التفاسير

< >
عرض

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ
٦٥
قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
٦٦
قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
٦٧
أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ
٦٨
أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٦٩
قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٧٠
قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ
٧١
-الأعراف

اللباب في علوم الكتاب

قوله "أخَاهُمْ" نصب بـ "أرْسَلْنَا" الأولى، كأنه قيل: لقد أرسلنا نُوحاً، وأرسلنا إلى عادٍ أخاهُم، وكذلك ما يأتي من قوله: { وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ } [الأعراف: 73]، { وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً } [الأعراف: 85] { وَلُوطاً } [الأعراف: 85]، ويكونُ ما بعد "أخَاهُم" بدلاً أو عطف [بيان]. وأجاز مكيٌّ أن يكون النَّصْبُ بإضمار "اذْكُرْ" وليس بشيء لأنَّ المعنى على ما ذكرنا مع عدمِ الاحْتِيَاجِ إليه.
و "عاد" اسم للحيِّ، ولذلك صَرَفَه، ومنهم من جعله اسْماً للقبيلة ولذلك [منعه] قال: [الرجز]

2500- لَوْ شَهْدَ عَادَ فِي زَمَانِ عَادِ لابْتَزَّهَا مَبَارِكَ الجِلادِ

وعادٌ في الأصل اسم الأب الكبيرِ، وهو عادُ بْنُ عوصِ بْنِ إرمِ بْنِ سَامِ بن نُوحٍ فسُمِّيت به القبيلةُ، أو الحيّ.
وقيل: عادُ بْنُ أرمِ بْنِ شَالِخ بْنِ أرفخشد بْنِ سَامِ بْنِ نوحٍ وهودُ بْنُ عبد الله بْنِ رَبَاحِ بْنِ الجَارُودِ ابْنِ عَادِ بْنِ عوص بن إرمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وهي عادٌ الأولى، وكذلك ما أشبهه من نحو "ثَمُود" إن جَعَلْته اسماً لمذكَّر صَرَفْتَه، وإن جعلته اسماً لمؤنث مَنَعتهُ، وقد بَوَّبَ له سيبويه باباً.
وأمّا هو فاشتهر في ألْسِنَةِ النُّحَاةِ أنه عَرَبِيٌّ، وفيه نظر؛ لأن الظَّاهِرَ من كلام سيبويه لمَّا عَدَّه مع نُوح، ولوط أنَّهُ أعجمي، ولأن: أبَا البركاتِ النَّسَّابَةَ الشَّريفَ حكى: أن أهلَ اليمنِ تزعُمُ أنّ يَعْرُبَ بْنِ قحطانَ بْنِ هُود هو أوَّلُ من تكلَّمَ بالعربيَّةِ وسُمِّيت به العربُ عرباً، وعلى هذا يكون "هُودُ" أعجمياً، وإنَّمَا صُرِفَ لما ذكر في أخوته نوحٍ ولُوطٍ.
وهود اسمه عابرُ بْنُ شَالِح بْنِ أرفخشد بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
فصل في نسب هود
اتَّفقوا [على] أن هوداً ما كان أخاهم في الدِّين، واختلفوا في أنَّه هل كان هناك قَرَابَةٌ أم لا.
قال الكَلْبِيُّ: "كان واحداً منهم".
وقال آخرون: كان من غيرهم، وذكروا في تفسير هذه الأخوة وجهين:
الأول: قال الزَّجَّاجُ: كان من بني آدم، ومن جِنْسِهِمْ، لا من الملائكة، ويكفي هذا القَدَرُ في تسمية الأخوة، والمعنى: أنّا بعثنا إلى عادٍ واحداً من جنسهم، لِيَكُون الفَهْمُ والأنس بكلامه وأفعاله أكْمَلُ، ولم يبعث إليهم من غير جنسهم مثل ملك أو جني.
قال ابن إسحاق: وكان أوسطهم نَسَباً، وأفْضَلَهُم حُسْناً.
روي أن عاداً كانت ثلاثَ عَشْرَةَ قبيلةً ينزلون الرِّمال، وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارةٍ، وكانت بلادهم أخصبَ البلاد، فسخط الله عليهم؛ فجعلهم مفاوز لأجل عبادتهم الأصْنَامَ، ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بِمَكَّةَ، فلم يزالوا بها حتى ماتوا.
الثاني: "أخاهم" أي صاحبهم، ورسولهم، والعرب تسمِّي صاحب القوم أخَا القَوْم، ومنه قوله تعالى:
{ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [الأعراف: 38] أي: صاحبتها، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إن أخَا صداء قَدْ أذن" يريدُ صَاحِبَهُمْ.
فصل في مكان قوم عاد
اعلم أنَّ عاداً قوماً كانوا باليمنِ بالأحقاف.
قال ابن إسحاق: "والأحقافُ: الرَّمْلُ الذي بين عُمَان إلى حضرموت".
واعلم أن ألفاظ هذه القصَّةِ موافقة للألْفَاظِ المذكورة في قصَّةِ نوح - عليه السَّلامُ - إلا في أشياء.
[الأول]: أن في قصَّة نُوحٍ: "فقال يا قَوْم" بالفاء، وهنا قال بغير فاء، فالفرق أنَّ نُوحاً - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - كان مواظباً على دعوتهم، وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هودٌ فلم يبلغ إلى هذا الحدِّ؛ فلا جرم جاء بفاء التعقيب في كلام نُوح دون كلام هود.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قُلْتَ: لم حذف العَاطِف من قوله [قال يا قوم] ولم يقل "فقال" كما في قِصَّةِ نوح.
قلت: هو على تَقْدير سُؤالِ سائلٍ قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: له: "قال يا قوم".
الثاني: قال في قصة نوح:
{ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [الأعراف: 59].
وهنا قال: "أَفَلاَ تَتَّقُونَ"، والفرقُ بينهما أنَّ قبل نوح لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعةِ العظيمةِ، وهي الطُّوفَانُ العظيم، فلا جرم أخبر نُوحٌ عن تلك الواقعة فقال:
{ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [الأعراف:59].
وأمّا واقعة هود - عليه السَّلامُ - فقد سبقتها واقعة نوح، وكان عهد النَّاسِ بتلك الواقعة قريباً، فلا جرم قال: "أفَلاَ تَتَّقُونَ" أي: تعرفون أنَّ قوم نوح لمَّا لم يتقوا الله ولم يطيعوه أنْزل بهمْ ذلكَ العذاب الذي اشتهر خَبَرُهُ في الدُّنْيَا، فكان ذلك إشَارَةً إلى التَّخْوِيفِ بتلك الوَاقِعَةِ.
الثالث: قال في قصَّة نُوحٍ
{ قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ } [الأعراف:60].
وقيل: في هود: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فوصف الملأ بالكُفْر، ولم يُوصَفُوا في قصَّة نوح، والفرقُ أنَّهُ كان في أشْرَاف قومِ هُودٍ مَنْ آمنَ بِهِ مِنْهُم مرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ أسْلَمَ، وكان يكتمُ إيمانَهُ بخلاف قَوْم نُوحٍ، لأنَّه لم يؤمن منهم أحَدٌ.
قاله الزَّمخشريُّ وغيره، وفيه نَظَرٌ لقوله تعالى:
{ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ } [هود: 36] وقال: { وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } [هود: 40] ويحتمل أنَّ حال مخاطبة نُوحٍ لقومِهِ لم يُؤمِنْ منهم أحَدٌ بعدُ ثمَّ آمنوا، بخلاف قصَّةِ هود فإنَّهُ حال خطابهم كان فيهم مُؤمن ويحتملُ أنها صفة لمُجَرَّدِ الذَّمِّ من غير قَصْدِ تميزٍ بها.
الرابع: حكي عن قَوْم نُوحٍ قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وحكي عن قوم هُود قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] الفرقُ أنَّ نُوحاً خوف الكُفَّارَ بالطُّوفانِ العام وكان مشتغلاً بإعْدَادِ السَّفينةِ، فلذلك قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} حيثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصلاحِ سفينة كبيرةٍ في مفازة ليس فيها قَطْرَةٌ من المَاءِ، ولم يظهر شيءٌ من العلامات تدلُّ على ظهورِ المَاءِ في تلك المَفَازة.
وأمَّا هود فلم يذكر شيئاً إلا أنه زَيَّفَ عبادة الأوثان، ونسب من اشتغل بعبادتها إلى السَّفَاهَةِ وقلَّةِ العَقْل، فلَّما سفَّهَهُم قابلوه بمثله، ونسبُوهُ إلى السَّفاهةِ، ثم قالوا: {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} في ادِّعَاءِ الرِّسالة.
قال ابْنُ عبَّاسٍ: في سفاهة أي تدعو إلى دينٍ لا نقر به.
وقيل: في حُمْقِ، وخفَّةِ عَقْلٍ، وجهالةٍ.
{وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} اختلفُوا في هذا الظن فقيل: المرادُ القَطْعُ والجزم كقوله تعالى:
{ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ } [البقرة: 46] وهو كثير.
وقال الحسنُ والزَّجَّاجُ: كان ظنّاً لا يقيناً، كفرُوا به ظانين لا متيقّنين وهذا يَدُلُّ على أنَّ حصول الشَّكِّ والتَّجويز في أصول الدِّين يوجبُ الكفر.
الخامس: قال نوح - عليه السلامُ -: {أبلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ} وقال هود عليه السلام: {وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِيْنٌ}، فأتى نوح بصيغة الفعل، وهود أتى بصيغة اسم الفاعل، ونوح - عليه السلام - قال:
{ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف:62]، وهود لم يقل ذلك، وإنَّما زاد كونه "أمِيناً"، والفرقُ بينهما أنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القَاهِرِ النَّحْوِيَّ ذكر في كتاب "دلائِلِ الإعْجازِ" أن صيغة الفعل تدلُّ على التَّجَدُّدِ ساعةً فساعَةً.
وأما صِيغَةُ اسم الفاعِلِ فهي دالَّةٌ على الثَّباتِ، والاستمرار على ذلك الفعل.
وإذا ثبت هذا فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانوا مبالغين في السَّفَاهَةِ على نوح - عليه السَّلام - ثم إنَّهُ في اليوم الثَّاني كان يعودُ إليهم، ويدعوهم إلى الله كما ذكر اللَّهُ - تعالى - عنه في قوله:
{ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً } [نوح: 5].
فلما كانت عادته - عليه السلام - العود إلى تجديد الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، لا جرم ذكره بصيغة الفعل فقال: "وأنْصَحُ لَكُمْ".
وأما قول هود - عليه السلامُ -: {وَأَنَا لَكُم نَاصِحٌ أَمِينٌ} فإنَّهُ يَدُلُّ على كونه مثبتاً مستقراً في تلك النَّصِيحَةِ، وليس فيها إعلامٌ بأنه سيعود إليها حالاً فحالاً، ويوماً فيوماً.
وأما قول نوح - عليه السَّلامُ -
{ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف:62] وهود - عليه السلام - وصف نفسه بكونه أميناً، فالفرقُ أنَّ نوحاً - عليه السَّلامُ - كان منصبه في النُّبُوَّةِ أعلى من منصب هود عليه السَّلام، فلم يبعد أن يقال: إن نُوحاً - عليه السلام - كان يعلم من أسرار حكم اللَّهِ ما لا يصلُ إليه هُودٌ، فلهذا أمْسَكَ هود لسانه عَنْ ذكر تلك الجملة، واقتصر على وَصْفِ نفسه بالأمانة ومقصود منه أمور:
أحدها: الرَّدُ عليهم في قولهم: {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}.
وثانيها: أن مدار الرِّسالة والتبليغ عن الله على الأمانة، فوصف نفسه بالأمانةِ تقريراً للرِّسالة والنبوة.
وثالثها: كأنَّهُ قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أميناً فيكم، وما وجدتمْ منِّي غدراً ولا مكراً ولا كذباً، واعترفتم لي بِكَوْنِي أميناً، فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟
والأمين هو الثقة، وهو فعيل من أمِنَ يأمَنُ فهو آمِنٌ وأمين بمعنى واحد.
واعلم أنَّ القومَ لمَّا قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} لم يقابل سفاهتهم بالسَّفاهَةِ، بل قابلها بالحلم، ولم يزد على قوله: {لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ}، وذلك يَدُلُّ على أنَّ ترك الانتقام أولى كما قال:
{ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغْوِ مَرُّواْ كِرَاماً } [الفرقان: 72].
وقوله: {وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} مدح نفسه بأعْظَمِ صفات المَدْحِ، وإنَّمَا فعل ذلك؛ لأنَّهُ كان يجب عليه إعلام القوم بذلك، وذلك يَدُلُّ على أنَّ مدح الإنسان لِنَفْسِه في موضع الضَّرُورةِ جائزٌ.
السادس: قال نوحٌ عليه السلامُ: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} إلى قوله: {وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، [وفي قصَّةُ هود حذف قوله: {وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، والفرق أنَّهُ لمَّا ظهر في قِصَّةِ نُوح - عليه السلام - أنَّ فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة، لم يكن لإعادته في هذه القصَّة حاجة.
قوله: "إذْ جَعَلَكُمْ" في "إذْ" وجهان:
أحدهما: أنَّه ظرفٌ منصوبٌ بما تضمنتهُ الآلاء من معنى الفعلِ، كأنه قيل: "واذكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عليكم في هذا الوَقْتِ"، ومفعول "اذْكُرُوا" محذوفٌ لدلالة قوله بعد ذلك: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ}، ولأن قوله: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ}، وزادكم كذا هو نفس الآلاء وهذا ظاهر قول الحُوفِي.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "إذْ" مفعول "اذْكُرُوا" أي: اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسيمة، وتقدَّم الكلامُ في الخلفاء والخلائف والخليف.
قوله: "فِي الخَلْقِ" يحتملُ أن يراد به المصدر بمعنى في امتداد قامتكم وحسن صوركم، وعظم أجْسَامِكُمْ، ويحتمل أنْ يراد به معنى المفعول به، أي: في المَخْلُوقين بمعنى زادكم في النَّاسِ مثلكم بسطة عليهم، فإنَّهُ لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الأجرام.
قال الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: "كانت قامة الطّويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستُّون ذراعاً".
وتقدم الكلامُ على "بسطة" في البقرة.
قوله: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ}، أي: نعمه، وهو جمع مفرده "إلْي" بكسر الهمزة وسُكُونِ اللاَّمِ؛ كحِمْل وأحْمَال، أو "ألْيٌ" بضمِّ الهمزة وسُكُونِ اللاَّم؛ كقُفْل، وأقْفَالٍ، أو "إلى" بكسر الهمزة، وفتح اللام؛ كضِلَع وأضلاع، وعِنَب وأعْنَاب، أو "ألَى" بفتحهما كَقَفَا وأقْفَاء؛ قال الأعْشَى: [المنسرح]

2501 - أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزَالَ وَلاَ يَقْطَعُ رِحْماً ولا يَخُونُ ألَى

يُنشد بكسر الهمزة، وهو المشهورُ، وبفتحها؛ ومثلها "الآنَاء" جمع "إِنْي" أو "أُنْي" أو "إِنًى" أو "أَنًى".
وقال الأخفش: "إنْوٌ". والآناء الأوقات كقوله:
{ وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْل } [طه: 130]، وسيأتي.
ثم قال: "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فلا بُدَّ هاهنا من إضمار؛ لأنَّ الصَّلاح الذي هو الظَّفر بالثَّواب لا يحصل بمجرد التذكر، بل لا بدّ من العمل، والتقدير: فاذكروا آلاء اللَّهِ واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلّكم تفلحون.
قوله: "لِنَعْبُدَ" متعلق بالمجيء الذي أنكروه عليه.
واعلم أنَّ هوداً - عليه السلام - لما دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدَّلِيل القاطع، وهو أنَّهُ بيَّن أنَّ نعم الله عليهم كثيرة والأصنام لا نعمة لها؛ لأنَّهَا جمادات، والجمادُ لا قُدْرَةَ له على شَيْءٍ أصلاً - لم يكن للقوم جوابٌ عن هذه الحُجَّةِ إلا التمسك بالتَّقْليد فقالُوا: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} فأنكروا عليه أمره لهم بالتَّوحيد، وترك التقليد للآباء، وطلبوا منه وقوع العذاب المشار إليه بقوله: "أفَلاَ تَتَّقُونَ" وذلك أنَّهُم نسبوه إلى الكذب، وظنُّوا أنَّ الوعيد لا يتأخر، ثم قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} جوابه محذوف أو متقدِّم بـ "ما"، وذلك لأنَّ قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} مشعر بالتَّهْديد والتَّخويف بالوعيد، فلهذا قالوا: {فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا}.
قوله: {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} جوابه محذوف أو مُتَقَدِّم، وهو فأت به.
واعلم أنَّ القوم كانُوا يعتقدون كذبه لقولهم: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} فلهذا قالوا: {فَأتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وإنَّما قالُوا كذلِكَ لظنهم أن الوعيد لا يجوز أن يتأخر، فعند ذلك قال هود - عليه السلام -: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم}، أي: وجب عليكم.
فصل في تفسير هذه الآية
قال القَاضِي: تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر؛ لأنَّ بعد كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة، واعلمْ أنَّ هذا بَاطِلٌ؛ لأنَّ في الآية وجوهاً من التَّأويل.
أحدها: أنَّهُ تعالى أخبر في ذلك الوقت بنزول العذابِ عليهم، فلمَّا حدث الإعلام في ذلك الوقت، لا جرم قال هُودٌ في ذلك الوقت: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ}.
وثانيها: أنَّهُ جعل المُتَوقَّع الذي لا بُدَّ من نزوله بمنزلة الواقع، كقوله:
{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } [النحل: 1].
وثالثها: أن يحمل قوله: "وقع" على معنى وجد وجعل، والمعنى: إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل.
قوله: "مِن رَّبِّكُمْ" إمَّا متعلق بـ "وقع" و "من" للابتداء مجازاً، وإمَّا أن يتعلق بمحذوف لأنَّهَا حال، إذْ كانت في الأصل صفة لـ "رجس".
والرِّجْس: العذاب والسين مبدلة من الزاي.
وقال ابن الخطيب: لا يمكن أن يكون المراد لأنَّ المُرادَ من الغضب العذابُ، فلو حملنا الرِّجْسَ عليه لَزِمَ التَّكْرِيرُ، وأيضاً الرجس ضد التطهير قال تعالى:
{ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً } [الأحزاب: 33] والمرادُ التَّطْهِيرُ عن العقائد الباطلةِ.
وإذا ثبت هذا فالمراد بالرجس أنَّهُ تعالى خصّهم بالعقائِدِ المذمُومَةِ، فيكون المعنى أنَّهُ تعالى زادهم كُفْراً ثم خصَّهم بمزيدِ الغضبِ.
قوله: "أتُجَادِلُونَنِي" استفهام على سبيل الإنْكَارِ في أسماء الأصنام وذلك أنهم كانوا يسمون الأصْنَامَ بالآلهة، مع أن معنى الإلهية فيها معدومٌ، سموا واحداً منها بالعُزَّى مشتقاً من العزِّ، والله - تعالى - ما أعطاه عِزّاً أصلاً، وسمُّو آخر منها باللاَّتِ، وليس له من الإلهية شيء.
قوله: "سَمَّيْتُمُوهَا" صفة لـ "أسْمَاء"، وكذلك الجملة من قوله: {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} يُدلُّ على خلوِّ مذاهبهم عن الحُجَّةِ.
و "مِنْ سُلْطَانٍ" مفعول "نزَّلَ"، و "مِنْ" مزيدةٌ، ثمَّ إنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ذكر لهم وعيداً مجرَّداً فقال: فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة الأصْنَامِ إنِّي معكم من المنتظرين.
فقوله: "مِنَ المُنتَظِريْنَ" خبر "إني"، و "مَعَكُمْ" فيه ما تقدَّم في قوله: {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}، ويجوزُ - وهو ضعيف - أن يكون "مَعَكُمْ" هو الخبر و "مِنَ المُنتَظِرِينَ" حال، والتقديرُ: إني مصاحبكم حال كوني من المنتظرين النّصر والفرج من الله، وليس بذلك؛ لأنَّ المقصُودَ بالكلامِ هو الانتظار، لمقابلة قوله: "فانْتَظِرُوا" فلا يُجعل فضلة.