التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
١٤١
وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ
١٤٢
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٤٣
-الأعراف

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم}. قرأ العامة مسنداً إلى المُعَظِّم، وابْنُ عامر أنْجَاكُمْ مسنداً. إلى ضمير اللَّهِ تعالى جرياً على قوله: "وَهُوَ فَضَّلَكُمْ"، وقرىء: "نَجَّيْنَاكُمْ" مُشَدّداً، و [قد] تقدَّم الخلافُ في تشديد "يقتلون" وتخفيفها قبل هذه الآية، وتقدَّم في البقرةِ إعراب هذه الآية وتفسيرها.
فصل
والفائدةُ في ذكرها ههنا: أنَّهُ تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة، فكيف يليقُ الاشتغالُ بعبادة غير اللَّهِ تعالى.
قوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ} تقدَّم الخلافُ في "وَعَدْنَا" و "وَاعَدْنَا" وأنَّ الظَّرْفَ بعد مفعول ثاني على حذفِ مضافٍ، ولا يجوزُ أن يكون ظرفاً لِفسادِ المعنى في البقرة فكذا هنا، أي: وَعَدْنَاهُ تمامَ ثلاثين، أو إتيانها، أو مناجاتها.
قوله: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنَّهُ يعود على المُواعدةِ المفهومةِ من وَاعَدْنَا أي: وأتممنا مواعدته بعشر.
الثاني: أنَّهُ يعود على ثلاثين قاله الحوفي.
قال أبُو حيَّان: ولا يظهر؛ لأنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةً فتتمَّ بعشر، وحُذِف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه أي: وأتْمَمْنَاهَا بعَشْرٍ ليالٍ، وفي مصحف أبي وَتَمَّمْنَاهَا بالتَّضعيف، عَدَّاهُ بالتَّضْعِيفِ.
قوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ} الفَرْقُ بين الميقاتِ، والوَقْتِ، أن الميقاتَ: ما قُدِّرَ فيه عملٌ من الأعمال، والوقت: وقت الشَّيءِ من غير تقدير عملٍ، أو تقريره.
وفي نصب "أرْبَعِينَ" أربعةُ أوجُهٍ:
أحدها: أنَّهُ حال.
قال الزَّمخشريُّ: "وأربَعِينَ" نصب على الحَالِ: أي تَمَّ بالغاً هذا العدد.
قال أبو حيان فعلى هذا لا يكون الحال "أربعين"، بل الحالُ هذا المحذوف فينافي قوله.
قال شهابُ الدِّين: لا تنافي فيه، لأنَّ النُّحاةَ لم يزالوا ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حذفِ عامله المنوب عنه، وله شواهد منها: زيد في الدَّارِ، أو عندك.
فيقولون: الجارُّ والظَّرْفُ خبر، والخبرُ في الحقيقة: إنَّمَا هو المحذوفُ المقدَّرُ العاملُ فيهما، وكذا يقولون: جاء زيدٌ بثيابه، فـ "بثيابه" حال، والحال إنَّمَا هو العاملُ فيه إلى غير ذلك وقدَّرَهُ الفارسي بـ: معدوداً.
قال: كقولك: تَمَّ القوم عشرين رجلاً، أي: معدودين هذا العدد وهو تقديرٌ حسنٌ.
الثاني: أنَّهُ ينتصبُ أرْبَعِينَ على المفعولِ به.
قال أبُو البقاءِ: "لأنَّ معناه بلغ، فهو كقولهم: بَلَغَتْ أرْضُكَ جريبين" أي: بتضمين "تَمَّ"معنى "بَلَغَ".
الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرف.
قال ابْنُ عطيَّة: "ويصحُّ أن يكون أربعين ظرفاً من حيث هي عددُ أزمنة"، وفي هذا نظرٌ، كيف يكون ظرفاً للتَّمام، والتَّمامُ إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوَّزٍ بعيد، وهو أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أم آخراً إذا نقص ذهب التَّمامُ.
الرابع: أن يَنْتَصِبَ على التَّمييز
قال أبُو حيَّان: والأصل: فَتَمَّ أربعون ميقاتُ ربّه، ثمَّ أسند التَّمامَ إلى ميقات وانتصب أربعون على التَّمييز. فهو منقولٌ من الفاعليَّة، يعني فيكون كقوله:
{ وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } [مريم: 4] وهذا الذي قاله وجعلهُ هو الذي يظهر يشكل بما ذكره هو في الرَّدِّ على الحُوفيِّ؛ حيثُ قال هناك "إنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةً، فَتتمَّ" لذلك ينبغي أن يقال هنا: إن الأربعين لم تكن ناقصة فتتم فكيف يُقدِّر: فتَمَّ أرْبَعُون ميقاتُ ربِّهِ؟ فإن أجاب هنا بجوابٍ، فَهُوَ جوابٌ هناك لِمَنِ اعترضَ عليه.
وقوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} في هذه الجملة قولان:
أظهرهما: أنَّهَا للتأكيد، لأنَّ قوله قبل ذلك: "وأتْمَمْنَاهَا بعشْرٍ" فُهِمَ أنَّها أربعون ليلةً.
وقيل: بل هي للتَّأسيس، لاحتمالِ أن يتوهَّم مُتوهِّمٌ بعشر ساعات، أو غير ذلك، وهو بعيدٌ.
وقوله رَبِّهِ ولم يقل: مِيَقاتُنَا جَرْياً على "واعَدْنَا" لِمَا في إظهار هذا الاسمِ الشَّريف من الاعترافِ بربوبية اللَّه له وإصلاحه له.
فصل
روي أنَّ موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - وعد بني إسرائيل وهو بمصر: إن أهلك اللَّه عدوَّهم؛ أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلمَّا هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب فهذه الآيةُ في بيان كيفية نزول التَّوراةِ.
فصل
فإن قيل: "الأربعون" المذكورة في البقرة: هي هذه الأربعُونَ المفصَّلةُ ههنا، فما فائدة التَّفصيلِ؟ فالجوابُ من وجوه:
الأول: أنَّهُ تعالى أمر موسى بصوم ثلاثين يوماً، وهو شهرُ ذي القعدة فلمَّا تَمَّ الثَّلاثين أنكر خلوف فِيهِ فتسَوَّكَ فقالت الملائكةُ: كنا نشم من فيكَ رائحةَ المِسْكِ؛ فأفسدتهُ بالسِّواك، فأوْحَى الله إليه أما عَلِمتَ أنَّ خلُوفَ فَم الصَّائِمِ أطْيَبُ عندي من ريح المِسْكِ؟ فأمره اللَّهُ تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحِجَّةِ لهذا السَّبَبِ.
الثاني: أنَّ الله تعالى أمرهُ بصوم ثلاثين يوماً، وأن يعمل فيها ما يُقرِّبُه إلى اللَّهِ تعالى، ثم أنزلَ التَّوْراةَ العشر من ذي الحِجَّةِ، وكلَّمَهُ أيضاً فيه فهذه فائدة تفصيل الأربعين إلى الثَّلاثينَ، وإلى العشرةِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ ومسروق ومجاهد: الثَّلاثين ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحِجَّةِ، فعلى هذا يكون كلام ربه له يوم عيدِ النَّحْرِ.
وفي مثله أكمل اللَّهُ عزَّ وجلَّ دين محمد صلى الله عليه وسلم.
الثالث: قال أبُو مسلمٍ في سورة طه: إنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - بادر إلى ميقات ربه قبل قومه، لقوله تعالى:
{ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَٰمُوسَىٰ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي } [طه: 83،84].
فجائز أن يكون موسى أتى الطُّور عند تمام الثلاثين، فلمَّا أعلمه اللَّهُ خبر قومه مع السَّامرين، رجع إلى قومه قبل تمامِ ما وعده، ثمَّ عاد إلى الميقاتِ في عشر أخر، فتم ميقات ربه أربعين ليلةً.
الرابع: قيل لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه الصلاة والسلام وحده، والوعد الثاني حضره المختارون معه لِيسمَعُوا كلامَ اللَّهِ، فصار الوعدُ مختلفاً لاختلاف الحاضرين.
قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي}. الجمهور على فتح نون هَارُونَ وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه مجرورٌ بدلاً من أخيهِ. الثاني: أنَّه عطفُ بيان له. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار: أعني، وقُرِىء شاذاً بالضَّمِّ، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ منه حرفُ النِّداءِ، أي: يا هارونُ كقوله:
{ يُوسُفُ } [يوسف: 29].
والثاني: أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف، أي: هُو هارونُ. وهذا في المعنى كالوجهِ الذي تقدَّم من أنه منصوبٌ بإضمار: أعني، فإنَّ كليهما قطع.
وقال أبُو البقاء: "ولو قُرِىءَ بالرَّفْعِ" وذكرهما، وكأنَّهُ لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة.
قال: "ومن دعاك منهم إلى الفَسَادِ؛ فلا تتبعه، ولا تطعه" وقال اخْلُفْني أي: كن خليفتي في قومي وأصْلِحْ وكُنْ مصلحاً، أو وَأصْلِحْ ما يجبُ أن يُصْلَحَ من أمور بني إسرائيل.
{وَقَالَ مُوسَىٰ} عند انطلاقه إلى المناجاة لأخِيهِ هارُونَ.
فإن قيل: إن هارون كان شريك موسى - عليهما الصَّلاة والسَّلام - في النبوَّةِ، فكيف جعله خليفة لنفسه؛ فإن شريك الإنسانِ أعلى حالاً من خليفته وَرد الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدْنَى يكون إهانة له.
فالجوابُ: أن الأمْرَ، وإن كان كما ذكرتم، إلاَّ أنَّ مُوسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان هو الأصل في تلك النبوَّةِ.
فإن قيل: لما كان هارُون نبيّاً، والنَّبيُّ لا يفعلُ إلاَّ الأصلح فكيف وصَّاهُ بالإصلاح؟
فالجوابُ: أنَّ المقصودَ من هذا الأمْرِ: التَّأكيدُ كقوله تعالى:
{ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [البقرة: 260].
قوله: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} اللام في لِمِقَاتِنَا للاختصاص، وكذا في قوله تعالى
{ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } [الإسراء: 78]، وليست بمعنى عند.
قوله: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}، هذه الفائدة التي لأجلها حضر موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الميقات واختلفُوا في أنَّهُ تعالى كلَّمَ مُوسَى وحدَه، أو مع أقوام آخرين. وظاهر الآيةِ أنَّهُ تعالى كَلَّمَهُ وحده؛ لأنَّهُ يدلُّ على تخصيص موسى بهذا التَّشريف.
وقال القَاضِي: "بل السَّبْعُونَ المختارُونَ سمعوا كلام الله؛ لأن الغرضَ بإحضارهم أن يخبرُوا قومَ موسى عمَّا يَجْرِي هَنَاكَ".
فصل
دَلَّت الآيةُ على أنَّهُ تعالى يجوز أن يُرَى؛ لأنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - سأل الرُّؤية، ولا شَكَّ أنَّه كان عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على اللَّهِ، فلو كانت الرُّؤية ممتنعة على اللَّه تعالى لما سألها، وأنكرت المعتزلةُ ذلك، والبحثُ في هذه المسألة مذكورة في كتب أصُولِ الدِّينِ.
فصل
نقل عن ابن عبَّاس أنه قال: جاء موسى ومعه السَّبْعُون، وصعد موسى الجبلَ وبقي السَّبعون في أسفل الجبل، وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، وكتب له في الألواح كتاباً وقرَّبُه نَجِيًّا، فلمَّا سمع موسى صرير القلم عظم شوْقُهُ.
فقال: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}.
قوله: "أرنِي" مفعولُه الثَّانِي محذوفٌ، تقديره: أرني نَفسكَ، أو ذاتكَ المقدَّسةَ، وإنَّما حذفهُ مبالغةً في الأدب، حيثُ لم يواجِهْهُ بالتَّصريح بالمفعول، وأصل "أرِنِي"أرْإنِي" فنُقِلَتْ حركةُ الهمزة، وقد تقدَّم تَحْريرُه.
فصل
فإن قيل: النَّظَرُ إمَّا أن يكون عبارة عن الرُّؤية، أو عن مقدِّمتها، وهي تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التِمَاساً لرؤيته، وعلى التَّقديرِ الأولِ: يكون المعنى: أرِنِي حَتَّى أراك، وهذا فاسدٌ، وعلى التقديرِ الثانِي: يكون المعنى: أرِنِي حتى أقلِّبَ الحدقة إلى جانبك وهذا فاسدٌ لوجهين: أحدهما: أنَّهُ يقتضي إثبات الجهة. والثاني: أنَّ تَقْلِيبَ الحدقةِ إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية؛ فجعله كالنَّتِيجَةِ عن الرُّؤيةِ وذلك فاسد.
فالجوابُ: أن معنى أرِنِي: اجعلني متمكناً من رؤيتك حتَّى أنظر إليك وأرَاكَ.
فإن قيل: كيف سأل الرُّؤية وقد علم أنَّهُ لا يرى؟
قال الحسنُ: هاج به الشَّوق؛ فسأل الرؤية.
وقيل: سأل الرُّؤية ظَنّاً منه أنَّهُ يجوز أن يرى في الدُّنيا.
قوله: "لَن تَرَانِي" قد تقدَّم أنَّ "لَنْ" لا يلزم مِنْ نَفْيِهَا التَّأبِيدُ، وإن كان بعضُهم فهم ذلك، حتى إنَّ ابن عطيَّة قال "فلو بَقينَا على هذا النَّفي المجرَّد لتضمن أنَّ موسى لا يراه أبَداً، ولا في الآخرة لكن ورد من جهةٍ أخرى في الحدث المتواتر أنَّ أهلَ الجنَّةِ يَرَوْنَهُ".
قال شهابُ الدِّينِ: "وعلى تقدير أنّ "لَنْ" ليست مقتضيةً للتَّأبيد، فكلامُ ابْنِ عطيَّة وغيره مِمَّنْ يقولُ: إنَّ نفيِ المستقبل بعدها يَعُمُّ جميع الأزمنة المستقبلة - صحيح، لكن لِمَدْرَكٍ آخَرَ، وهو أنَّ الفعلَ نكرةٌ، والنكرةُ في سياق النَّفي تَعُمُّ، وللبحث فيه مجال".
والدليل على أنَّ "لَنْ" لا تقتضي التَّأبيد قوله تعالى:
{ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً } [البقرة: 95] أخبر عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرةِ يقولون: { يَٰمَٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } [الزخرف: 77] { يَٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ } [الحاقة: 27].
فإن قيل: كيف قال: "لَن تَرَانِي" ولم يقل: لن تنظر إليَّ، حتَّى يُطابق قوله أنظرْ إليكَ؟ فالجوابُ أنَّ النَّظَرَ لمَّا كان مقدمة للرُّؤية كان المقصودُ هو الرُّؤيةُ لا النَّظرُ الذي لا رؤية معه.
والاستدراكُ في قوله:{وَلَـٰكِنِ ٱنْظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ} واضح، فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: {ولكن انظر إلى الجبل} فالجوابُ: المقصودُ من تعظيمُ أمر الرُّؤيةِ، وأنَّ أحَداً لا يقوى على رؤية الله تعالى إلاَّ إذَا قواه الله بمعونته وتأييده؛ ألا ترى أنَّهُ لما ظهر أثر التَّجلي والرُّؤية للجبل اندكّ؛ فدل ذلك على تعظيم أمر الرُّؤيةِ.
فصل
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف اتَّصل الاستدراكُ في قوله: ولكِن انظرْ.
قلت: اتَّصَلَ به على معنى أنَّ النَّظر إليَّ محالٌ فلا تطلبه، ولكن اطلب نظراً آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل. وهذا على رأيه من أنَّ الرُّؤية محالٌ مطلقاً في الدُّنيا، والآخرة.
قوله: {فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}: عَلَّقَ الرُّؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل على التَّجلي غير مستحيل إذا جعل الله له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالاً.
قوله {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}: قال الزَّجَّاجُ: "تَجَلَّى" أي: "ظهر وبان".
ومنه يقالُ: جلوتُ العروس إذا أبْرَزْتهَا، وجلوتُ السَّيف والمرآة: إذا أزلت ما عليهما من الصَّدَأ. وهذا الجبل أعظم جبل بمدين يقال له: زبير.
قال ابن عباس: ظهر نُور ربِّهِ للجبل.
قوله: "جَعَلهُ دَكّاً" قرأ الأخوان "دَكَّاءَ" بالمدِّ، غير منوَّن، على وزن "حمراء" والباقون بالقصر والتَّنوين، فقراءةُ الأخوين تحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّها مأخوذةٌ من قولهم: "ناقةٌ دَكَّاء" أي: منبسطة السَّنَام، غير مرتفعة، والمعنى جعله مستوياً. وإما من قولهم: أرض دكاء للناشزة روي أنَّهُ لم يذهب كله، بل ذهب أعلاه.
وأمَّا قراءةُ الجماعة فـ "الدَّكُّ" مصدر واقع موقع المفعول به بمعنى المدكوك، أي: مَدْكوكاً، أو من دكَّ، أو على حذف مضاف أي ذا دَكّ، والمعنى: جلعه مدقوقاً والدَّك والدَّقّ واحد، وهو تفتيت الشيء وَسَحْقُهُ.
وقيل: تسويته بالأرض.
في انتصابه على القراءتين وجهان، أشهرهما: أنَّهُ مفعولٌ ثان لـ "جَعَلَ" بمعنى: صَيَّرَ.
والثاني - وهو رأي الأخفش -: أنَّهُ مصدرٌ على المعنى، إذ التقدير: دَكَّهُ دَكًّا، وأما على القراءة الأولى فهو مفعول فقط أي صيره مثل ناقة دكاء أو الأرض دكاً.
وقرأ ابنُ وثَّاب دُكّاً بضم الدَّالِ والقصر، وهو جمع دَكَّاء بالمد، كـ: حُمْر في حمراء، وغُرّ في غَرَّاء أي: جعله قِطَعاً.
قال الكلبي: كسراً جبالاً صغاراً. ووقع في بعض التَّفاسير أنَّه تكسر سِتَّة أجْبُلِ، ووقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، وودقان، ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحِرَاء.
قوله: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}. الخُرُورُ: السُّقُوطُ كذا أطلقه أبو حيَّان وقيَّدَهُ الرَّاغب بسقوطٍ يُسمع له خريرٌ، والخريرُ يقال لصوت الماءِ والريحِ.
ويقال كذلك لما يَسْقُطُ من علوٍّ وصَعِقاً حالٌ مقارنةٌ.
قال اللَّيْثُ: الصَّعْقُ مثل الغَشْي يأخذُ الإنسانَ والصَّعْقَةُ الغشي.
يقال: صُعِقَ الرَّجُلُ يُصْعَقُ، فهو مصعوق.
قال ابنُ عبَّاس: مَغْشياً عليه.
وقال قتادةُ: ميتاً.
يقال: صَعِقَ إذا مات.
قال تعالى:
{ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ } [الزمر: 68] فسَّرُوه بالموتِ.
وقال:
{ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ } [الطور: 45] أي: يموتون.
قال الزمخشريُّ: "صعق أصله من الصَّاعقة".
والقولُ الأوَّلُ أولى؛ لقوله تعالى {فَلَمَّآ أَفَاقَ}.
قال الزَّجَّاجُ: ولا يقال للميتِ: قد أفاق من موته، وقال تعالى في الذين ماتوا ثم أحيوا:
{ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } [البقرة: 56].
قوله: {فَلَمَّآ أَفَاقَ} الإفاقة: رجوعُ الفهم والعقل إلى الإنسان بعد جنونٍ أو سُكرٍ ومنه إفاقة المريض، وهي رجوعُ قوته، وإفاقةُ الحلب، وهي رجوع الدِّرِّ إلى الضَّرع.
يُقال: اسْتَفِقْ ناقَتَكَ أي: اتركها حتَّى يعود لَبَنُها، والفُواق: ما بين حَلْبَتَي الحالب. وسيأتي بيانه [ص15] إن شاء الله تعالى.
قوله سُبْحَانَكَ أي: تنزيهاً لك من أن أسألك شيئاً بغير إذنك تُبْتُ إليكَ من سؤال الرُّؤية في الدُّنيا، أو من سؤال الرُّؤية بغير إذنك. {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بأنك لا تُرَى في الدنيا، أو بأنَّه لا يجوز السُّؤال منك إلاَّ بإذنك.
وقيل: أوَّلُ المؤمنين من قومي.
وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر.