التفاسير

< >
عرض

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
١١
وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ
١٢
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ
١٣
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ
١٤
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٥
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٦
-التوبة

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ}.
لمَّا بيَّن تعالى حال من لا يرقبُ في الله إلاًّ ولا ذمَّةً، وينقض العَهْدَ، ويتعدَّى ما حُدّ له. بيَّن بعده أنهم إن تابوا، وأقاموا الصَّلاة، وآتوا الزكاة، فهم: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ}.
فإن قيل: المعلق على الشيء بكلمة "إنْ" عدم عند عدم ذلك الشيء، فهذا يقتضي أنَّهُ متى لم توجد هذه الثلاثة، ولا تحصل الأخوة في الدِّين، وهو مُشْكلٌ؛ لأنَّه ربَّما كان فقيراً، أو كان غنيّاً، لكن قبل انقضاءِ الحول، لا تلزمه الزكاة.
فالجوابُ: أنَّه قد تقدَّم في تفسير قوله تعالى:
{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } [النساء:31] أن المعلق على الشَّيء بكلمة "إن" لا يلزم منه عدم ذلك الشَّيء، كذلك ههنا، ومن النَّاس من قال: إنَّ المعلق على الشَّيء بكلمة "إنْ" عدم عند عدم ذلك الشيء، فهاهنا قال: المؤاخاة بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعاً، فإنَّ الله شرطها في إثبات المؤاخاة، ومنْ لمْ يكن أهلاً لوجوب الزكاة عليه؛ وجب عليه أن يقرَّ بحكمها فإذا أقرَّ بهذا الحكم دخل في الشَّرط الذي به تجبُ الأخوة.
قوله: فإِخوَانُكُم خبرُ مبتدأ محذوف، أي: فهم إخوانكم، والجملةُ الاسمية في محلِّ جزمٍ على جواب الشرط، وفِي الدِّينِ متعلِّقٌ بـ "إخْوانُكُمْ" لِمَا فيه من معنى الفعل.
فصل
قال أبو حاتم "قال أهل البصرة أجمعون: الإخوة في النَّسبِ، والإخوان في الصَّداقة". وهذا غلطٌ، يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء إخوة، وإخوان، قال الله تعالى
{ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات:10] ولم يَعْنِ النَّسبَ، وقال تعالى: { أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ } [النور:61] وهذا في النسب.
قال ابن عبَّاسٍ: "حرمت هذه الآية دماء أهل القبلةِ" ومعنى قوله: "فَإِخْوَانُكُمْ" أي: فهم إخوانكم "فِي ٱلدِّينِ" لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، قال ابنُ مسعودٍ "أمرتم بالصَّلاةِ والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له".
وروى أبو هريرة قال: لمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب فقال عمرُ: كيف تقاتل النَّاس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتَّى يقُولُوا لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فمَنْ قَالهَا فقد عَصَمَ منِّي مالهُ ونَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّها وحِسابُهُ على اللهِ" . فقال: والله لأقاتلنَّ مَنْ فرَّق بين الصلاةِ والزكاةِ، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، قال عمر: "فوالله ما هو إلاَّ أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحقّ".
قوله {وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قال الزمخشريُّ: وهذا اعتراض واقع بين الكلامين، والمقصود: الحث والتحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها.
قوله {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} نقضوا عهودهم، "الأيمان" جمع "يمين" بمعنى: الحلف. "مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ" عقدهم. يعني: مشركي قريش. قال الأكثرون: المرادُ: نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: المرادُ: حمل العهد على الإسلام، ويؤيدهُ قراءة من قرأ "وإن نكثُوا إيمانَهُم" بكسر الهمزة والأول أولى، للقراءة المشهورة؛ ولأنَّ الآية وردت في ناقضي العهد، وقوله: {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} أي: عابوه، وهذا دليلٌ على أنَّ الذِّمِّي إذا طعن في دين الإسلام ظاهراً لا يَبْقَى له عهد.
قوله: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي: متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "أئِمَّة" بهمزتين ثانيتهما مُسهَّلة بَيْنَ بَيْنَ، ولا ألف بينهما.
والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيقهما، من غير إدخال ألف بينهما، وهشام كذلك، إلاَّ أنَّه أدخل بينهما ألفاً، هذا هو المشهور بين القراء السبعة، وفي بعضها كلامٌ يأتي إن شاء الله تعالى، ونقل أبو حيان عن نافع ومن معه، أنَّهم يبدلون الثانية ياء صريحة، وأنَّهُ قد نُقِلَ عن نافعٍ المدُّ بينهما، أي: بين الهمزة والياء. فأمَّا قراءةُ التحقيق، وبينَ بينَ، فقد ضعَّفها جماعةٌ من النحويين، كأبي علي الفارسي، وتابعيه، ومن القرَّاء أيضاً من ضعَّف التَّحقيق مع روايته له وقراءتِهِ به لأصحابه، ومنهم من أنكر التسهيل بينَ بينَ، فلم يقرأ به لأصحاب التخفيف، وقرءوا بياء خفيفة الكسر، نَصُّوا على ذلك في كتبهم، وأمَّا القراءةُ بالياء فهي التي ارتضاها الفارسيُّ، وهؤلاء الجماعة؛ لأنَّ النُّطقَ بالهمزتين في كلمة واحدة ثقيل، وهمزة بينَ بينَ بزنة المخففة.
والزمخشري جعل القراءة بصريح الياء لَحْناً، وتحقيق الهمزتين غير مقبولٍ عند البصريين، قال: "فإن قلت: كيف لفظ "أئمة"؟ قلت: بهمزة بعدها همزةُ بين بين، أي: بين مخرج الهمزة والياء وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكنْ مقبولةً عند البصريين، وأمَّا التصريحُ بالياء فلا يجوزُ أن تكون، ومن قرأ بها فهو لاحن مُحرِّفٌ".
قال أبُو حيَّان: "وذلك دَأبه في تلحين المقرئين، وكيف يكون لحناً، وقد قرأ بها رَأسُ النُّحاة البصريين أبو عمرو بن العلاءِ، وقارىءُ أهْلِ مكة ابنُ كثير، وقارىءُ أهل المدينة نافعٌ"؟
قال شهابُ الدِّين: "لايُنقَمُ على الزمخشريِّ شيءٌ، فإنه إنَّما قال: إنَّها غيرُ مقبولة عند البصريين، ولا يلزم من ذلك أنه لا يقبلها، غاية ما في الباب أنَّه نقل عن غيره، وأمَّا التصريحُ بالياء فإنَّه معذورٌ فيه، لما تقدَّم من أنه اشتُهِر بين القراء التسهيل بين بين، لا الإبدال المحض، حتَّى إنَّ الشَّاطبي جعل ذلك مذهباً للنحويين، لا للقراء، فالزمخشري إنما اختار مذهب القراء لا مذهب النُّحاة في هذه اللَّفظة".
وقد رَدَّ أبو البقاء قراءة التَّسهيل بينَ بينَ، فقال: "ولا يجوزُ هنا أن تجعل بين بين، كما جعلت همزةُ "أئذا"؛ لأنَّ الكسرة هنا منقولة، وهناك أصليةٌ، ولو خُفِّفت الهمزةُ الثانية على القياس لقُلبت ألفاً، لانفتاح ما قبلها، ولكن تُرِكَ ذلك لتتحرك بحركةِ الميم في الأصل".
قال شهابُ الدِّين "قوله "منقولةٌ" لا يُفيد؛ لأنَّ النقل هنا لازم، فهو كالأصل، وقوله "ولوْ خُفِّفَتْ على القياس" إلى آخره، لا يُفيد أيضاً؛ لأنَّ الاعتناء بالإدغام سابقٌ على الاعتناء بتخفيف الهمزة".
ووزن "أئِمَّة"أفْعِلة"، لأنَّها جمع "إمام" كـ "حمار وأحْمِرة" والأصل: "أأمِمَة" فالتقى ميمان، فأريد إدغامهما فنُقلت حركةُ الميم الأولى للسَّاكن قبلها، وهو الهمزة الثانية، فأدَّى ذلك إلى اجتماع همزتين ثانيتهما مكسورة، فالنحويون البصريون يوجبون إبدال الثانية ياء، وغيرهم يحقق، أو يسهِّل بين بين، ومنْ أدخلَ الألف فللخفَّة حتى يُفَرِّق بين الهمزتين، والأحسنُ أن يكون ذلك في التحقيق، كما قرأ هشام، وأمَّا ما رواه أبو حيان عن نافع من المدِّ مع نقله عنه أنَّه يصرِّح بالياء فللمبالغة في الخفة.
قوله: "لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ" قرأ ابنُ عامر "لا أيمان" بكسر الهمزة، وهو مصدرُ آمَن يُؤمن إيمانً. هل هو من الأمان؟ وفي معناه حينئذٍ وجهان:
أحدهما: أنهم لا يؤمنون في أنفسهم، أي: لا يُعطون أماناً بعد نُكثهم وطعنهم، ولا سبيل إلى ذلك.
والثاني: الإخبار بأنهم لا يُوفُون لأحدٍ بعهدٍ يعقدُونَه له، أو من التصديق أي: إنَّهم لا إسلام لهم، واختار مكيٌّ التأويل الأوَّل، لما فيه من تجديد فائدة لمْ يتقدَّم لها ذكرٌ؛ لأنَّ وصفهم بالكفر وعدم الإيمان قد سَبَقَ وعُرِف.
وقرأ الباقون بالفتح، وهو جمعُ يمين وهذا مناسب للنكث، وقد أُجمع على فتح الثَّانية، ويعني نفي الأيمان عن الكُفَّارِ، أنَّهم لا يُوفُون بها وإن صدرتْ منهم وثَبتَتْ؛ وهذا كقول الآخر: [الطويل]

2769- وإِنْ حَلَفْتَ لا يَنْقُضُ النَّأيُ عَهْدَهَا فَليْسَ لِمخْضُوبِ البَنَانِ يَمِينُ

وبذلك قال الشَّافعي، وحمله أبو حنيفةَ على حقيقته أنَّ يمين الكافرِ لا تكونُ يميناً شرعيةً، وعند الشافعي يمينٌ شرعيةٌ.
فصل في المراد من الآية
معنى الآية: قاتلوا الكفار بأسرهم، وإنَّما خصَّ الأئمة، والسَّادة بالذِّكر، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على الأفعال الباطلة.
قال ابنُ عبَّاسٍ: "نزلت في أبي سفيان بن حربٍ، والحارث بن هشام، وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذٍ، والذين نقضُوا العهد، وهم الذين همُّوا بإخراج الرسول"، وقال مجاهدٌ "هم أهل فارس والروم" وقال حذيفة بن اليمان "ما قُوتل أهل هذه الآية، ولم يأت أهلها بعد".
{إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أي: لا عهود لهم. ثم قال: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} وهو متعلق بقوله: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم من العظائم أن تكون المقاتلة سبباً في انتهائهم عن الكفر.
قوله تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} لما قال {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أتبعه بذكر السبب الباعث على مقاتلتهم، فقال {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} نقضُوا عهودهم، وهم الذين نقضوا عهد الصُّلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة، {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} من مكة حين اجتمعُوا في دار النَّدوة. وقيل: المراد من المدينة، لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل، وقيل: بل همُّوا على إخراجه من حيثُ أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج، وهو نقيضُ العهدِ، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعاً لما وقع منهم من الأمور الدَّاعية إليه.
وقوله: {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} إمَّا بالفعل، وإمَّا بالعزم عليه، وإن لمْ يُوجَدْ ذلك الفعل بتمامه، واعلم أنَّه ذكر ثلاثة أشياء، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم إذا انفرد، فكيف إذا اجتمعت؟
أحدها: نكثهم العهد.
والثاني: أنهم همُّوا بإخراج الرسول، وهذا من أوكد موجبات القتال.
والثالث: قوله {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني: بالقتال يوم بدر؛ لأنَّهم حين سلم العير، قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه.
وقال ناسٌ من المفسِّرين: أراد أنَّهُم بدأوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحسنُ: لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك؛ لأنَّ سورة براءة نزلت بعد فتح مكَّة.
وقوله: "أَوَّلَ مرَّةٍ" نصبٌ على ظرف الزَّمانِ، وأصلها المصدر من "مَرَّ يَمُرُّ، كما تقدم [الأنعام:94].
قوله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} الجلالةُ مبتدأ، وفي الخبر أوجهٌ:
أحدها: أنَّهُ "أحَقُّ"، و "أن تخْشَوْهُ" على هذا بدل من الجلالة بدل اشتمال، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، والتقدير: فخشية اللهِ أحَقُّ مِنْ خَشيتهم.
الثاني: أَنَّ "أَحَقُّ" خبر مقدم، و "أَن تَخْشَوهُ" مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرُ الجلالة.
الثالث: أنَّ "أَحَقُّ" مبتدأ، و "أن تَخْشَوهُ" خبره، والجملة أيضاً خبر الجلالة، قاله ابن عطية، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنها أفعل تفضيل، وقد أجاز سيبويه أن تكون المعرفةُ خبراً للنكرة في نحو: اقصد رجلاً خيرٌ منه أبوه.
الرابع: أنَّ "أن تخشوه" في محلِّ نصبٍ، أو جرٍّ، بعد إسقاطِ الخافضِ، إذ التقدير: أحقُّ بأن تخشوه، وقوله: {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} شرطٌ حذف جوابه، أو قُدِّم على حسب الخلاف [الأنفال:1].
فصل
هذا الكلامُ يقوي داعية القتال من وجوه:
الأول: أنَّ تقرير الموجبات القويَّة، وتفصيلها ممَّا يُقَوِّي هذه الداعية.
الثاني: أنَّك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك؛ فكأنك تحرضه على القتال، أي: لا تخف منه.
والثالث: قوله {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} أي: إن كنت تَخْشَى أحَداً فالله أحقُّ أن تخشاه، لكونه في غاية القدرة، فالضَّررُ المتوقع منهم غايته القتل، وأمَّا المتوقع من اللهِ فالعقابُ الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدُّنيا.
والرابع: قوله: {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} أي: إن كنتم موقنين بالإيمان، وجب عليكم القتال، أي: إنكم إن لم تقدموا على القتال، وجب أن لا تكونوا مؤمنين.
فصل
حكى الواحديُّ عن أهل المعاني أنهم قالوا: "إذا قلت: ألا تفعل كذا، فإنَّما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده، وإذا قلت: ألست تفعل، فإنَّما تقول ذلك في فعل تحقَّق وجوده، والفرقُ بينهما أنَّ "لا" ينفى بها المستقبل، فإذا أدخلت عليها الألف كان تحضيضاً على فعل ما يستقبل، و "ليس" إنما تستعمل لنفي الحال، فإذا أدخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال".
فصل
نقل عن ابن عباس أنه قال قوله: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً} ترغيب في فتح مكَّة وقوله: {قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} أي: عهدهم، يعني قريشاً حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة، كما تقدم.
وقال الحسنُ "لا يجوزُ أن يكون المرادُ منه ذلك؛ لأنَّ سورة براءة نزلت بعد فتح مكَّة".
فصل
قال الأصم "دلَّت الآية على أنَّهم كرهوا هذا القتال، لقوله:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [البقرة:216] فأمنهم الله تعالى بهذه الآيات". قال القاضي "إنه تعالى قد يحث على فعل الواجب من لا يكون كارهاً له، ولا مُقصراً فيه، فإن أراد أن مثل هذا التحريض على الجهاد لا يقع إلاَّ وهناك كره للقتال، لا يصح أيضاً، لأنَّهُ يجوز أن يحث تعالى بهذا الجنس على الجهاد، لكي لا يحصل الكره الذي لولا هذا التحريض كان يقع".
فصل
قال القرطبيُّ "استدلُّوا بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدِّين، إذ هو كافر، والطعنُ هو أن ينسب إليه ما لا يليقُ به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدِّين، لما ثبت بالدليل القطعي على صحَّة أصوله، واستقامة فروعه" قال ابنُ المنذر: "أجمع عامَّةُ أهل العلم على أنَّ من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقتل". قال القرطبيُّ: "وأمَّا الذِّمي إذا طعن في الدِّين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك، لقوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} [التوبة:13] الآية، فأمر بقتلهم وقتالهم، وهو مذهب الشَّافعي وقال أبو حنيفة: يستتابُ، وإنَّ مجرَّد الطَّعن لا ينقض به العهد إلاَّ مع وجود النَّكث".
فصل
[إذا حارب الذميُّ انتقض عهده، وكان ماله وولده فيئاً معه].
فصل
قال القرطبيُّ: "أكثر العلماء على أنَّ من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذِّمة، أو عرَّض، أو استخفَّ بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي نعت به فإنه يقتل؛ لأنَّا لَمْ نُعْطِه الذِّمة أو العهد على هذا، لقوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} الآية، وقال أبو حنيفة والثوريُّ وأتباعهما من أهل الكوفة: لا يقتلُ، لأنَّ ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدَّب".
فصل
قال القرطبي: "اختلفوا فيما إذا سبَّه ثم اسلم تقية من القتل، فقيل: يسقطُ القتل بإسلامه، وهو المشهور من المذاهب؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. بخلاف المسلم إذا سبَّه ثم تاب، قال تعالى:
{ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال:38]. وقيل: لا يسقط الإسلام قتله، قاله في العتبية".
قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} الآية.
اعلم أنَّه تعالى لمَّا قال في الآية الأولى: "ألاَ تُقاتِلُونَ" وذكر الأشياء التي توجبُ إقدامهم على القتالِ، ذكر في هذه الآية خمسة أنواع من الفوائد، كلُّ واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف إذا اجتمعت؟.
أولها: قوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} وسمى ذلك عذاباً؛ لأنَّ اللهَ تعالى يعذب الكافرين، إن شاءَ في الدُّنيا، وإن شاء في الآخرة، والمراد من هذا العذاب القتل تارةً، والأسر أخرى، واغتنام الأموال ثالثاً.
فإن قيل: أليس قد قال تعالى:
{ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [الأنفال:33] فكيف قال ههنا: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}؟.
فالجواب: المراد من قوله
{ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [الأنفال:33] عذاب الاستئصال والمراد من قوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} عذاب القتل والحرب، والفرق بين البابين: أنَّ عذابَ الاستئصال قد يتعدَّى إلى غير المذنب، وإن كان في حقه سبباً لمزيد الثواب، أمَّا عذابُ القتل، فالظَّاهر أنه مقصورٌ على المُذْنب.
فصل
احتج أهل السنة على أنَّ فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى بقوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} فإنَّ المراد من هذا العذاب، القتل والأسر، وظاهر هذا النص يدلُّ على أنَّ ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى، يدخله في الوجود على أيدي العبادِ.
وأجاب الجبائيُّ عنه فقال: لو جاز أن يقال إنَّهُ يعذب الكُفَّار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكُفار، ولجاز أن يقال: إنَّهُ يكذب الأنبياء على ألسنة الكُفَّار، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنَّه تعالى خالق لذلك، فلمَّا لم يَجُزْ ذلك عند المجبرة، علم أنَّه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنَّما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع من حيثُ إنَّهُ حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير.
وأجيب: بأنَّ الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك، إلاَّ أنا لا نقوله باللِّسانِ، كما نعلم أنه تعالى هو الخالقُ لجميع الأجسام، ثم إنا لا نقول: يا خالق الأبوال والعذرات، ويا مكون الخنافس، والديدان، فكذا ههنا، وأيضاً: أنا توافقنا على أن الزِّنا واللِّواط وسائر القبائح، إنما حصلت بتقدير الله وتيسيره، ثمَّ لا يجوز أن يقال: يا مسهل الزنا واللواط، ويا دافع الموانع عنها.
وأما قوله: المراد إذن الإقدارُ، فهذا صرف للكلام عن ظاهره، وذلك لا يجوزُ إلاَّ لدليل قاهر، والدَّليل القاهر من جانبنا، فإنَّ الفعل لا يصدر إلاَّ عند الدَّاعية الحاصلة، وحصول تلك الدَّاعية ليس إلاَّ من الله تعالى.
وثانيها: قوله: "ويُخْزِهِمْ" أي: يذلهم بالأسر والقهر، قال الواحديُّ "إنهم بعد قتلكم إيَّاهم" وهذا يدلُّ على أنَّ الإخزاء وقع بهم في الآخرة، وهذا ضعيف لما تقدَّم من أنَّ الإخزاء حاصلٌ في الدنيا.
وثالثها: قوله: "وينصُرْكُم عليْهِمْ" أي: لمَّا حصل لهم الخزي، بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين [بسبب] كونهم قاهرين.
فإن قيل: لمَّا كان حصُولُ الخزي مستلزماً لحصول النصر، كان إفراده بالذِّكرِ عبثاً.
فالجوابُ: ليس الأمر كذلك؛ لأنه يحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين، إلاَّ أنَّ المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر، فلمَّا قال: "وينصُرْكم عليْهِمْ" دلَّ على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر.
ورابعها: قوله {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}. قرأ الجمهور بياء الغيبة، رَدّاً على اسم الله تعالى، وقرأ زيد بن علي "نشف" بالنُّون، وهو التفات حسن، وقال: "قَوْمٍ مُؤمنينَ" شهادة للمخاطبين بالإيمان، فهو من باب الالتفات، وإقامة الظَّاهر مقام المضمر، حيث لم يقل "صدوركم".
والمعنى: ويبرىء داء قلوب قَوْمٍ مُؤمنين مِمَّا كانُوا ينالُونه من الأذى منهم.
ومعلوم أنَّ من طال تأذِّيه من خصمه، ثم مكَّنه الله منه على أحسنِ الوجوه، فإنَّهُ يعظم سروره به، ويصير ذلك سبباً لقوة النفس، وثبات العزيمة.
وقال مجاهدٌ والسديُّ "أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله، حيث أعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكّلوا بهم، فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم".
وخامسها: قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} كرْبَهَا ووَجْدهَا بمعونة قريش بني بكر عليهم.
فإن قيل: قوله {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} معناه أنه يشفي من ألم الغَيْظِ، وهذا هو عين إذهاب الغيظ، فكان قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} تكراراً.
فالجوابُ: أنَّه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح، فكانوا في زحمة الانتظار، كما قيل: الانتظار الموت الأحمرُ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار، فظهر الفرق بين قوله: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} وبين قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} فهذه المنافع الخمسة ترجع إلى تسكين الدَّواعي الناشئة من القوَّة الغضبيَّة، وهي التَّشفي، ودرك الثَّأر وإزالة الغيظ، ولم يذكر فيها وجدان المال، والفوز بالمطاعم والمشارب؛ لأنَّ العرب جبلوا على الحميّة والأنفة، فرغبهُم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم.
وقرأ الجمهور: "ويُذْهب" بضمِّ الياء وكسرِ الهاء مِنْ: "أذْهَبَ"، و "غَيْظَ" مفعول به وقرىء "ويَذْهَب" بفتح الياء والهاء، جعله مضارعاً لـ "ذَهَبَ"، و "غيظُ" فاعل به وقرأ زيد بن علي كذلك، إلاَّ أنَّه رفع الفعل مستأنفاً، ولم ينسقْه على المجزم قبله، كما قَرَءُوا "ويتوبُ" بالرفع عند الجمهور.
قوله: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} قرأ الجمهور بالرَّفع، وقرأ زيدُ بنُ علي، والأعرج، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وعيسى الثقفي، وأبو عمرو في رواية ويعقوب "ويتُوبَ" بالنَّصب، فأمَّا قراءةُ الجمهور فإنَّهَا استئنافُ إخبارٍ، وكذلك وقع، فإنه قد أسلم ناسٌ كثيرون، كأبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو وغيرهم.
قال الزجاج: وأبُو الفتح: وهذا أمرٌ موجودٌ، سواءٌ قوتلوا، أمْ لمْ يقاتلوا، ولا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في: "قَاتِلُوهم". يعنيان بالشَّرط: ما فُهِمَ من الجملة الأمرية. قالوا: ونظيره:
{ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ } [الشورى:24] وتمَّ الكلامُ ههنا، ثم استأنف فقال: { وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ } [الشورى:24] وأمَّا قراءةُ زيد ومنْ ذُكر معه فإنَّ التوبةَ تكونُ داخلة في جواب الأمر من طريقِ المعنى، وفي توجيه ذلك غموضٌ، فقال بعضهم: إنَّه لمَّا أمرهُمْ بالمقاتلة شقَّ ذلك على بعضهم، فإذا أقدموا على المقاتلةِ صار ذلك العملُ جارياً مجرى التوبة من تلك الكراهة، قاله الأصمُّ. فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يُعذِّبهمُ الله، ويتُبْ عليكم من تلك الكراهة لقتالهم، وقال آخرون - في توجيه ذلك -: إنَّ حصول الظَّفَر وكثرة الأموال لذَّةٌ تطلبُ بطريقٍ حرام، فلمَّا حصلتْ لهُم بطريقٍ حلالٍ، كان ذلك داعياً لهم إلى التَّوبة ممَّا تقدم، فصارت التوبةُ معلقةً على المقاتلة.
وقال ابنُ عطية - في توجيه ذلك -: "يتوجه عندي إذا ذهب إلى أنَّ التوبة يراد بها هنا قتل الكافرين والجهاد في سبيل الله، هو توبةٌ لكم أيها المؤمنون، وكمالٌ لإيمانكم، فتدخلُ التسوية على هذا في شرطِ القتال".
قال أبُو حيان "وهذا الذي قرروه من كون التَّوبة تدخلُ تحت جواب الأمر بالنسبة للمؤمنين الذين أمِرُوا بقتال الكُفَّارِ، والذي يظهر أنَّ ذلك بالنسبة إلى الكُفَّار، والمعنى: على من يشاء من الكفار، لأنَّ قتال الكفارِ، وغلبة المسلمين إياهم قد يكونُ سبباً لإسلام كثير، ألا ترى إلى فتح مكَّة، كيف أسلم لأجله ناسٌ كثيرون، وحسنُ إسلامُ بعضهم جدّاً، كـ: ابن أبي سرح، ومن تقدم ذكره، وغيرهم" فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يتب الله على من يشاء من الكُفَّار، أي: يُسْلمُ من يشاء منهم، والمرادُ بالتَّوبة هنا: الهداية إلى الإسلام كما ذكره جمهور المفسرين، ثمَّ قال {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عليم بكل ما يفعل في ملكه "حَكِيمٌ" مصيب في أحكامه وأفعاله.
قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} الآية.
قال الفراء: "أمْ" من الاستفهام الذي يتوسط الكلام، ولو أريد به الابتداء لكان بـ "الألف" أو بـ "هل".
فصل
هذا ترغيبٌ في الجهاد قيل: هذا خطابٌ للمنافقين، وقيل: للمؤمنين الذي شق عليهم القتال، فقال: أحسبتم أن تتركوا فلا تأمروا بالجهاد، ولا تمتحنوا، ليظهر الصادق من الكاذب، "ولمَّا يعلم اللهُ" أي يرى اللهُ الذين جاهدوا منكم، وذكر العلم والمراد منه: المعلوم، فالمراد أن يصدر الجهاد عنهم، إلاَّ أنه لما كان وجود الشيء يلزمه أن يكون معلوم الوجود عند الله، لا جرم جعل علم الله بوجوده كناية عن وجوده.
قوله {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} يجوزُ في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنَّها داخلةٌ في حيِّز الصلة، لعطفها عليها، أي: الذين جَاهَدُوا ولم يتَّخذُوا.
الثاني: أنَّها في محلِّ نصب على الحالِ من فاعل: "جَاهدُوا" أي: جَاهَدُوا حال كونهم غير متخذين وليجَةً.
و: "وَليجَةً" مفعول، و "مِن دُونِ اللهِ" إمَّا مفعول ثان، إن كان الاتخاذُ بمعنى التَّصْيير، وإمَّا متعلقٌ بالاتخاذ، إن كان على بابه، والوليجة: فَعِيلة، مِن الوُلُوج، وهُو الدُّخُولُ، و "الوَليجَةُ" من يداخلك في باطن أمورك، وقال أبو عبيدة: "كُلُّ شيءٍ أدخلته في شيءٍ وليس منهُ، والرجل في القوم وليس منهم، يقال له وليجة" ويستعملُ بلفظٍ واحدٍ، للمفردِ، والمثنى، والمجموع، وقد يجمعُ على "ولاَئِج" ووُلُج، كـ: صحيفة، وصحائف، وصحف وأنشدوا لعبادة بن صفوان الغنوي: [الطويل]

2770- ولائجُهُمْ في كُلِّ مَبْدَى ومَحْضَرٍ إلى كُلِّ مَنْ يُرْجَى ومَنْ يَتخوَّفُ

فصل
معنى الآية: {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} بطانة، وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم.
وقال قتادةُ: "وَليجةً" خيانة. وقال الضَّحَّاك. "خديعة". والمقصودُ من ذكر هذا الشَّرط: أنَّ المجاهد قد يجاهد ولا يكون مُخْلصاً، بل يكون منافقاً باطنه خلاف ظاهره، فبيَّن أنَّهُ لا بد وأن يأتُوا بالجهاد مع الإخلاص خالياً عن الرياءِ، والنفاقِ، والتَّودُّدِ إلى الكفار.
والمقصودُ: بيان أنَّه ليس الغرضُ منه إيجاب القتالِ فقط، بل الغرض أن يُؤتَى به انقياداً لأمر اللهِ، ولحكمه وتكليفه، ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله فحينئذٍ يحصل به الانتفاع.
قوله: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قرأ الحسنُ "بِمَا يَعْملُون" بالغيبةِ على الالتفات؛ وبها قرأ يقعوبُ في رواية سلاَّم، أي: عالم بنياتهم، وأغراضهم، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ الله لا يَرْضَى أن يكون الباطنُ خلاف الظَّاهِرِ، ولا الظَّاهر خلاف الباطن، وإنَّما يريدُ من خلقه الاستقامة، كما قال
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ } [فصلت:30]، قال: ولمَّا فرض القتالُ، تميَّز المنافقُ من غيره، وتميَّز من يوالي المؤمنين ممَّن يعادِيهمْ.