التفاسير

< >
عرض

وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٤١
إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
٤٢
إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٤٣
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤٤
-الأنفال

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} الآية.
لمَّا أمر بقتال الكفار بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ} وعند المقاتلة قد تحصل الغنيمة، ذكر تعالى حكم الغنيمة، والظَّاهرُ أنَّ "ما" هذه موصولةٌ بمعنى "الَّذي"، وكان من حقِّها أن تكتب منفصلةً من "أنَّ" كما كُتبت:
{ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ } [الأنعام: 134] منفصلةً، ولكن كذا رُسِمَت. و "غَنِمْتُم" صلتها، وعائدها محذوف لاستكمال الشُّروطِ، أي: غَنِمْتُمُوه.
وقوله "فأنَّ لِلَّهِ" الفاءُ مزيدةٌ في الخبر؛ لأنَّ المبتدأ ضُمِّن معنى الشَّرطِ، ولا يَضُرُّ دخولُ الناسخ عليه؛ لأنه لَمْ يُغَيِّر معناه، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ} ثم قال: "فَلَهُم" والأخفش مع تجويزه زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً، يمنع زيادتها في الموصول المشبه بالشَّرط إذا دخلت عليه "إنَّ" المكسورة، وآيةُ البروج [10] حُجَّةٌ عليه.
وإذا تقرَّر هذا فـ "أنَّ" وما عملتْ فيه في محلِّ رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: فواجبٌ أنَّ لله خمسهُ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر خبر لـ "أنَّ".
وظاهر كلام أبي حيان أنه جعل الفاء داخلةً على: "أنَّ للَّهِ خُمُسَهُ" من غير أن يكون مبتدأ وخبرها محذوف، بل جعلها بنفسها خبراً، وليس مرادهُ ذلك، إذ لا تدخل هذه الفاءُ على مفردٍ، بل على جملةٍ، والذي يُقَوِّي إرادته ما ذكرنا أنه حكى قول الزمخشريِّ، أعني كونه قدَّر أنَّ "أنَّ"، وما في حيِّزها مبتدأٌ، محذوفُ الخبر، فجعلهُ قولاً زائداً على ما قدَّمه.
ويجوز في "ما" أن تكون شرطيةً، وعاملُها "غَنِمْتُم" بعدها، واسمُ "أنَّ" حينئذٍ ضميرُ الأمرِ والشَّأنِ وهو مذهبُ الفرَّاءِ، إلاَّ أنَّ هذا لا يجوزُ عند البصريين إلاَّ ضرورةً، بشرط ألاَّ يليها فعل؛ كقوله: [الخفيف]

2707 - إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكَنِيسَة يَوْماً يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وظِبَاءَ

وقول الآخَرِ: [الخفيف]

2708 - إنَّ مَنْ لامَ بَنِي بنتِ حَسَّا نَ ألُمْهُ وأعْصِهِ في الخُطُوبِ

وقيل: الفاءُ زائدةٌ، و "أنَّ" الثانيةُ بدلٌ من الأولى.
وقال مكي: "وقد قيل: إنَّ الثانية مؤكدةٌ للأولى، وهذا لا يجوز لأنَّ الأولى تبقى بغير خبر؛ ولأنَّ الفاء تحول بين المؤكَّد والمؤكِّد وزيادتها لا تَحْسُن في مثل هذا".
وقيل: "ما" مصدريَّةٌ، والمصدر بمعنى المفعول أي: أنَّ مغنومكم هو المفعول به، أي: واعلموا أنَّ غُنمكم، أي: مغنومكم.
والغنيمةُ: أصلها من الغُنْمِ، وهو الفوزُ، يقال: غنم يغنم فهو غانم، وأصلُ ذلك من الغنم هذا الحيوان المعروف، فإنَّ الظفر به يُسَمَّى غُنْماً، ثم اتُّسِع في ذلك، فَسُمِّي كلُّ شيء مظفورٍ به غُنْماً ومَغْنَماً وغَنيمة؛ قال علقمةُ بنُ عبدةَ: [البسيط]

2709 - ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطعمُهُ أنَّى توَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ

وقال الآخر: [الوافر]

2710 - لَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى رَضيتُ من الغنيمةِ بالإيَابِ

قوله "مِنْ شيءٍ" في محلِّ نصبٍ على الحال من عائد الموصول المقدَّر، والمعنى: ما غنمتموه كائناً من شيء، أي: قليلاً أو كثيراً. وحكى ابن عطية عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم. وحكى غيره عن الجعفيِّ عن هارون عن أبي عمرو: "فإنَّ لِلَّهِ" بكسر الهمزةِ، ويُؤيدُ هذه القراءة قراءة النخعي "فللَّه خُمُسهُ" فإنها استئناف، وخرجها أبُو البقاءِ على أنَّها وما في حيِّزها في محلِّ رفع، خبراً لـ "أنَّ" الأولى.
وقرأ الحسنُ وعبدُ الوارث عن أبي عمرو: "خُمْسَهُ" بسكون الميم، وهو تخفيفٌ حسن.
وقرأ الجعفيُّ "خِمْسه" بكسر الخاء. قالوا: وتخريجها على أنَّهُ أتبعَ الخاءَ لحركة ما قبلها، وهي هاء الجلالة من كلمة أخرى مستقلة، قالوا: وهي كقراءة من قرأ {وَالسَّمآءِ ذَاتِ الحِبُكِ} [الذاريات: 7] بكسر الحاء إتباعاً لكسرة التاء من "ذاتِ" ولمْ يعتدُّوا بالساكن، وهو لامُ التعريف، لأنه حاجزٌ غير حصين.
قال شهاب الدين "ليت شعري، وكيف يقرأ الجعفيُّ والحالةُ هذه؟ فإنه إن قرأ كذلك مع ضم الميم فيكون في غاية الثقل، لخروجه من كسرٍ إلى ضمٍّ، وإن قرأ بسكونها وهو الظَّاهرُ فإنه نقلها قراءةً عن أبي عمرو، أو عن عاصم، ولكن الذي قرأ: "ذاتِ الحِبُكِ" يبقي ضمَّة الباء، فيؤدي إلى "فِعُل" بكسر الفاء وضمِّ العين، وهو بناءٌ مرفوض".
وإنما قلت: إنه يقرأ كذلك؛ لأنه لو قرأ بكسر التاء لما احتاجوا إلى تأويل قراءته على الإتباع؛ لأن في "الحُبُك" لغتين: ضمُّ الحاءِ والباءِ، وكسرهما، حتَّى زعم بعضهم أنَّ قراءة الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ من التَّداخل.
فصل
والغنيمةُ في الشريعةِ، والفيء، اسمان لما يُصيبه المسلمون من أموال الكفار.
فذهب جماعة إلى أنهما واحد، وذهب قومٌ إلى أنَّ الغنيمة، ما أصابه المسلمُونَ منهم عَنْوَةً بقتال، والفيء: ما كان من صلح بغير قتال.
قوله "مِن شيءٍ" يعني: من أي شيء كان حتَّى الخيط: {فأَنَّ لِلَّهِ خمسَهُ وللرَّسُولِ} ذهب أكثر المفسِّرين والفقهاء إلى أنَّ قوله: "لِلَّه" افتتاح على سبيل التبرُّك، وأضاف هذا المال لنفسه لشرفه. وليس المراد أن سهماً من الغنيمة "لِلَّهِ" مفرداً، فإن الدنيا والآخرة لله عز وجل وهو قول قتادة والحسن وعطاء وإبراهيم والشعبي قالوا: سهم الله وسهم الرسول واحد والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لِمنْ قاتل عليها، والخُمْسُ لخمسة أصناف كما ذكر الله تعالى {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}.
وقال أبو العالية، وغيره: يقسم الخُمْس على ستة أسهم: سهم لله تعالى، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يُصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال: يصرفُ لعمارة الكعبة.
وقال بعضهم: إنه عليه الصلاة والسلام كان يضربُ بيده في هذا الخُمْس فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سُمِّي "لِلَّهِ".
فصل
قل القرطبي "هذه الآية ناسخة لأول السُّورة عند الجمهور، وقد ادَّعى ابن عبد البر: الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ } [الأنفال: 1] وأنَّ أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر، على ما تقدم.
وقيل: إنها مُحكمة غير منسوخة، وأنَّ الغنيمة لرسُولِ الله، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماورديُّ عن كثير من أصحاب مالكٍ، واحتجوا بفتح مكَّة وقصَّة حنين، وكان أبو عبيد يقول: افْتَتَحَ رسولُ الله مكَّة عنوةً ومنَّ على أهلها، فردها عليهم، ولم يَقْسِمها، ولم يجعلها فَيْئاً".
فصل
أجمع العلماءُ على أن قولهُ: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} ليس على عمومه، وأنَّهُ مخصوصٌ باتفاقهم على أنَّ سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمامُ، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخيَّرٌ، وكذلك الأراضي المغنومة.
فصل
قال الإمامُ أحمدُ: لا يكون السَّلب للقاتل إلاَّ في المبارزة خاصَّة، ولا يخمس وهو قول الشافعيِّ - رضي الله عنه -؛ ولا يعطى القاتل السَّلب، إلاَّ أن يقيم البيَّنة على قتله.
قال أكثرُ العلماء: يجوزُ شاهد واحد؛ لحديث أبي قتادة، وقيل: شاهدان.
وقيل: شاهد ويمين، وقيل: يقضى بمجرد دعواه.
قوله: "ولِذِي القُرْبَى" أي: أنَّ سَهْماً من خمس الخمس لذوي القربى، وهم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فيهم.
فقال قومٌ: هم جميع قريش، وقال قومٌ: هم الذين لا تحل لهم الصَّدقة.
وقال مجاهدٌ وعلي بنُ الحسينِ: هم بنُو هاشمٍ وبنو المطلب، وليس لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، لما روي عن جُبير بن مطعم قال
"قسَّم رسولُ الله - عليه الصَّلاة والسَّلام - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب ولم يعط أحداً من بني عبد شمس، ولا لبني نوفل؛ ولما روى محمدُ بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: لمَّا قسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشمٍ وبني المطلب أتيته أنا، وعثمان بنُ عفان، فقلنا يا رسُول الله: هؤلاء إخواننا من بني المُطَّلِبِ أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا، وإنَّما قرابتنا وقرابتهم واحدةً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّما بنُو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ هكذا وشبَّك بين أصابعه" .
واختلف العلماءُ في سهم ذوي القربى، هل هو ثابتٌ اليوم؟ فذهب أكثرهم إلى أنَّهُ ثابت وهو قول مالك والشافعي، وذهب أصحابُ الرَّأي إلى أنَّهُ غير ثابت، وقالوا سهم رسول الله وسهم ذوي القربى مَرْدُودان في الخُمس، فيقسم خمس الغنيمة لثلاثةِ أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء، أي: يعطى لفقره لا لقرابته، والكتاب والسنة يدلاَّن على ثبوته وكذا الخلفاء بعد رسُول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعطونه، ولا يُفَضل فقير على غني؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطى القريب والبعيد.
وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين، والأنثى سهماً.
قال القرطبي: "ليست اللاَّم في "لِذِي القُرْبَى" لبيان الاستحقاق والملك، وإنَّما هي للمصرف والمحل".
قوله: {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} اليتامى: جمع "يَتيمٍ" وهو الصغير المسلم الذي لا أب له إذا كان فقيراً، و "المَسَاكِين" هم أهْلُ الفاقة والحاجة من المسلمين، و "ابْنِ السَّبيلِ" هو المسافر البعيد عن مالهِ، فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدُوا الوقعة، للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، وللرَّاجل سهم؛ لما روى ابنُ عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
"أسْهَمَ لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم سَهْماً له وسهمين لفرسه" .
وهذا قولُ أكثر أهل العلم، وإليه ذهب الثوريُّ، والأوزاعيُّ وابن المبارك والشافعيُّ وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللرَّاجلِ سهم، ويرضخ للعبيد، والنسوان، والصبيان إذا حضروا القتال.
قال القرطبيُّ: "إذا خرج العبدُ، وأهلُ الذِّمة وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس" لأنه لم يوجب عليهم خيل ولا ركاب.
ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقولِ، وعند أبي حنيفة يتخيَّرُ الإمام في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقْفاً على المصالح.
وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول، ومن قتل مُشركاً استحقَّ سلبه من رأس الغنيمة لما روي عن أبي قتادة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من قَتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سلبه" .
والسَّلبُ: كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح وفرسه الذي يركبه.
ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناءٍ وبلاء يكون منهم في الحرب يخُصُّهم به من بين سائر الجيش، ويجعلهم أسوة الجماعة في سائر الغنيمة، لما روى ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
"كان يُنفِّلُ بعض من يبعث من السَّرايا لأنفسهم خاصة سوى عامة الجيش" .
وروى حبيب بن مسلمة الفهري قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم "نَفَّلَ الرُّبعَ في البَدْأة والثُّلثَ في الرَّجْعَةِ" .
واختلف في النفل من أين يعطى؟.
فقال قوم: يعطى من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَا لي مِمَّا أفاء الله عليكم إلا الخمس والخُمسُ مردودٌ فيكم" .
وقال قومٌ: هو من الأربعة أخماس بعد إفراد الخمس كسهام الغزاة وهو قول أحمد وإسحاق.
وذهب بعضهم إلى أنَّ النَّفْلَ من رأس الغنيمةِ قبل التخميس كالسّلب للقاتل.
فصل
دلَّت هذه الآية على جوازِ قسمة الغنيمة في دار الحربِ، لقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية. فاقتضى ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة وإذا ثبت لهم الملك وجب جواز القسمة.
وروى الزمخشريُّ عن الكلبيِّ: "أنَّ هذه الآية نزلت ببدرٍ".
وقال الواقديُّ "كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة".
فصل
قال القرطبيُّ: لمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى حكم الخمس وسكت عن الأربعة أخماس دل على أنها ملك للغانمين. وملك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، إلاَّ أن الإمام مخير في الأسرى بين المن بالأمان كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثمامة بن أثال، وبين القتل كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي مُعيط من بين الأسرى صبراً، وقتل ابن الحرث صبراً، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين حضر أو غاب، وسهم الصفيّ يصطفي سيفاً أو خادماً أو دابة، وكانت صَفية بنت حُيَيّ من الصَّفيِّ من غنائم خيبر، وكذلك ذو الفقار كان منه، وقد انقطع إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقياً للإمام يجعله حيث شاء [وكان أهل الجاهلية] يرون للرئيس ربع الغنيمة قال شاعرهم: [الوافر]

2710 - لكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفايَا وحُكْمُكَ والنَّشيطةُ والفُضُول

يقال ربع الجيش يربعه: إذا أخذ ربع الغنيمة. قال الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمّس في الإسلام، فكان يأخذ منها ثم يتحكم بعد الصَّفيِّ في أي شيء أراد، وكان ما فضل منها من خرثيّ ومتاع له، فأحكم الله تعالى الدين بقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} فأبقى سهم الصَّفيِّ لنبيّه وأسقط حكم الجاهلية.
قوله: "إن كُنتُمْ" شرطٌ، جوابه مقدرٌ عند الجمهور، لا متقدم، أي: إن كنتم آمنتم فاعلموا أنَّ حكم الخمس ما تقدَّم، أو: فاقبلوا ما أمرتم به.
والمعنى: واعلمُوا أنَّما غَنِمْتُم من شيءٍ فانَّ للَّهِ خُمُسَه وللرَّسُولِ يأمر فيه ما يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم باللَّهِ، وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، وهو قوله:
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ } [الأنفال: 1] لمَّا نزلت في يوم بدر، وهو يوم الفرقان فرق اللَّهِ فيه بين الحقِّ والباطل، وهو يوم التقى الجمعان، حزب الله وحزب الشيطان، وكان يوم الجمعة سبع عشر مضت من رمضان.
وقوله "ومَا أنزلْنَا" عطفٌ على الجلالة، فهي مجرورةُ المحلِّ، وعائدُها محذوف، وزعم بعضهم أنَّ جواب الشَّرطِ متقدم عليه، وهو قوله فـ
{ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ } [الأنفال: 40]. وهذا لا يجوز على قواعد البصريين.
قوله: "يَوْمَ الفُرقِانِ" يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أن يكُون منصوباً بـ "أنزَلْنَا" أي: أنزلْنَاهُ في يوم بدر، الذي فُرِقَ فيه بين الحق والباطل.
الثاني: أن ينتصبَ بقوله "آمنتُم" أي: إن كنتم آمنتم في يوم الفرقانِ، ذكره أبُو البقاءِ.
الثالث: يجوزُ أن يكون منصوباً بـ "غَنِمْتُم".
قال الزَّجَّاجُ: أي: ما غنمتم في يومِ الفرقان فحكمه كذا وكذا.
قال ابن عطية: "وهذا تأويلٌ حسنٌ في المعنى، ويعترضه أنَّ فيه الفصل بين الظرف وما يعمل فيه بهذه الجملةِ الكثيرةِ الألفاظِ"، وهو ممنوعٌ أيضاً من جهةٍ أخرى أخصّ من هذه. وذلك أنَّ "ما" إمَّا شرطية، كما هو رأي الفرَّاءِ، وإمَّا موصولة، فعلى الأوَّل يُؤدِّي إلى الفصل بين فعل الشَّرط، ومعموله بجملة الجزاء، ومتعلَّقاتها، وعلى الثَّاني يُؤدِّي إلى الفصلِ بين فعل الصلة ومعموله بخبر "أنَّ".
قوله {يَوْمَ ٱلْتَقَى الجمْعَانِ} فيه وجهان:
أحدهما: أنَّهُ بدل من الظرف قبله.
والثاني: أنه منصوب بـ "الفرقان"؛ لأنَّه مصدرٌ، فكأنه قيل: يوم فرق فيه في يوم التقى الجمعان أي: الفرق في يوم التقاء الجمعين.
وقرأ زيد بن علي: "عَلَى عُبُدنَا" بضمتين، وهو جمع "عَبْد" وهذا كما قد قرىء {وعُبُد الطَّاغُوتِ} [المائدة: 60]، والمراد بالعُبُد في هذه القراءة هنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، والمراد بـ "مَا أنزلْنَا" أي: الآيات والملائكة، والفتح في ذلك اليوم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: يقدر على نصركم وأنتم قليلون.
قوله "إذْ أنتُم" في هذا الظَّرف أربعةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّهُ منصوبٌ بـ "اذكُرُوا" مُقدراً، وهو قول الزَّجَّاجِ.
الثاني: أنَّهُ بدلٌ من "يَوْمَ الفرقانِ" أيضاً.
الثالث: أنه منصوب بـ "قديرٌ" وهذا ليس بواضحٍ؛ إذ لا يتقيَّد اتِّصافه بالقدرة بظرفٍ من الظُّروف.
الرابع: أنه منصوبٌ بـ "الفُرْقَانِ" أي: فرق بين الحقِّ والباطل إذْ أنتم بالعُدْوَةِ.
قوله: "بالعُدْوَةِ" متعلقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ خبر المبتدأ، والباء بمعنى: "في" كقولك: زيد بمكة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "بالعِدْوَةِ" بكسر العينِ فيهما، والباقون بالضم فيهما وهما لغتان في شطِّ الوادي وشفيره وضِفَّته، كالكُسْوة والكِسْوة، والرُّشوة والرِّشوة، سُمِّيت بذلك لأنَّها عدتْ ما في الوادي من ماءٍ ونحوه أن يتجاوزها، أي: منعته؛ قال الشَّاعرُ: [الوافر]

2711 - عَدَتْنِي عَنْ زيارتها العَوَادِي وحَالَتْ دُونهَا حَرْبٌ زَبُونُ

وقرأ الحسنُ وزيد بن علي، وقتادة وعمرو بن عبيد بالفتح، وهي كلها لغاتٌ بمعنى واحد.
هذا هو قولُ جمهور اللغويين، على أنَّ أبا عمرو بن العلاء أنكر الضمَّ، ووافقه الأخفش، فقال: "لَمْ يُسْمَعْ من العرب إلاَّ الكسرُ". ونقل أبو عبيد اللغتين، إلاَّ أنه قال: الضَّمُّ أكثرهما، وقال اليزيديُّ: "الكسر لغةُ الحجازِ"؛ وأنشدوا قول أوس بنِ حجرٍ: [البسيط]

2712 - وفَارسٍ لمْ يَحُلَّ القومُ عُِدْوتَهُ ولَّوْا سِرَاعاً ومَا هَمُّوا بإقْبَالِ

بالكسر، والضم. وهذا هو الذي ينبغي أن يقال، فلا وجهَ لإنكار الضَّمِّ، ولا الكسْرِ، لتواتر كلٍّ منهما، ويحمل قول أبي عمرو على أنَّهُ لم يبلُغْه، ويحتمل أن يقال في قراءةِ من قرأ بفتح العين أن يكون مصدراً سُمِّي به المكان.
وقُرىء شاذًّا "بالعِدْيَة" بقلب الواو ياءً لانكسار ما تقدَّمها، ولا يُعْتبر الفاصلُ؛ لأنَّه ساكن، فهو حاجز غير حصين، وهذا كما قالوا: "هو ابن عمي دِنيا" بكسر الدَّال، وهو من الدنو، وكذلك: قِنْيَة، وصِبْيَة، وأصله السَّلامة، كالذِّرْوَة، والصِّفْوة والرِّبْوَة، وقد تقدَّم الكلام على لفظة "الدُّنْيَا".
قوله "القُصْوَى" تأنيث "الأقصى"، والأقصى: الأبعد، والقَصْوُ: البعد وللصَّرفيين عبارتان، أغلبهما أن "فُعْلَى" من ذوات الواو، إن كانت اسماً أبدلَتْ لامُها ياءً، ثم يُمَثِّلُون بنحو: الدُّنْيَا، والعُلْيَا، والقُصْيَا، وهذه صفاتٌ؛ لأنَّها من باب أفعل التَّفضيل، وكأنَّ العذر لهم أنَّ هذه وإن كانت في الأصْلِ صفاتٍ، إلاَّ أنَّها جرتْ مجرى الجوامد.
قالوا: وإنْ كانت "فُعْلَى" صفةً أقرَّتْ لامُها على حالها، نحو: الحُلْوى، تأنيث الأحلى ونصُّوا على أنَّ "القُصْوَى" شاذة، وإن كانت لغة الحجاز، وأنَّ "القُصْيَا" قياسٌ وهي لغة تميم، وممَّنْ نصَّ على شذوذ: "القُصْوَى" يعقوب بن السِّكِّيت.
وقال الزمخشريُّ: وأمَّا "القُصْوَى" فكالقَوَد في مجيئه على الأصل، وقد جاء "القُصْيَا" إلاَّ أنَّ استعمال "القُصوى" أكثر، كما كثر استعمال "استصوب" مع مجيء "استَصَابَ"، و "أغيَلت" مع "أغَالَتْ" انتهى.
وقد قرأ زيد بن عليٍّ: "بالعُدْوةِ القُصْيَا" فجاء بها على لغة تميم، وهي القياسُ عند هؤلاء.
والعبارة الثانية - وهي القليلةُ - العكس، أي: إن كانت صفةً أبدلتْ، نحو: العُلْيَا والدُّنيا، والقُصْيا، وإن كانت اسماً أقرَّتْ؛ نحو "حُزْوَى"؛ كقوله: [الطويل]

2713 - أدَاراً بِحُزْوَى هِجْتِ للعَيْنِ عَبْرَةً فَمَاءُ الهَوَى يرفَضُّ، أو يَتَرقْرَقُ

وعلى هذا فـ "الحُلْوَى" شاذة؛ لإقرار لامها مع كونها صفة، وكذا "القُصْوَى" أيضاً، عند هؤلاء؛ لأنها صفة وقد ترتَّب على هاتين العبارتين أنَّ "قُصْوَى" على خلافِ القياسِ فيهما وأن "قُصْيَا" هي القياس؛ لأنها عند الأولين من قبيل الأسماء، وهم يقلبونها ياء وعند الآخرين من قبيل الصفات، وهم يقلبونها أيضاً ياءً، وإنَّما يظهر الفرقُ في "الحُلْوى" و "حُزْوَى" فـ: "الحُلْوَى" عند الأولين تصحيحها قياسٌ، لكونها صفةً، وشاذة عند الآخرين، لأنَّ الصفةَ عندهم تُقْلبُ واوُها ياءً. و "الحُزْوَى" عكسُها، فإنَّ الأولين يقلبُون في الأسماء، دون الصفات، والآخرون عكسُهم. وهذا موضعٌ حسنٌ، يختلط على كثير من النَّاس، فلذلك شرحناه.
ونعني بالشذوذِ: شذوذ القياس، لا شذوذ الاستعمال، ألا ترى إلى استعمال التواتر بـ "القُصْوَى".
قوله {والرَّكْبُ أسفلَ منكُمْ} الأحسنُ في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على "هم": أن تكون عاطفة ما بعدها على "أنتُم"؛ لأنَّها مبدَأ تقسيم أحوالهم، وأحوال عدوِّهم ويجوزُ أن يكونا وَاوَي حال، و "أسْفَلَ" منصوبٌ على الظَّرف النَّائب عن الخبرِ، وهو في الحقيقة صفةٌ لظرف مكان محذوفٍ، أي: والرَّكْبُ مكاناً أسفل مِنْ مكانكم.
وقرأ زيد بنُ عليٍّ "أسْفَلُ" بالرَّفعِ، على سبيل الاتِّساع، جعل الظرف نفس الركب مبالغةً واتساعاً.
وقال مكيٌّ: "وأجاز الفرَّاءُ، والأخفشُ، والكسائي رحمهم الله تعالى "أسْفَلُ" بالرَّفع على تقدير محذوفٍ، أي: موضعُ الرَّكب أسفل"، والتخريجُ الأوَّل أبلغُ في المعنى، والرَّكْبُ: اسمُ جمعٍ لـ "رَاكبٍ" لا جمع تكسرٍ له؛ خلافاً للأخفش؛ كقوله: [الرجز]

2714 - بَنَيْتُهُ مِنْ عُصْبَةٍ مِنْ ماليَا أخْشَى رُكَيْباً ورُجَيْلاً عَادِيَا

فصَغَّره على لفظه، ولو كان جمعاً لما صُغِّر على لفظه.
قوله "ولكِن ليَقْضِيَ" متعلِّقٌ بمحذوف، أي: ولكن تلاقَيْتُم لِيقْضِي، وقدَّرَ الزمخشريُّ ذلك المحذوف فقال: "أي: ليقضي اللَّهُ أمراً كان واجباً أن يفعل، وهو نصرُ أوليائه وقهرُ أعدائه دبر ذلك"، و "كَانَ" يحتمل أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزَّمانِ الماضي، وأن تكون بمعنى "صار"، فتدُلَّ على التحوُّلِ، أي: صار مفعولاً بعد أن لم يكن كذلك.
قوله "لِيَهْلِكَ" فيه أوجه:
أحدها: أنَّهُ بدلٌ من قوله: "ليَقضيَ اللَّهُ" بإعادة العاملِ فيتعلَّق بما تعلَّق به الأول.
الثاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بقوله "مَفْعُولاً"، أي: فعل هذا الأمر لِكَيْتَ وكَيْتَ.
الثالث: أنَّهُ متعلِّق بما تعلَّق به "لِيَقْضِيَ" على سبيل العطفِ عليه بحرفِ عطفٍ محذوف، تقديره: وليهلكَ، فحذف العاطفَ، وهو قليلٌ جدًّا، وتقدَّم التنبيه عليه.
الرابع: أنَّهُ متعلِّق بـ "يَقْضِي" ذكره أبُو البقاءِرحمه الله تعالى.
وقرأ الأعمشُ وعصمة عن أبي بكر عن عاصم "لِيَهْلَكَ" بفتح اللاَّمِ، وقياسُ ما مضى هذا "هَلِكَ" بالكسر، والمشهور إنما هو الفتح، قال تعالى:
{ إِنِ ٱمْرُؤٌ هَلَكَ } [النساء: 176] { حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ } [غافر: 34].
قوله "مَنْ حَيَّ" قرأ نافعٌ وأبو بكر عن عاصم، والبزيُّ عن ابن كثير بالإظهار والباقون بالإدغام، والإظهارُ والإدغام في هذا النَّوْعِ لغتان مشهورتان، وهو كُلُّ ما آخرُه ياءان من الماضي أولاهما مكسورة؛ نحو: "حَيِيَ، وعَيِيَ"، ومن الإدغام قول المتلمِّس: [الطويل]

2715 - فَهَذَا أوانُ العِرْضِ حَيَّ ذُبابُه ..........................

وقال الآخرُ: [مجزوء الكامل]

2716 - عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَمَا عَيَّتْ ببَيْضَتِهَا الحَمَامَهْ

فأدغم "عَيُّوا"، وينُشدُ "عَيَّتْ، وعَييَتْ" بالإظهارِ والإدغام، فمن أظهر؛ فلأنه الأصلُ ولأن الإدغامَ يُؤدِّي إلى تضعيف حرفِ العلَّةِ، وهو ثقيلٌ في ذاته؛ ولأن الياء الأولى يتعيَّن فيها الإظهارُ في بعض الصُّورِ، وذلك في مضارع هذا الفعل؛ لانقلاب الثَّانية ألفاً في يَحْيَا، ويَعْيَا، فحمل الماضي عليه طرداً للباب؛ ولأنَّ الحركةَ في الثَّانية عارضةٌ؛ لزوالها في نحو: حَيِيتُ، وبابه؛ ولأنَّ الحركتين مختلفتان؛ واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين.
قالوا وكذلك: لَحِحَت عينه وضببَ المكان، وألِلَ السِّقاءُ، ومشِشَتْ الدَّابة.
قال سيبويه: "أخبرنا بهذه اللُّغةِ يونسُ" يعني بلغة الإظهار.
قال: "قد سمعت بعض العرب يقولُ: أحْيِياء، وأحْيِيَة، فيظهر". وإذا لم يدغم مع لزوم الحركةِ فمع عروضها أوْلَى، ومنْ أدغم فلاستثقال ظهور الكسرةِ في حرف يُجانسه؛ ولأنَّ الحركة الثانية لازمةٌ لأنَّهَا حركةُ بناء، ولا يضُرُّ زوالها في نحو: "حَيِيْتُ"، كما لا يَضُرُّ ذلك فيما يجب إدغامُه من الصحيحِ، نحو: حَلَلْتُ وظَللْتُ، وهذا كلَّه فيما كانت حركتُه حركة بناءٍ، ولذلك قُيِّد به الماضي.
أمَّا إذا كانت حركة إعراب فالإظهارُ فقط، نحو: لن يُحْيِي ولن يُعْيِيَ.
فصل
قوله "عَن بيِّنَةٍ" متعلق بـ "يَهْلِكَ" و "يَحْيَا"، والهلاكُ، والحياةُ عبارةٌ عن الإيمان والكفرِ، والمعنى: ليصدرَ كُفْرُ من كفر عن وضوحٍ وبيان، لا عن مُخالطةِ شبهة، وليصدر إسلامُ من أسلم عن وضوحٍ لا عن مُخالطة شبهة.
معنى الآية: "إذْ أنتُمْ" أي: اذكرُوا يا معشر المسلمين: {إِذْ أَنتُمْ بالعُدْوةِ الدُّنْيَا} أي: بشفير الوادي الأدنى من المدينة، والدُّنْيَا: تأنيثُ الأدْنَى، "وهُم" يعني: المشركين. "بالعُدُوَةِ القُصْوَى" بشفير الوادي الأقصى من المدينة ممَّا يلي جانب مكَّة، وكان الماءُ في العدوة التي نزل بها المشركون، فكان استظهارهم من هذا الوجه أشد، "والرَّكْبُ" العير التي خرجوا إليها: "أسْفَلَ مِنكُمْ" أي: في موضع أسفل إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر. "ولوْ توَاعَدتُّمْ" أنتم، وأهل مكَّة "لاخْتَلَفْتُمْ" لخالف بعضكم بعضاً لقلتكم، وكثرتهم، أو لأن المسلمين خرجوا ليأخُذُوا العير، وخرج الكفَّارُ ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد، ولكن الله جمعكم على غير ميعاد ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، لنصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه {لِيَهْلِكَ من هلك عن بَيِّنةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عن بَيِّنَةٍ}.
وذلك أن عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، كانوا في غاية الضَّعْفِ والخوف بسبب القلَّةِ، وعدم الأهبة، ونزلُوا بعيداً عن الماءِ، وكانت الأرض الَّتي نزلُوا فيها رَمْلاً تغوصُ فيه أرجُلُهُمْ، والكُفَّارُ كانوا في غاية القُوَّةِ، لكثرتهم في العدد والعدة، وكانوا قريباً من الماء وكانت الأرض التي نزلوا فيها صالحة للمضي، والعير كانوا خلف ظهورهم وكانوا يتوقَّعُون مجيء المدد ساعةً فساعةً، ثُمَّ إنَّه تعالى قلب القصَّة، وجعل الغلبة للمسلمين، والدَّمار على الكافرين، فصار ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البيِّنات على صدق محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر.
وقوله: {لِيَهْلك من هلك عن بيِّنةٍ} إشارة إلى هذا المعنى، وهو أنَّ الذين هلكوا إنَّما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البيِّنةِ: المعجزة، ثم قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: يسمع دعاءكم، ويعلم حاجتكم وضعفكم ويصلح مهمكم.
قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً}.
النَّاصب لـ "إذْ" يجوزُ أن يكون مضمراً، أي: اذكُرْ، ويجوزُ أن يكون "عليم"، وفيه بعدٌ من حيث تقييدُ هذه الصفةِ بهذا الوقتِ، ويجوزُ أن تكون "إذْ" هذه بدلاً من "إذْ" قبلها، والإراءة هنا حُلُمية.
واختلف فيها النُّحاةُ: هل تتعدَّى في الأصل لواحدٍ كالبصريَّةِ، أو لاثنين، كالظَّنِّيَّة؟.
فالجمهورْ على الأوَّلِ. فإذا دخلت همزةُ النَّقْلِ أكسبتْهَا ثانياً، أو ثالثاً على حسب القولين فعلى الأوَّلِ تكون الكافُ مفعولاً أول، و "هُمْ" مفعولٌ ثان، و "قَلِيلاً" حال، وعلى الثَّاني يكون "قَلِيلاً" نصباً على المفعول الثالث، وهذا يَبْطُلُ بجواز حذف الثالث في هذا الباب اقتصاراً، أي: من غير دليل تقول: أراني الله زيداً في مَنَامِي، ورأيتك في النوم، ولو كانت تتعدَّى لثلاثةٍ، لما حُذفَ اقتصاراً؛ لأنه خبر في الأصل.
فصل
المعنى: إذْ يريك اللَّهُ يا محمد المشركين في منامك، أي: نَوْمك.
قال مجاهد: أرَى الله النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - كفار قريش في منامه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقالوا: رُؤيَا النَّبي حق، القومُ قليل، فصار ذلك سبباً لقوَّةِ قلوبهم.
فإن قيل: رؤية الكثير قليلاً غلط، فكيف يجوزُ من اللَّه تعالى أن يفعل ذلك؟.
فالجوابُ: أنَّ الله تعالى يفعلُ ما يشاءُ، ويحكم ما يريدُ، ولعلَّه تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون.
وقال الحسنُ: هذه الإراءة كانت في اليقظة، قال: والمراد من المنامِ: العين؛ لانَّها موضع النَّوْمِ.
{وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} لجبنتم "ولتنَازَعْتُمْ" اختلفتم "فِي الأمْرِ" أي: في الإحجام والإقدام {ولـكنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} أي: سَلَّمكُم من المخالفة والفشل.
وقيل: سلَّمهم من الهزيمة يوم بدر.
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.
قال ابنُ عبَّاسٍ: عليم بما في صدوركم من الحُبِّ لِلَّهِ تعالى وقيل: يعلم ما في صدوركم من الجراءة، والجُبن والصَّبر والجزع.
قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُهُمْ} الإراءةُ - هنا - بصرية، والإتيان هنا بصلة ميم الجمع واجبٌ، لاتصالها بضمير، ولا يجوزُ التَّسكينُ، ولا الضَّمُّ من غير واوٍ، وقد جوَّز يونس ذلك فيقول: "أنْتُم ضرَبْتُمهُ" بتسكين الميم وضمها، وقد يتقوَّى بما روي عن عثمان - رضي الله عنه -: "أراهُمُنِي الباطِلُ شَيْطَاناً" وفي هذا الكلام شذوذ من وجهٍ آخر، وهو تقديمُ الضمير غير الأخصِّ على الأخصِّ مع الاتصال.
فصل
قال مقاتل - رضي الله عنه -
"إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام أنَّ العدد قليلٌ قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بِمَا رأى، فلمَّا التقوا ببدر قلَّل اللَّهُ المشركين في أعين المؤمنين" .
قال ابنُ مسعودٍ: "لقد قللُوا في أعيننا حتى قلتُ لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً".
"ويُقَلِّلُكُمْ" يا معشر المؤمنين "فِي أعينهم".
قال السُّدي: "قال ناسٌ من المشركين إنَّ العير قد انصرفت، فارجعُوا، فقال أبو جهلٍ: الآن إذ برز لكم محمدٌ وأصحابه؟ فلا ترجعوا، حتَّى تستأصلوهم، إنَّما محمدٌ وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال"، والحكمة في تقليل عدد المشركين في أعين المؤمنين: تصديق رُؤيَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتقوى قلوبهم، وتزداد جراءتهم على المشركين، والحكمة في تقليل عدد المؤمنين في أعينِ المشركين: لئلاَّ يُبالغُوا في الاستعداد والتأهُّب والحذر، فيصيرُ ذلك سَبَباً لاستيلاء المؤمنين عليهم.
ثم قال: {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}.
فإن قيل: ذكرُ هذا يفْهَمُ من الآية المتقدمة، فكان ذكره - ههنا - محض التكرار.
فالجوابُ: أنَّ المقصودَ من ذكره في الآية المتقدمة، هو أنَّهُ تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالَّة على صدق الرسول وههنا المقصود من ذكره، أنه إنَّما فعل ذلك، لئلاَّ يبالغ الكفار في الاستعداد والحذر فيصيرُ ذلك سَبَباً لانكسارهم.
ثمَّ قال {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} والغرضُ منه التَّنبيه على أنَّ أحوال الدُّنْيَا غير مقصودة لذاتها، بل المراد منها ما يصلحُ أن يكون زاداً ليوم المعاد.