمتين كهذه الآيةِ، وقد فعل ذلك أيضاً في سورة الملك في قوله: { وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ ءَأَمِنتُم } [الملك: 15-16] فأبدلَ الهمزةَ الأولى واواً، لانضمام ما قَبْلهَا حال الوصل، وأمَّا في الابتداءِ فيخففها لزوال الموجبِ لقلبها، إلاَّ أنَّه ليس في سورة الملكِ ثلاثُ همزاتٍ، وسيأتي إن شاء اللَّهُ تعالى في موضعه.
وقرأ في سورة طه كقراءة حفص: أعني بهمزة واحدة بعدها ألف، وفي سورة الشعراء كقراءة رفيقه البزّيّ، فإنَّهُ ليس قبلها ضمة؛ فيبدلها واواً في حال الوصل.
وقد قرىء لقنبل أيضاً بثلاثة أوجُهٍ في هذه السُّورةِ وَصْلاً وهي: تسكينُ الهمزةِ بعد الواوِ المبدلة، أو تحريكها، أو إبدالها ألفاً، وحينئذٍ يُنطق بِقَدْرِ ألفيْنِ.
ولم يُدخلْ أحدٌ من القراء مدًّا بين الهمزتين هنا سواءً في ذلك من حقَّق أو سهَّل، لئلاَّ يجتمع أربعُ متشابهاتٍ، والضميرُ في "به" عائدٌ على اللَّهِ تعالى لقوله: {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ويجوزُ أن يعود على موسى، وأمَّا الذي في سورة طه والشعراء في قوله {آمنتُمْ له} فالضَّميرُ لموسَى لقوله {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ}.
فصل
اعلم أنَّ فرعون لمَّا رأى إيمان السَّحرةٍ بنبوة موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - عند اجتماع الخلق خاف من أن يصير ذلك حجّة قويَّة على صحَّةِ نبوة موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - فألقى في الحالِ شبهتين إلى أسْماعِ العوامِّ؛ ليمنع القوم من اعتقاد نُبوةِ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -.
الأولى: قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ} أي: إنَّ إيمان هؤلاء بموسى ليس لقوة الدَّليل بل لأنَّهم تَوَاطَئُوا مع مُوسى أنَّه إذا كان كذا وكذا فنحن نُؤمن بِك.
الثانية: أنَّ غرض موسى والسَّحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من المدينة، وإبطال ملكهم.
ومعلوم عند جمع العقلاء أنَّ مُفارقَةَ الوطنِ والنِّعْمَة المألوفة من أصعبِ الأمور فجمع فرعون اللّعينُ بين الشُّبهتين، ولا يوجد أقوى منهما في هذا الباب.
وروى محمَّدُ بنُ جريرٍ عن السُّدِّي في حديثٍ عن ابن عباس، وابن مسعودٍ وغيرهما من الصَّحابة رضي الله عنهم أجمعين أن موسى عليه السلام وأمير السحرة التقيا فقال موسى - عليه الصلاة والسلام -: أرأيتك إن غلبتك أن تؤمن بي وتشهدَ أنَّ ما جِئتُ به الحقّ؟ فقال الساحر: واللَّهِ لئن غلبتني لأومِنَنَّ بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمعُ قولهما، فهذا قولُ فرعون: {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ}.
قال القاضي: وقوله {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} دليلٌ على مناقضة فرعون في ادِّعاءِ الألوهية، لأنَّهُ لو كان إلهاً لما جاز أن يأذنَ لهم في أن يُؤمنوا به مع أنَّهُ يدعُوهُمْ إلى إلهيَّةِ غيره، وذلك من خذلان اللَّهِ الذي يظهرُ على المُبطلين.
قوله: "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" حُذِفَ مفعولُ العلم، للعلم به، أي: تعلمون ما يحلُّ بكم، وهذا وعيدٌ مجمل، ثُمَّ فَسَّرَ هذا المُبْهَمَ بقوله: "لأقَطِّعَنَّ" جاء به في جملةٍ قَسَمِيَّةٍ؛ تأكيداً لِمَا يَفْعَله.
وقرأ مجاهدُ بنُ جبر، وحميد المكي، وابنُ مُحَيْصنٍ:
"لأقْطعَنَّ" مخففاً من "قَطَعَ" الثلاثي، وكذا لأصْلُبَنّكُم من "صَلَبَ" الثلاثي.
رُوي بضم اللام وكسرها، وهما لغتان في المضارع، يُقال: صَلَبَهُ يَصْلُبُهُ ويَصْلِبُهُ.
قوله: "مِنْ خلافٍ" يُحتمل أن يكون المعنى: على أنَّهُ يقطع من كُلِ شقٍّ طرفاً، فيقطع اليدَ اليمنى، والرِّجل اليسرى، وكذا هو في التفسير، فيكونُ الجارُّ والمجرور في محلِّ نصبٍ على الحال، كأنَّهُ قال: مُختلفةً، ويُحْتملُ أن يكون المعنى: لأقَطِّعَنَّ لأجْلِ مخالفتكم إيَّاي فتكون "مِنْ" تعليليةً وتتعلَّق على هذا بنفس الفعل، وهو بعيدٌ.
و "أجْمَعِينَ" تأكيدُ أتى به دون كلّ وإن كان الأكثرُ سبقهُ بـ "كلّ" وجيء هنا بـ "ثُمَّ"، وفي: طه والشعراء بالواو، لأن الواو صالحةٌ للمُهْلة، فلا تَنَافِيَ بين الآيات.
فصل
اختلفوا هل فعل بهم ذلك أم لا؟ فنقل عن ابْنِ عبَّاسٍ أنَّهُ فعل بهم ذلك.
وقال غيره: لم يقع من فرعون ذلك، بل استجاب اللَّه دعاءهم في قولهم: "وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ".
وقوله: {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} جَوَّزُوا في هذا الضَّمير وجهين، أحدهما: أنَّهُ يَخُصُّ السَّحرةَ، لقوله بعد ذلك {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا} فإنَّ الضَّميرَ في مِنَّا يَخُصُّهُمْ.
وجَوَّزُوا أن يعود عليهم، وعلى فرعون، أي: إنَّا - نحن وأنت - ننقلب إلى اللَّهِ، فيُجازي كلاًّ بعمله، وهذا وإن كان هو الواقعَ إلاَّ أنَّهُ ليس من هذا اللَّفظِ.
قوله وَمَا تَنقِمُ قد تقدَّم في المائدةِ أنَّ فيه لغتين وكيفية تعدِّيه بـ "مِنْ" وأنَّهُ على التَّضمين.
وقوله: {إلاَّ أنْ آمنَّا} يجوز أن يكون في محلَِّ نصبٍ مفعولاً به، أي: ما تَعِيبُ علينا إلاَّ إيماننا ويجوزُ أن يكون مفعولاً من أجله، أي: ما تنال مِنَّا وتعذِّبنا لشيءٍ من الأشياء إلاَّ لإيماننا وعلى كلا القولينِ فهو استثناءٌ مفرغ.
قوله "لَمَّا جَاءَتْنَا" يجوزُ أن تكون ظرفيةً كما هو رأي الفارسي، وأحد قولي سيبويه، والعامِلُ فيها على هذا آمَنَّا أي: آمنَّا حين مجيء الآيات، وأن تكون حرف وجوب لوجوبٍ، وعلى هذا فلا بدَّ لها من جواب وهو محذوف تقديره: لما جاءتنا آمّنا بها من غير توقّف.
قوله: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} معنى الإفراغ في اللُّغَةِ: الصَّبُّ. وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه بالكليَّة، فكأنَّهُمْ طلبوا من اللَّه كلَّ الصَّبْرِ لا بعضه.
ونكَّرُوا "الصَّبْر" وذلك يدلُّ على الكمالِ والتَّمَامِ، أي: صبراً كَاملاً تاماً، كقوله تعالى:
{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ } [البقرة: 96] أي: على حياة كاملة تامَّةٍ.
وقوله: {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} أي: توفنا على الدِّين الحقِّ الذي جاء بِهِ موسى. واحْتَجَّ القاضي بهذه الآية على أنَّ الإيمان والإسلامَ واحد.
فقال: إنَّهُم قالوا أوَّلاً: {آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا}، ثمَّ ثانياً، "وَتَوَفَّنَا مُسْلِمينَ"، فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان.
قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ}.
[اعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف، فلهذا لم يحبسه ولم يتعرض له بل خلى سبيله، فقال له قومه: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض].
أي: يُفسدوا على النَّاسِ دينَهُمْ.
قوله: "وَيَذَركَ" العامةُ "ويَذَرَكَ" بالغيبةِ، ونصب الرَّاءِ، وفي النَّصْبِ وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ عطف على "لِيُفْسِدُوا" والثاني: أنَّهُ منصوبٌ على جواب الاستفهام كما يُنْصب في جوابه بعد الفاء؛ كقول الحُطيئةِ: [الوافر]

2545 - ألَمْ أكُ جَارَكُمْ ويكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخَاءُ؟

والمعنى: كيف يكون الجمعُ بين تَرْكِكَ موسى وقومه مفسدين، وبين تركهم إيَّاك وعبادةِ آلهتك، أي: لا يمكن وقوعُ ذلك.
وقرأ الحسنُ في رواية عنه ونعيمُ بن ميسرة "ويَذَرُكَ" برفع الرَّاء، وفيها ثلاثة أوُجه:
أظهرها: أنَّه عطف نسق على "أتذر" أي: أتطلق له ذلك.
الثاني: أنه استئناف أي، إخبار بذلك.
الثالث: أنَّهُ حالٌ، ولا بدَّ من إضمارِ مبتدأ، أي: وهو يَذَرُكَ.
وقرأ الحسنُ أيضاً والأشهبُ العُقَيْلِيُّ "وَيَذَرْكُ" بالجزم، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّه جزم على التَّوهُّم، كأنه توهَّم جزم "يُفْسِدُوا" في جواب الاستِفْهَامِ وعطف عليه بالجزمِ، كقوله:
{ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } [المنافقون: 10] بجزم "أكُنْ".
والثاني: أنَّهَا تخفيفٌ كقراءة أبي عمرو
{ يَنصُرْكُمُ } [آل عمران: 160] وبابه.
وقرأ أنس بن مالك "ونَذَرُكَ" بنون الجماعة ورفع الرَّاءِ، تَوَعَّدُوهُ بذلك، أو أنَّ الأمْرَ يؤولُ إلى ذلك فيكونُ خبراً محضاً. وقرأ عبد الله والاعمش بما يخالف السَّوادَ، فلا حاجة إلى ذكره.
وقرأ العامةُ "آلهَتَكَ" بالجمع.
رُوِيَ أنه كان يعبدُ آلهةً متعددة كالبَقَرِ، ولذلك أخرجَ السَّامري لهم عجلاً، ورُوِي أنَّهُ كان يعبدُ الحِجارةَ والكواكب، أو آلهتَه التي شَرَعَ عبادتَهَا لهم وجعل نَفْسَهُ الإله الأعلى في قوله:
{ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } [النازعات: 24].
وقرأ علي بنُ أبي طالب، وابنُ مسعود، وابن عبَّاسٍ، وأنسٌ وجماعةٌ كثيرةٌ "وإلاهتكَ"، وفيها وجهان:
أحدهما: أنَّ "الإلاهَةَ" اسمٌ للمعبود، ويكونُ المرادُ بها معبودَ فرعون، وهي الشَّمْسُ.
رُوى أنَّهُ كان يعبُد الشَّمْسَ، والشَّمْسُ تُسَمَّى "الإهَةً"، عَلَماً عليها، ولذلك مُنِعَت الصَّرف، للعلميَّة والتأنيث؛ قال الشَّاعرُ: [الوافر]

2546 - تَرَوَّحْنَا مِنَ اللَّغْباءِ عَصْراً فأعْجَلْنَا الإلهَةَ أنْ تَئُوبَا

والثاني: أنَّ الإلاهة مصدرٌ بمعنى العبادة، أي وتذرُ عبادتك، لأنَّ قومه كانوا يعبدونه.
ونقل ابنُ الأنْباري عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ كان يُنكر قراءة العامَّة، ويقرأ "وإلاهتك"، وكان يقول: إنَّ فرعون كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.
قال ابنُ الخطيبِ: والذي يخطر ببالي أنَّ فرعون إن قلنا: إنَّه ما كان كامل العقل لم يَجُزْ في حكم اللَّهِ تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان عَاقِلاً لم يَجُز أنْ يعتقدَ في نفسه كونه خالقاً للسَّمواتِ والأرضِ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك، لأنَّ فسادهُ معلوم بالضَّرُورةِ، بل الأقربُ أن يقال: إنَّهُ كان دَهْرياً مُنكراً لوجود الصَّانِعِ، وكان يقُولُ: مُدبِّرُ هذا العالم السُّفْلي هو الكواكِبُ، وأنا المخدوم في العالمِ للخلق، والمُربي لهم فهو نفسه.
فقوله:
{ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } [النازعات: 24] أي: مُرببكم والمنعم عليكم والمطعم لكم.
وقوله:
{ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } [القصص: 38] أي: لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلاَّ أنا، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنَّهُ كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب يعبدها، ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب، وعلى هذا فلا امتناع في حمل قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} على ظاهره.
قوله: "قَالَ سَنُقَتِّلُ" قرأ نافعٌ وابْنُ كثير بالتخَّفيفِ سنقتل والباقون بالتضعيف لتعدُّد المحالّ. وسيأتي أنَّ الجماعة قَرَءُوا "يُقَتِّلُونَ أبناءكم" بالتضعيف إلاَّ نافعاً فيخفف.
فتخلص من ذلك أنَّ نافعاً يقرأ الفعلين بالتخفيف، وابن كثير يُخَفف "سنَقْتُل" ويثقل "يُقَتِّلُونَ"، والباقون يثقِّلونهما.
قوله: "ونستحيي نِسَاءهُمْ". أي نتركهم أحياء. والمعنى: أنَّ موسى إنَّما يُمْكنه الإفسادُ برهطه وبشيعته فنحنُ نسعى في تقليل رهطه وشيعته، بأنْ نقتِّلَ أبناء بني إسرائيل، ونستحيي نساءهم.
ثم بَيِّن أنَّهُ قادرٌ على ذلك بقوله: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} أي: إنَّمَا نترك موسى لا مِنْ عجزٍ وخوفٍ، ولو أردنا البَطْشَ به لقدرنا عليه.
قال ابنُ عباس: أمر فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل، فشكت ذلك بنو إسرائيل إلى موسى، فقال لهم مُوسَى: {ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ} يعني أرض مصر.
قوله: "يُورِثهَا" في محلِّ نصب على الحَالِ، وفي صاحبها وجهان:
أحدهما: الجلالة، أي هي له حال كونه مُورِثاً لها من يشاؤه.
والثاني: أنَّه الضَّميرُ المستترُ في الجَارِّ أي: إنَّ الأرضَ مستقرة للَّهِ حال كونها مُوَرَّثَةً من الله لمن يشاءُ، ويجوز أن يكون "يُورِثُهَا" خبراً ثانياً، وأنْ يكون خبراً وحده، و "لِلَّهِ" هو الحالُ، و "مَن يشاءُ" مفعولٌ ثاني ويجوزُ أن تكون جملةً مستأنفة.
وقرأ الحسنُ، ورُويت عن حفص "يُوَرِّثُهَا" بالتشديد على المبالغة، وقرىء "يُورَثها" بفتح الراء مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل هو: "مَن يَشَاءُ". والألفُ واللاَّم في "الأرض" يجوزُ أن تكون للعهدِ، وهي أرضُ مصر كما تقدَّم، أو للجنس، وقرأ ابن مسعود بنصب "العَاقِبَة" نسقاً على الأرض و "للمتَّقينَ" خبرُها، فيكون قد عطف الاسم على الاسم، والخبر على الخبر فهو مِنْ عطف الجمل.
فصل
قال الزمخشريُّ: فإن قلت: لِمَ أخليَتْ هذه الجملة من الواو وأدخلتْ على الَّتي قبلها؟.
قلت: هي جملةٌ مبتدأةٌ مستأنفةٌ، وأمَّا: "وقَالَ الملأ" فهي معطوفة على ما سبقها من قوله: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ}. والمرادُ من قوله: "والعاقِبَةُ" أي النَّصْرُ والظفر، وقيل: الجَنَّةُ.
فصل
قوله: {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}. لما هدَّد فرعونُ قوم موسى وتوعدهم خافوا، و {قَالُوا أوذينا من قبل أن تَأتِينَا} لأنَّهم كانُوا قبل مجيء موسى - عليه الصلاة والسلام - كانوا مستضعفين في يد فرعون، يأخذُ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمالِ الشَّاقة، ويمنعهم من الترفة، ويقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فلمَّا بعث اللَّهُ موسى - عليه الصَّلاة والسلام - قوي رجاؤُهم في زوال تلك المضار، فلما سمعوا تهديدَ فرعون ثانياً عظُم خوفُهُم، فقالوا هذا الكلام.
فصل
فإن قيل: هذا القول يدلُّ على كراهتهم مجيء موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - وذلك يوجب الكفر.
فالجواب: أنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - لمَّا جاء وعدهم بزوال تلك المضار فَظَنُّوا أنَّهَا تزول على الفور، فلَّما رأوا أنَّهَا ما زالت رجعوا إليه في معرفة كيفية ذلك الوعد، فبيَّن لهم موسى - عليه السلام - أن الوعدَ بإزالتها لا يُوجِب الفور، بل لا بدَّ أن يستنجزَ ذلك الوعد في الوقت المقدر لَهُ.
فالحاصل أنَّ هذا ما كان نُفرةً عن مجيء موسى بالرِّسالةِ، بل استكشافاً لكيفية ذلك.
فعند هذا قال موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ}. قال سيبويه: "عَسَى" طمع وإشفاق. قال الزَّجَّاجُ: وما يطمع اللَّه فيه فهو واجب.
ولقائل أن يقول: هذا ضعيف؛ لأنَّ لفظ "عسى" ههنا ليس كلام اللَّه بل هو حكاية عن كلام موسى، ويُجاب بأنَّ هذا الكلامِ إذا صدر عن الرسول الذي ظهرت نبوته بالمعجزات أفاد قوة اليقين فَقَوَّى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - قلوبهم بهذا القولِ وحقَّق عندهم الوعدَ ليصبروا ويتركوا الجزع المذموم.
قال القرطبي: "جَدَّدَ لهم الوعدَ وحقَّقَهُ. وقد استُخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان - عليهما الصَّلاة والسَّلام -، وفتحُوا بيت المقدس مع يُوشع بن نون كما تقدم، وروي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى، وتبعهم فرعون، فكان وراءهم، والبحرُ أمامهم، فحقَّقَ اللَّه الوعد: بأن غرق فرعون وقومه، وأنجاهم".
ثُم بيَّن بقوله: {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ما يَجْرِي مجرى الحثِّ له على التَّمسُّك بطاعة اللَّهِ.
واعلم أنَّ النظر قد يُراد به النَّظر الذي يفيد العِلْمَ، وهو على اللَّهِ محال، وقد يُرَادُ به تقليب الحدقة نحو المرئيّ التِمَاساً لرؤيته وهو أيضاً على اللَّهِ محال، وقد يراد به الرُّؤية، ويجب حملُ اللَّفْظِ ههنا عليها.
قال الزَّجَّاجُ: أي يرى ذلك بوقوع ذلك منكم، لأنَّ اللَّه تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم وإنَّمَا يجازيهم على ما يقعُ منهم.
فإن قيل: إذا حملتم هذا النَّظَر على الرُّؤيَةِ لزم الإشكالُ، لأن الفاءَ في قوله: "فَيَنْظُرَ:" للتعقيب، فيلزم أن تكون رؤية اللَّهِ لتلك الأعمال متأخرة عن حصول تلك الأعْمَالِ، وذلك يُوجِبُ حُدُوث صفة في ذات اللَّهِ.
فالجواب: أن المعنى تعلُّق رؤية اللَّه تعالى بذلك الشَّيءِ، والتَّعلق نسبة حادثة، والنِّسَبُ والإضافاتُ؛ لا وجود لها في الأعيانِ، فلم يلزم حدوث الصِّفةِ الحقيقية في ذات اللَّهِ تعالى.
وقد حَقَّقَ اللَّهُ ذلك الوعدَ، فأغرق فرعون واستخلفهم في ديارهم، وأموالهم؛ فعبدُوا والعِجْلَ.