التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ
٣٨
إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٣٩
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٠
-التوبة

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ} الآية. لمَّا ذكر فضائح الكفار عاد إلى التَّرغيب في مقاتلتهم.
قال ابنُ عبَّاس: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك لأنَّهُ عليه الصلاة والسلام لمَّا رجع من الطائف أقام بالمدينة أمر بجهاد الرُّوم وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر، حين طابت ثمار المدينة، واستعظم النَّاسُ غزو الرُّوم وهابوه، وكان ذلك في حر شديد، وسفر بعيد، ومفاوز، وعدُو كثير، وذلك حين طابت ثمار المدينة، وظلالها فأمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فشقَّ عليهم الخروج، وتثاقلُوا، فنزلت هذه الآية.
ومعنى: "إِذَا قِيلَ لَكُم" أي: قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم "انفِرُوا" اخرجوا، واسم القوم الذين يخرجون النفير.
قوله: "ٱثَّاقَلْتُمْ" أصله "تثَاقلْتُم" فلمَّا أريد الإدغام سكنت الثَّاءُ فاجتلبت همزةُ الوصل كما تقدَّم في
{ فَٱدَّارَأْتُمْ } [البقرة:72]، والأصل: "تَدَارَأتُم". وقرأ الأعمشُ "تثاقَلْتُم" بهذا الأصل و "ما" في قوله: "مَا لَكُمْ" استفهامية، وفيها معنى الإنكار.
وقيل: فاعله المحذوف هو الرسول. "اثَّاقَلْتُمْ" ماضي اللَّفظ، مضارع المعنى، أي: تتثاقلون، وهو في موضع الحالِ، وهو عاملٌ في الظَّرف، أي: ما لكم متثاقلين وقت القول.
وقال أبُو البقاءِ: "اثَّاقلتم: ماض بمعنى المضارع أي: ما لكم تتثاقلون، وهو في موضع نصب، أي: أيُّ شيء لكم في التَّثاقل، أو في موضع جر على رأي الخليلِ. وقيل: هو في موضع حال".
قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد؛ لأنه يلزم منه حذفُ "أنْ" لأنه لا ينسبِكُ مصدرٌ إلاَّ من حرف مصدري والفعل وحذفُ "أنْ" في هذا قليلٌ جداً، أو ضرورة. وإذا كان التقديرُ في التثاقل، فلا يمكن عمله في "إذا" لأنَّ معمول المصدر الموصول لا يتقدَّمُ عليه، فيكون النَّاصب لـ "إذا" والمتعلِّق به في التثاقل ما تعلَّق به "لَكُم" الواقعُ خبراً لـ "ما" وقرىء "أثَّاقلْتُم" بالاستفهام الذي معناه الإنكار، وحينئذٍ لا يجوزُ أن يعمل في "إذا"؛ لأنَّ ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله، فيكونُ العاملُ في هذا الظَّرف إمَّا الاستقرارُ المقدَّر في "لكم"، أو مضمرٌ مدلولٌ عليه باللَّفظ، والتقدير: ما تصنعون إذا قيل لكم، وإليه نحا الزمخشري.
والظَّاهر أن يقدَّر: ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم، ليكون مدلولاً عليه من حيث اللفظُ والمعنى.
وقوله: "إِلَى ٱلأَرْضِ" ضُمِّنَ اثَّاقلتم معنى المَيْل والإخلاء، فعدي بـ "إلى" والمعنى: تباطأتم إلى الأرض، أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، وملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق الجهاد ومتاعبه، ونظيره قوله
{ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } [الأعراف:176] قال المفسِّرون: معناه: اثاقلتم إلى نعيم الأرض، وإلى الإقامة وبالأرض.
قوله {أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: بخفض الدنيا ودعتها. وقوله: {إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ} جناس لفظي]، وكذا قوله:
{ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ } [آل عمران:200]، وقوله: { أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ } [هود:48] وقوله: { يٰأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ } [يوسف:84]، وقوله: { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ } [النمل:44]، وقوله: { أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ } [فصلت:51]، وقوله: { عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } [الدخان:32] وقوله { مَالِكَ ٱلْمُلْكِ } [آل عمران:26].
قوله "مِنَ ٱلآخِرَةِ" تظاهرت أقوالُ المعربين، والمفسرين على أنَّ "مِنْ" بمعنى "بدل" كقوله
{ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً } [الزخرف:60]، أي: بدلكم؛ ومثلة قول الآخر: [الرجز]

2783- جَارِيةٌ لَمْ تأكُلِ المُرقَّقَا ولمْ تَذُقْ مِن البُقُولِ الفُسْتُقَا

وقول الآخر: [الطويل]

2784- فَليْتَ لَنَا مِنْ ماءِ زَمْزمَ شَرْبَةً مُبرَّدَةً باتَتْ على طَهَيَانِ

إلاَّ أنَّ أكثر النَّحويين لم يثبتُوا لها هذا المعنى، ويتأوَّلون ما أوهم ذلك، والتقدير هنا: اعتصمْتُمْ من الآخرة راضين بالحياةِ الدُّنيا، وكذلك باقيها.
وقال أبُو البقاءِ: "مِنَ ٱلآخِرَةِ" في موضع الحال، أي: بدلاً من الآخرة. فقدَّر المتعلَّقَ كوناً خاصاً، ويجوز أن يكون أراد تفسير المعنى. ثم قال: "فما متاع الحياة الدنيا" أي: لذاتها. وقوله "فِي الآخرةِ" متعلقٌ بمحذوفٍ من حيثُ المعنى، تقديره: فما متاعُ الحياة الدنيا محسوباً في الآخرة فـ "محسوباً" حالٌ مِنْ "متاعُ".
وقال الحوفي: إنَّه متعلق بـ "قَلِيلٌ"، وهو خبر المبتدأ قال: "وجاز أن يتقدَّم الظَّرفُ على عامله المقترن بـ "إلاَّ"؛ لأنَّ الظروف تعمل فيها روائحُ الأفعال، ولو قلت: ما زيدٌ عمراً إلاَّ يضرب، لم يَجُزْ".
فصل
الدَّليلُ على أنَّ متاع الدُّنيا في الآخرة قليل، أنَّ لذات الدُّنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفاتِ والبليات، ومنقطعة عن قريبٍ لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفاتِ، ودائمة أبدية سرمدية، وذلك يوجب القطع بأنَّ متاع الدُّنيا في جنب متاع الآخرة قليل حقير.
قوله: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.
في الآخرة، وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا.
قال القرطبيُّ: "هذا شرطٌ، فلذلك حذفت منه النُّون. والجوابُ "يُعذِّبْكُم" و {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} وهذا تهديدٌ ووعيدٌ لتارك النَّفير". {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} خيراً منكم وأطوع.
قال ابنُ عبَّاسٍ: "هم التابعون".
وقال سعيدُ بن جبير: "هم أبناء فارس" وقيل: هم أهلُ اليمن. "وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً" بترككم النفير.
قال الحسنُ "الكناية راجعة إلى الله تعالى، أي: لا تضروا الله"، وقال غيره تعود إلى الرسول؛ لأنَّ الله عصمه من الناس، ولا يخذله إن تثاقلتم عنه. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قال الحسنُ وعكرمةُ: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
{ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً } [التوبة:122] وقال المحقِّقون: الصحيح أنَّ هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا، وعلى هذا فلا نسخ.
قوله: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}. هذا الشرط جوابه محذوف، لدلالة قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} عليه، والتقدير: إلاَّ تنصروه فسينصره. وذكر الزمخشريُّ فيه وجهين:
أحدهما: ما تقدَّم. والثاني: قال "إنه أوجب له النُّصْرَة، وجعله منصوراً في ذلك الوقتِ، فلنْ يُخْذَلَ من بعده". قال أبُو حيَّان: "وهذا لا يظهرُ منه جوابُ الشَّرط؛ لأنَّ إيجابَ النصرة له أمْرٌ سبق، والماضي لا يترتَّب على المستقبل والذي يظهرُ الوجهُ الأول". وهذا إعلام من الله أنَّه المتكفلُ بنصر رسوله، وإعزاز دينه، أعانوه، أو لَمْ يُعينُوه، وأنه قد نصرهُ عند قلة الأولياءِ، وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العَدَدِ والعُدَدِ.
وقوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخُروج من مكَّة، حين مكروا به وأرادوا تثبيته، وهمُّوا بقتله.
قوله "ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ" منصوبٌ على الحالِ من مفعول "أخْرَجهُ" وقد تقدَّم معنى الإضافة في نحو هذا التَّركيب عند قوله:
{ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } [المائدة:73].
وقرأت جماعة "ثَانِي اثنَيْنِ" بسكون الياء. قال أبُو الفَتْحِ: "حكاها أبو عمرو".
ووجهها أنَّ يكون سكَّن الياء تشبيهاً لها بالألفِ وبعضهم يخصُّه بالضرورة، والمعنى: هو أحد الاثنين، والاثنان أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر أبو بكر الصديق.
قوله: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ}. "إذ" بدلٌ من "إذ" الأولى، والعاملُ فيها "فَقدْ نَصرَهُ". وقال أبُو البقاءِ: "مَنْ منع أن يكون العاملُ في البدلِ هو العامل في المبدل منه، قدَّر عاملاً آخر، أي: نصره إذ هما في الغارِ". و "الغارُ" بيت يكون في الجبل، وهو هنا بيت في جبل ثور بمكَّة، ويجمع على "غِيران"، ومثله: "تاج وتِيجَان"، و "قاعٌ وقيعان"، والغارُ أيضاً: نَبْتٌ طيبُ الريح، والغارُ أيضاً: الجماعة والغاران: البطنُ والفرجُ. وألف "الغَارِ" عن واو.
قوله: "إِذْ يَقُولُ" بدل ثان من "إذْ" الأولى. وقال أبُو البقاءِ: أي: إذ هما في الغار، و "إذْ يَقُول" ظرفان لـ "ثَانِي اثنَيْنِ".
فصل
عن ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "أنت صاحبي في الغارِ وصاحبِي على الحَوْضِ". قال الحسينُ بن الفضل "من قال إنَّ أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً لا كافراً".
فإن قيل: إنَّ الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحباً للمؤمن في قوله:
{ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ } [الكهف:37].
فالجوابُ: أنَّ هناك وإن وصفه بكونه صاحباً إلاَّ أنَّه أردفهُ بما يدلُّ على الإهانة والإذلال وهو قوله: "أكفرتَ"؟ أمَّا ههنا فبعد أن وصفه بكون صاحباً ذكر بعده ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} فأيّ مناسبة بين البابين؟.
روي أنَّ قريشاً لمَّا بيَّتُوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر عليّاً أن يضطجع على فراشه، ليمنعهم السواد من طلبه، جعل أبُو بكر يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
"ما لك يا أبا بكر؟ فقال: أذكر الطلب؛ فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك؛ فلما انتهينا إلى الغار دخل أبو بكر أولاً، يلتمس ما في الغار، فقال له رسُول الله صلى الله عليه وسلم، ما لك؟ فقال بأبي أنت وأمِّي، الغيرَانُ مأوى السِّباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بِي لا بِكَ وكان في الغارِ حجر، فوضع عقبه عليه، لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا، بكى أبو بكر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام لا تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنَا فقال أبو بكر: إن الله لمعنا، فقال الرسول نعم فجعل يمسح الدموع عن خدِّه، ولم يكن حزن أبي بكر جبناً منه، وإنَّما إشفاقاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن أقتل فأناً رجلٌ واحدٌ، وإن قتلت هلكت الأمة."
وروي أنَّ الله تعالى بعث حمامتين فباضتا في أسفل باب الغارِ، والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللَّهُمَّ أعْمِ أبصارهم" فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحداً.
فصل
دلَّت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه:
أحدها: أنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا ذهب إلى الغار كان خائفاً من الكفار أن يقتلوه، فلولا أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعاً بأنَّ أبا بكر من المؤمنين المحقين الصادقين الصِّديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك؛ لأنه لو جوز أن يكون باطنُه بخلاف ظاهره، لخافه أن يدل أعداءه عليه، أو لخافه أن يقدم هو على قتله، فلمَّا استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دلَّ على أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان قاطعاً بأنَّ باطنه على وفق ظاهره.
وثانيها: أن الهجرة كانت بإذن الله، وكن في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقرب من أبي بكر، فلولا أنَّ الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في هذه الواقعة الصعبة، وإلاَّ لكان الظاهر ألاَّ يخصه بهذه الصُّحبة وتخصيص الله إيَّاه بهذا التشريف يدلُّ على علو منصبه في الدِّين.
وثالثها: أنَّ كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمَّا أبو بكر فما فارق رسول الله كغيره، ولا تخلَّف عنه كغيره، بل صبر على مؤانسته، وملازمته، وخدمته عند الخوفِ الشَّديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم.
ورابعها: أنَّه تعالى سمَّاه: "ثَانِيَ اثْنَيْنِ" فجعله ثاني محمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام - حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه كان ثاني محمدٍ - عليه الصلاة والسلام - في أكثر المناصب الدينية، فإنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا أرسل إلى الخلقِ وعرض الإسلام على أبي بكر فآمن؛ وذهب وعرض الإسلام على طلحة، والزبير، وعثمان، وجماعة من كبار الصحابة فآمن الكلُّ على يده، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل، فكان هو - رضي الله عنه - "ثَانِي اثْنَيْن" في الدَّعوة إلى الله تعالى، وكلَّما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، كان أبو بكر يقف في خدمته، فكان "ثَانِيَ اثنين" في المواقف كلِّها، وكلما صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقف خلفه، وكلَّما جلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان "ثَانِيَ اثنين" في مجلسه، ولمَّا مرض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قام مقامه في الإمامة، فكان "ثَانِيَ اثْنَيْنِ" ولمَّا مات دفن بجنبه، فكان "ثاني اثنين" هناك.
وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله تعالى:
{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة:7] الآية. ثم إن هذا الحكم عام في حق المؤمن والكافر، فلمَّا لم يكن هذا المعنى من الله دالاًّ على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي عليه الصلاة والسلام على فضيلة الإنسان أولى؟.
والجوابُ: أنَّ هذا تعسف بارد؛ لأنَّ المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلقاً على ضمير كل أحد، أمَّا هنا فالمراد بقوله تعالى: {ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ} تخصيصه بهذه الصِّفة في معرض التعظيم.
قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} فالضمير في "عَلَيْه" يعودُ على أبي بكر؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه السكينة دائماً، وقد تقدَّم القولُ في السكينة. والضميرُ في "أيَّدهُ" للنبي صلى الله عليه وسلم وهو إشارة إلى قصَّة بدر، وهو معطوف على قوله {فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}. وقرأ مجاهد "وأيَدَه" بالتَّخفيف. و "لَمْ تَرَوْهَا" صفة لـ "جُنُود".
قوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ} كلمتهم: الشرك وهي السفلى إلى يوم القيامة، {وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} إلى يوم القيامة. قال ابنُ عبَّاسٍ "هي قول: لا إله إلاَّ الله".
وقيل: كلمة الذين كفروا ما قدروا في أنفسهم من الكيدية، وكلمة الله: وعده أنه ناصره.
والجمهور على رفع "كَلِمة" على الابتداء، و "هي" يجوزُ أن تكون مبتدأ ثانياً، و "العُليا" خبرها، والجملة خبر الأوَّل. ويجز أن تكن "هي" فصلاً، و "العُليا" الخبر. وقرأ يعقوب "وكلمةَ اللهِ" بالنَّصب، نسقاً على مفعولي "جعل" أي: وجعل كلمة الله هي العليا.
قال أبُو البقاء: وهو ضعيفٌ، لثلاثة أوجه:
أحدها: وضعُ الظَّاهر موضع المضمر، إذ الوجه أن يقول: وكلمته.
الثاني: أنَّ فيه دلالةً أنَّ كلمة الله كانت سُفْلَى، فصارت عليا، وليس كذلك.
الثالث: أنَّ توكيد مثل ذلك بـ "هي" بعيد، إذ القياسُ أن يكون "إياها".
قال شهابُ الدِّين: أما الأولُ فلا ضعف فيه؛ لأنَّ القرآن ملآن من هذا النَّوعِ، وهو من أحسن ما يكون؛ لأنَّ فيه تعظيماً وتفخيماً.
وأمَّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر، وهو أن يكون الشَّيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدلُّ التَّصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة.
وأمَّا الثالثُ فـ "هِيَ" ليست تأكيداً ألبتة، إنما هي ضمير فصل على حالها، وكيف يكونُ تأكيداً، وقد نصَّ النحويون على أنَّ المضمر لا يؤكد المظهر؟.
ثم قال: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: قاهر غالب "حَكِيمٌ" لا يفعل إلاَّ الصَّواب.