التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٧
قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١٨٨
-الأعراف

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} الآية.
في كيفية النَّظْمِ وجهان:
الأول: لمَّا تكلم في التَّوحيد، والنُّبَّوةِ، والقضاء، والقدر أتبعه بالكلام في المعاد لما تقدَّم من أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلاَّ هذه الأربعة.
الثاني: لمَّا قال في الآية المتقدمة:
{ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } [الأعراف: 185] باعثاً بذلك عن المبادرة إلى التَّوبة قال بعده: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} ليتحقَّقَ في القلوب أنَّ وقت الساعة مكتوم عن الخلق ليصير المكلف مسارعاً إلى التوبة وأداء الواجبات.
فصل
قال ابنُ عباس: إنَّ قوماً من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية.
وقال الحسن وقتادة: إن قريشاً قالوا يا محمد: بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى الساعة؟
قال الزمخشريُّ: السَّاعة من الأسماءِ الغالبة كالنجم للثريَّا، وسُمِّيت القيامة بالسَّاعة لوقوعها بغتة؛ ولأنَّ حساب الخَلْقِ يقضى فيها في ساعة واحدة، فلهذا سُمِّيت بالسَّاعة أو لأنها على طُولها كساعةٍ واحدةٍ على الخَلْقِ.
قوله: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} فيه وجهان: أحدهما: أنَّ أيَّانَ خبر مقدم، ومُرْسَاهَا مبتدأ مؤخر، والثاني: أن أيَّان منصوب على الظَّرْفِ بفعل مضمر، ذلك الفعل رافع لـ "مُرْسَاهَا" بالفاعليَّةِ، وهو مذهب أبي العباس، وهذه الجملة في محلِّ نصب بدل من السَّاعة بدل اشتمال، وحينئذٍ كان ينبغي أن لا تكون في محل جرٍّ؛ لأنها بدل [من] مجرور وقد صرَّح بذلك أبُو البقاءِ فقال: والجملةُ في موضع جرٍّ بدلاً من السَّاعة تقديره: يسألونك عن زمان حلول الساعة. إلاَّ أنَّهُ مَنَعَ من كونها مجرورة المحل أنَّ البدل في نيَّة تكرار العامل،والعامل هو يَسْألُونَكَ والسُّؤالُ تعلق بالاستفهام وهو مُتَعَدٍّ بـ "عَنْ" فتكون الجملة الاستفهامية في محلِّ نصبٍ بعد إسقاط الخافض، كأنَّهُ قيل: يَسْألُونَكَ أيَّان مُرْسَى السَّاعةِ، فهو في الحقيقة بدلٌ من موضع عن السَّاعةِ لأن موضع المجرور نصب، ونظيرهُ في البدل على أحسن الوجوهِ فيه: عَرَفْتُ زيداً أبُو مَنْ هُو.
و "أيَّانَ" ظرفُ زمانٍ مبني لتضمُّنه معنى الاستفهام، ولا يتصرَّفُ، ويليه المبتدأ والفعل المضارع دون الماضي، بخلاف "متى" فإنَّها يليها النَّوعان، وأكثرُ ما يكون [أيَّان] استفهاماً، كقول الشاعر: [الرجز]

2641 - إيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أيَّانَا أمَا تَرَى لِفعْلِهَا أبَّانَا

وقد تأتي شرطيةً جازمة لفعلين.
قال الشاعرُ: [البسيط]

2642 - أيَّانَ نُؤمِنْكَ تأمَنْ غَيْرنَا وإذَا لَمْ تُدْرِك الأمْنَ مِنَّا لَمْ تَزَلْ حَذِراً

وقال آخر: [الطويل]

2643 - إذَا النَّعْجَةُ الأذْنَاءُ كَانَتْ بِقَفْرَةٍ فأيَّان ما تَعْدِلْ بها الرِّيحُ تَنْزِلِ

والفَصِيحُ فتح همزتها، وهي قراءة العامَّة.
وقرأ السُّلمي بِكسْرِهَا، وهي لغة سُلَيْم.
فصل
واختلف النحويون في أيَّانَ هل هي بسيطة أم مركبة؟ فذهب بعضهم إلى أنَّ أصلها أي أوانٍ فحذفت الهمزة على غير قياس، ولم يُعَوَّضْ منها شيءٌ، وقُلبت الواوُ ياءً على غير قياسٍ؛ فاجتمع ثلاثُ ياءات فاستُثْقِلَ ذلك فحُذفت إحداهن وبُنيت الكلمةُ على الفتحِ فصارت أيَّانَ.
واختلفوا فيها أيضاً هل هي مشتقةٌ أم لا؟ فذهب أبُو الفتحِ إلى أنَّها مشتقةٌ من "أوَيْتُ إليه"؛ لأنَّ البضع آوٍ إلى الكل، والمعنى: أي وقت، وأي فعلٍ؟ ووزنه فَعْلان أو فِعْلان بحسب اللُّغتين ومنع أن يكون ومنه فَعَّالاً مشتقةً من: "أين"؛ لأنَّ "أيْنَ" ظرف مكان، وأيَّان ظرفُ زمانٍ. ومُرْسَاهَا يجوزُ أن يكون اسم مصدر، وأن يكون اسم زمان.
وقال الزمخشريُّ: مُرْسَاهَا إرساؤُهَا، أو وقت إرسائها: أي: إثباتها وإقرارها.
قال أبو حيَّان: وتقديره: وقت إرسائها ليس بجيدٍ؛ لأنَّ أيَّانَ استفهام عن الزمان فلا يصحُّ أن يكون خبراً عن الوقت إلاَّ بمجازٍ، لأنه يكون التقدير: في أي وقتٍ وقتُ إرسائها وهو حسنٌ.
ويقال: رَسَا يَرْسُو: أي ثبت، ولا يقال إلاَّ في الشيء الثقيل، نحو: رَسَت السفينةُ تَرْسُو وأرْسَيْتها، قال تعالى:
{ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا } [النازعات: 32] ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة؛ لقوله {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} لا جرم سمَّى الله وقوعها وثبوتها بالإرساء.
قوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} عِلْمُهَا مصدرٌ مضاف للمفعول، والظَّرف خبره أي: أنَّ الله استأثر بعلمها لا يعلمها غيره.
وقوله لا يُجَلِّيها أي لا يكشفها ولا يظهرها. والتَّجَلّي هو الظهور.
وقال مجاهد: لا يأتي بها لوقتها إلاَّ هُوَ نظيره قوله تعالى:
{ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } [لقمان: 34] وقوله { إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } [طه: 15] "ولمَّا سأل جبريل - عليه السلام - رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: متى السَّاعةُ.
فقال: ما المَسْئُولُ عنها بأعْلَم من السَّائِلِ"
.
قال المحققون: والسَّببُ في إخفاء السَّاعةِ عن العبادِ ليكونوا على حذر، فيكون ذلك أوعى للطَّاعةِ وأزجر عن المعصية؛ فإنَّهُ متى علمها المكلف تقاعس عن التَّوبة، وأخرها، وكذلك إخفاء ليلة القدر؛ ليجتهد المكلف كل ليالي الشَّهْرِ في العبادة، وكذلك إخفاءُ ساعة الإجابةِ في يومِ الجمعةِ؛ ليكون المكلف مُجِدًّا في الدُّعاءِ في كل اليوم.
قوله: "فِي السَّمواتِ" يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكون "في" بمعنى "على" أي: على أهل السموات أو هي ثقيلةٌ على نفس السموات والأرض، لانشقاقِ هذه وزلزال ذي، وهو قولُ الحسنِ.
والثاني: أنَّها على بابها من الظَّرفيَّةِ، والمعنى: حصل ثقلها، وهو شدَّتها، أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين.
قال الأصَمُّ: إن هذا اليوم ثقيل جدًّا على السمواتِ والأرض؛ لأنَّ فيه فناءَهم وذلك ثقيل على القلوب.
وقيل: ثقيلٌ بسبب أنَّهُم يصيرون بعده إلى البعث، والحساب، والسُّؤال، والخوف.
وقال السُّديُّ: ثقل علمها، فلم يعلم أحد من الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها.
قوله: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة على غفلة، وهذا تأكيدٌ وتقرير لما تقدَّم من إخفائها.
روى أبو هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لَتَقُومنَّ السَّاعةُ وقد نشر الرَّجُلانِ ثوبَهُما بيْنَهُما، فلا يتبايَعَانِه، ولا يطْويانِهِ، ولتقُومنَّ السَّاعةَ وقد انْصرفَ الرَّجُلُ بلبنِ لقْحتِهِ فلا يَطْعَمُهُ، ولتقُومَنَّ السَّاعَةُ هُو يُلِيطُ فِي حوضِهِ فلا يَسْقى فيه، ولتقُومنَّ السَّاعَةُ والرَّجُلُ قَدْ رفعَ أكْلَتَهُ إلى فيهِ فلا يَطْعَمُهَا" .
قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} هذه الجملة التَّشبيهيَّة في محلِّ نصب على الحالِ من مفعول: "يَسْألُونكَ" وفي عَنْهَا وجهان:
أحدهما: أنَّها متعلقة بـ يَسْألُونَكَ و: "كأنَّكَ حَفِيٌّ" معترض، وصلتها محذوفةٌ تقديره: خَفِيّ بها.
وقال أبُو البقاءِ: في الكلام تَقْدِيمٌ وتأخير، ولا حاجة إلى ذلك، لأنَّ هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل، فإنَّ قوله {كأنَّكَ حَفِيٌّ} حال كما تقدَّم.
والثاني: أنَّ "عَنَ" بمعنى الباء كما تكون الباءِ بمعنى عن كقوله:
{ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } [الفرقان: 59] { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ } [الفرقان: 25]؛ لأن حَفِيَ لا يتعدَّى بـ "عن" بل بالباء كقوله: { كَانَ بِي حَفِيّاً } [مريم: 47] أو يُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى بـ "عن" أي كأنك كاشف بحفاوتك عنها.
والحَفِيُّ: المستقصي عن الشَّيء، المهتبلُ به، المعني بأمره؛ قال: [الطويل]

2644- سُؤالَ حَفِيٍّ عَنْ أخِيهِ كأنَّهُ بِذكْرتِهِ وسْنَانُ أوْ مُتواسِنُ

وقال آخر: [الطويل]

2645 - فَلَمَّا التَقَيْنَا بيَّن السَّيْفُ بَيْنَنَا لِسائِلَةٍ عنَّا حَفِيٍّ سُؤالُهَا

وقال الأعشى: [الطويل]

2646 - فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سائلٍ حَفِيٍّ عن الأعْشَى بِهِ حَيْثُ أصْعَدَا

والإحْفَاءُ: الاستقصاء؛ ومنه إحفاء الشَّوارب، والحافي؛ لأنَّهُ حَفِيَتْ قدمُه في استقصاء السَّيْر.
قال الزمخشريُّ: وهذا التركيب يفيدُ المُبالغةَ.
قال أبو عبيدة: وهو من قولهم: تحفى بالمسألةِ أي: استَقْصَى، والمعنى: فإنَّكَ أكثرت السُّؤال عنها وبالغت في طلب علمها، وقيل الحفاوةُ: البرُّ واللُّطْفُ.
قال ابن الأعْرابِي: يقال حفي بي حَفَاوةً وتحفَّى بي تَحَفِّياً. والتَّحفي: الكلام واللِّقاء الحسن، قال تعالى:
{ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } [مريم: 47] أي بارًّا لطيفاً يجيب دعائي. ومعنى الآية على هذا: [يسألونك] كأنَّك بارٌّ بهم لطيف العشرة معهم، قاله الحسنُ وقتادةُ والسُّديُّ ويؤيدُهُ ما روي في تفسيره: إنَّ قريشاً قالوا لمُحمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام -: إنَّ بَيْنَنَا وبينك قرابة فاذكر لنا متى السَّاعة؟ فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الأعراف: 187] أي: كأنك صديق لهم بارّ، بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما دَامُوا على كفرهم.
وقرأ عبدُ الله حَفِيٌّ بها وهي تَدُلُّ لمن ادَّعَى أنَّ "عَنْ" بمعنى الباء، وحَفِيٌّ فعيل بمعنى: مفعول أي: مَحْفُوٌّ.
وقيل: بمعنى فاعل، أي كأنَّك مبالغٌ في السؤال عنها ومتطلع إلى علم مجيئها.
قوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ}.
اعلم أن قوله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} سؤال عن وقت قيام السَّاعةِ.
وقوله ثانياً: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} سؤالُ عن كيفيَّةِ ثقل السَّاعة وشدتها فلم يلزم التكرار، وأجاب عن الأوَّلِ بقوله: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} وأجاب عن الثَّانِي بقوله: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} والفرق بين الصورتين: أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت السَّاعة. والسؤال الثَّاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها.
وأعظم أسماء اللَّهِ مهابة وعظمة هو قولنا: الله.
فأجاب عند السُّؤالِ عند مقدار شدَّةِ القيامة بالاسم الدَّالِّ على غاية المهابة، وهو قولنا: اللَّهُ، ثم ختم الآية بقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون أن القيامة حقٌّ؛ لأنَّ أكثر الخلقِ ينكرون المعاد.
وقيل: لا يَعْلَمُونَ بأنِّي أخبرتك بأنَّ وقت قيام السَّاعةِ لا يعلمها إلاَّ اللَّهُ.
وقيل: لا يَعْلَمُون السَّبَبَ الذي لأجله أخفيت معرفة وقتها المعين عن الخَلْقِ.
قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} الآية.
وجه تعلُّق هذه الآية بما قبلها: أنَّهم لمَّا سألوه عن علم السَّاعةِ فقال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} أي أنا لا أدري عِلْمَ الغيب، ولا أملك لنفْسِي نفعاً، ولا ضرّاً إنْ أنا إلاَّ نذير، ونظيره قوله في سورة يونس:
{ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ } [يونس: 48،49].
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ أهل مكة قالوا: يا مُحمَّدُ ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري به، ونربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تجدب، فنرحل عنها إلى ما قد أخْصَبَتْ؛ فأنزل اللَّهُ هذه الآية.
وقيل: لمَّا رجع عليه الصَّلاة والسَّلام من غزوة بني المصطلق جاءتْ ريح في الطَّريق ففرت الدوابُّ فأخبر عليه الصلاة والسلام بموت رفاعة بالمدينة، وكان فيه غيظ للمنافقين، وقال انظروا أين ناقتي؟ فقال عبدُ الله بن أبي: ألا تعجبون من هذا الرَّجل يخبر عن موت رجل بالمدينة، ولا يعرف أين ناقته! فقال - عليه الصلاة والسلام - إنَّ ناساً من المُنافقينَ قالوا كيت وكيت، وناقتي في هذا الشعب قد تعلَّق زمامها بشجرةٍ، فوجدوها على ما قال؛ فأنزل الله عز وجل {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}.
قوله: "لِنَفْسِي" فيه وجهان:
أحدهما: أنَّها متعلقة بـ "أمْلِكُ".
والثاني: أنَّها متعلقةٌ بمحذوف على أنَّها حالٌ من نَفْعاً؛ لأنه في الأصْلِ صفةٌ له لو تأخر، ويجوزُ أن يكون لِنَفْسِي معمولاً بـ "نَفْعاً" واللاَّم زائدةٌ في المفعول به تقويةً للعامل؛ لأنَّهُ فرع إذ التَّقديرُ: لا أملك أن أنفع نفسي ولا أن أضُرَّهَا، وهو وجهٌ حسنٌ.
قوله {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} في هذا الاستثناء وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ متَّصلٌ، أي إلاَّ ما شاء الله تمكيني منه فإني أملكه.
والثاني: أنَّهُ منفصل - وبه قال ابنُ عطيَّة -، وسبقة إليه مكيٌّ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك.
فصل
دلَّت هذه الآيةُ على مسألة خلق الأعمالِ؛ لأنَّ الإيمانَ نفع والكفر ضرٌّ؛ فوجب أن لا يحصلان إلاَّ بمشيئةِ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان فخالق تلك الدَّاعية الجازمةِ يكونُ مريداً للكفر، فعلى جميع التقديرات: لا يملكُ العبدُ لنفسه نفعاً، ولا ضرّاً إلا ما شاء اللَّهُ.
أجاب القاضي عنه بوجوه:
أحدها: أن ظاهر الآية، وإن كان عاماً بحب اللَّفْظِ إلاّ أنَّا ذكرنا أنَّ سبب النُّزُولِ قولُ الكُفَّارِ: "يا مُحمَّدُ ألا يخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو" فيُحمل اللفظُ العام على سبب نزوله، فيكُونُ المرادُ بالنفع: تملك الأموال وغيرها، والمراد بالضرّ وقت القحط وغيره.
وثانيها: أنَّ المُرادَ بالنَّفْعِ والضر ما يتَّصلُ بعلم الغيبِ لقوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} [الأعراف: 188].
وثالثها: أن التقدير: لا أملكُ لنفسي من النَّفع والضر إلاَّ قدر ما شاء اللَّهُ أن يقدرني عليه ويمكنني فيه، وهذه الوجوه كُلُّهَا عدول عن الظَّاهر، فلا يُصار إليها مع قيام البُرهانِ القاطع العقلي على أن الحق ليس إلاَّ ما دل عليه ظاهر الآية.
فصل
احتج الرَّسولُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - على عدم علمه بالغيب بقوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} واختلفوا في المراد بهذا الخيرِ وقوله {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوءُ} قال ابنُ جريجٍ:
قل لا أملك لنفسي نفعاً، ولا ضرًّا من الهدى والضلالة، ولو كنت أعلمُ متى أموت لاستكثرت من الخير، أي: من العمل الصَّالح وما مَسَّنِيَ السُّوءُ، واجتنبت ما يكون من الشَّر واتَّقَيْتُهُ.
وقيل: لو كنت أعلم الغيب أي: متى تقوم السَّاعةُ لأخبرتكم حتَّى تُؤمنُوا وما مَسَّني السُّوءُ بتكذيبكم.
وقيل: ما مسني السُّوء ابتداء يريد: وما مسَّنيَ الجنونُ؛ لأنَّهُم كانوا ينسبونه إلى الجُنُونِ، وقال ابنُ زيدٍ: المرادُ بالسُّوءِ: الضرُّ، والفقرُ، والجوعُ.
قوله {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} عطف على جواب "لو" وجاء هنا على أحسن الاستعمال من حيث أثبت اللاَّم في جواب "لَوْ" المثبت، وإن كان يجوزُ غيره، كما تقدَّم، وحذفَ اللاَّم من المنفيّ، لأنه يمتنع ذلك فيه.
وقال أبُو حيَّان: ولم تصحب "مَا" النَّافية - أي: اللام - وإن كان الفصيحُ إلاَّ تصحبها، كقوله:
{ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ } [فاطر: 14]. وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم نَصُّوا على أنَّ جوابها المنفيَّ لا يجوز دخولُ اللاَّم عليه.
قوله: {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} نذير لمن لا يُصدق بما جئت به، وبشير بالجنَّةِ لقوم يصدقون.
وذكر إحدى الطائفتين؛ لأنَّ ذكر إحداهما يفيد ذكر الأخرى، كقوله:
{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81].
وقد يقال: إنه كان نذيراً وبشيراً للكل إلاَّ أنَّ المنتفع بالنذارة والبشارة هم المؤمنون كما تقدَّم في قوله:
{ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2].
واللاَّمُ في قوله [القوم] من باب التَّنازُعِ، فعند البصريين تتعلقُ بـ "بَشِير" لأنه الثَّاني، وعند الكوفيين بالأول لسبقه.
ويجوز أن يكون المتعلَّق بالنذارة محذوفاً، أي: نذير للكافرين ودلَّ عليه ذكرُ مقابله كما تقدم.