التفاسير

< >
عرض

وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ
٤٩
إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ
٥٠
قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
٥١
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ
٥٢
قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٣
-التوبة

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} الآية.
{مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} كقوله: "يَا صالحُ ائتنا" من أنه يجوزُ تحقيقُ الهمزة، وإبدالها واواً، لضمة ما قبلها، وإن كانت منفصلةً من كلمةٍ أخرى. وهذه الهمزةُ هي فاءُ الكلمة، وقد كان قبلها همزة وصلٍ سقطت درجاً.
قال أبو جعفرٍ "إذا دخلت "الواو" و "الفاء" على "ائذن" فهجاؤها: ألف وذال ونون، بغير ياء. أو "ثم" فالهجاءُ: ألفٌ وياءٌ وذالٌ ونونٌ. والفرق: أنَّ "ثُمَّ" يوقف عليها وينفصل، بخلافهما".
قال شهابُ الدِّين "يعني إذا دخلت واوُ العطف، أو فاؤه، على هذه اللفظة اشتدَّ اتصالهما بها، فلم يُعْتَدَّ بهمزة الوصل المحذوفة دَرْجاً، فلم يُرْسَمْ لها صورةٌ، فتكتب "فأذَنْ"، و "أذَنْ" فهذه الألف هي صورة الهمزة، التي هي فاء الكلمة".
وإذا دخلت عليها "ثم" كُتِبَتْ كذا: ثم ائتُوا، فاعتدُّوا بهمزة الوصل فرسموا لها صورة.
قال شهابُ الدين: وكأنَّ هذا الحُكْمَ الذي ذكره مع "ثم" يختصُّ بهذه اللَّفظة، وإلاَّ فغيرها مما فاؤه همزةٌ، تسقط صورة همزة وصله خطّاً، فيكتب الأمرُ من الإتيان مع "ثم" هكذا: "ثُمَّ أتُوا"، وكان القياس على "ثُم ائْذَنْ"ثم ائْتُوا"، وفيه نظرٌ، وقرأ عيسى بن عمر، وابن السَّميفع، وإسماعيل المكي، فيما روى عنه ابن مجاهد "ولا تُفْتِنِّي" بضم حرف المضارعة، من "أفتنه" رباعياً. قال أبُو حاتم "هي لغة تميمٍ" وقيل: أفتنه: أدخله فيها، وقد جمع الشاعر بين اللغتين، فقال: [الطويل]

2791- لَئِنْ فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمْسِ أفْتَنَتْ سَعِيداً فأمْسَى قَدْ قَلاَ كُلَّ مُسْلِمِ

ومتعلق "الإذن": القعودُ، أي: ائذن لي في القعود والتخلف عن الغزو، ولا تَفْتِنِّي بخروجي معك. أي: لا تهلكني بخروجي معك، فإنَّ الزمانَ شديد الحرّ، ولا طاقة لي به. وقيل: لا تفتنِّي؛ لأنِّي إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي، وقيل: "نزلت في جد بن قيس المنافق وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا تجهَّز لغزو تبوك، قال له: يا أبا وهب، هل لك في جلاد بني الأصفر؟ يعني: الروم - تتخذ منهم سراري ووصفاء فقال جدُّ: يا رسول الله، لقد عرف قومي أني رجل مغرمٌ بالنِّساءِ، وإنِّي أخشى إن رأيت بنات الأصفر ألاَّ أصبر عنهنَّ، ائذن لي في القعود، ولا تفتنِّي بهنّ، وأعينكم بمالي.
قال ابن عباسٍ: اعتلَّ جدُّ بن قيس، ولم تكن علته إلا النفاق، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك، فأنزل الله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي} الآية."
قوله: {أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} أي: في الشّرك والإثم وقعوا بنفاقهم، وخلافهم أمر الله ورسوله.
وفي مصحف أبي "سَقَطَ" لأنَّ لفظة "مِنْ" موحد اللفظ، مجموع المعنى، وفيه تنبيه على أنَّ مَنْ عصى الله لغرض، فإنَّهُ تعالى يبطل عليه ذلك الغرض؛ لأنَّ القوم لمَّا اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، بيَّن اللهُ تعالى أنهم واقعون ساقطون في عينِ الفتنة - ثم قال {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} مطبقة عليهم.
قوله: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ} نصر وغنيمة "تَسُؤهُمْ" تُحزنهم، يعني المنافقين {وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} نكبة وشدة ومكروه، يفرحوا، و {يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} أي: حذرنا، "ويتَولَّوا" يدبروا عن مقام التحدث بذلك إلى أهليهم {وَّهُمْ فَرِحُونَ} مسرورون.
ونقل عن ابن عبَّاسٍ "أنَّ الحسنة في يوم بدرٍ، والمصيبة في يوم أحدٍ، فإن ثبت أنَّ المراد هذا بخبر وجب المصير إليه، وإلاَّ فالواجب حمله على كل حسنة، وعلى كل مصيبة".
قوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ} قال عمر بن شقيق: سمعت "أعين" قاضي الرَّيِّ يقرأ "لن يُصيبنَّا" بتشديد النون.
قال أبُو حاتمٍ: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ النُّونَ لا تدخلُ مع "لَنْ"، ولو كانت لطلحة بن مصرف، لجاز، لأنها مع "هل"، قال الله تعالى
{ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ } [الحج:15].
يعني أبو حاتم: أنَّ المضارع يجوز توكيده بعد أداة الاستفهام، وابن مصرف يقرأ "هَلْ" بدل "لَنْ"، وهي قراءة ابن مسعود. وقد اعتذر عن هذه القراءة بأنَّها حملت "لن" على "لم" و "لا" النافيتين، و "لم" و "لا" يجوز توكيد الفعل المنفيِّ بعدهما.
أمَّا "لا" فقد تقدم تحقيق الكلام عليها في الأنفال. وأما "لم" فقد سمع ذلك فيها؛ وأنشدوا: [الرجز]

2792- يَحْسَبُهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا شَيْخاً عَلَى كُرسيِّهِ مُعَمَّمَا

أراد: "يَعْلمَنْ" فأبدل الخفيفة ألفاً بعد فتحة، كالتنوين. وقرأ القاضي أيضاً، وطلحة "هَلْ يُصَيِّبنا" بتشديد الياء. قال الزمخشريُّ: ووجهه أن يكون "يُفَيْعِل" لا "يُفَعِّل" لأنَّهُ من ذوات الواو، كقولهم: الصَّواب، وصَابَ يَصوبُ، ومَصَاوب، في جمع "مصيبة" فحقُّ "يُفَعِّل" منه "يُصَوِّب"، ألا ترى إلى قولهم: صوَّب رأيه، إلاَّ أن يكون لغة من يقول: صَابَ السَّهْمُ يصيبُ؛ كقوله: [المنسرح]

2793-............................. أسْهُمِيَ الصَّائِبَاتُ والصُّيُبُ

يعني: أن أصله "يُصَوْيب" فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغم فيها. وهذا كما تقدم في "تَحَيَّزَ" أنَّ أصله "تَحَيْوزَ"، وأمَّا إذا أخذناه من لغة من يقول: صَاب السَّهم يصيب، فهو من ذوات الياء فوزنه على هذه اللغة "فَعَّل".
فصل
المعنى: قل لهم يا محمد {لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} أي: علينا، وقدره في اللوح المحفوظ، أو يكون المعنى "لنْ يُصيبنَا إلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَنَا" أي: في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو، والاستيلاء عليهم. وقال الزجاج: المعنى: إذا صرنا مغلوبين، صرنا مستحقين للأجر العظيم، والثَّواب الكثير، وإن صرنا غالبين، صرنا مستحقين للثواب في الآخرة وفزنا بالمال الكثير، والثناء الجميل في الدنيا والصحيح الأول.
ثم قال: "هُوَ مَوْلاَنَا" ناصرنا، وحافظنا. قال الكلبي "هو أوْلَى بنا من أنفسنا، في الحياة والموت". {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وهذا كالتنبيه على أن حال المنافقين بالضد من ذلك، وأنهم لا يتوكلون إلا على الأسباب الدنيوية الفانية.
فصل
{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} الآية.
هذا الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، أي: "هَلْ تَربَّصُونَ"، أي: تنتظرون، "بنا" أيها المنافقون، {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} إمَّا النصر والغنيمة، فيحصل لنا الفوز بالأموال في الدنيا والنصر، والفوز بالثواب العظيم في الآخرة، وإمَّا الشهادة، فيحصل لنا الثواب العظيم في الآخرة.
قوله: {إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} مفعول "تربَّص"، فهو استثناء مفرغ. وقرأ ابن محيصنٍ: "إلاَّ ٱحْدَى" بوصل ألف "إحدى"؛ إجراءً لهمزة القطع مجرى همزة الوصل؛ فهو كقول الشاعر: [الرجز]

2794- إنْ لَمْ أقَاتِلْ فالبسُونِي بُرقَعَا

وقول الآخر: [الكامل]

2795- يَا بَا المُغيرةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ فرَّجْتهُ بالمكْرِ مِنِّي والدَّهَا

قوله: {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} إحدى السوأتين إمَّا {أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ} فيهلككم كما أهلك تلك الأمم الخالية، {أَوْ بِأَيْدِينَا} أي: بأيدي المؤمنين، إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق، فيقع بكم القتلِ والنَّهب مع الخزي والذلّ، ومفعول: التربص "أَن يُصِيبَكُمُ" ثم قال: "فَتَرَبَّصُوۤاْ" أي: إحدى الحالتين الشريفتين "إِنَّا معكم مُّتربصونَ" أي: مواعيد الله من إظهار دينه، واستئصال من خالفه، فقوله: "فَتَرَبَّصُوۤاْ" وإن كان صيغة أمر، إلاَّ أنَّ المراد منه: التهديد، كقوله: { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } [الدخان:49].
قوله تعالى: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْها} الآية.
"طوعاً، أو كرهاً" مصدران في موضع الحال، أي: طائعين، أو كارهين. وقرأ الأخوان "كُرهاً" بالضَّمِّ، وقد تقدم تحقيقُ ذلك في النساء. وقال أبُو حيان هنا: "قرأ الأعمش وابن وثاب "كُرهاً" بضم الكاف". وهذا يُوهم أنَّها لم تُقْرأ في السبعة. قال الزمخشري: هو أمرٌ في معنى الخبر، كقوله:
{ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً } [مريم:75]، ومعناه لن يُتقبَّل منكم؛ أنفقتم طوعاً أو كرهاً، ونحوه قوله تعالى: { ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [التوبة:80]؛ وقول كثير عزة: [الطويل]

2796- أسيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَة ...............................

أي: لن يغفر اللهُ، استغفرت لهم، أو لم تستغفر. ولا نلومُكِ أحسنتِ إلينا، أم أسَأتِ؛ وفي معناه قول القائل: [الطويل]

2797- أخُوكَ الذي إنْ قُمْتَ بالسَّيفِ عَامِداً لِتضْربَهُ لَمْ يَسْتغشَّكَ في الوُدِّ

وقال ابن عطيَّة "هذا أمرٌ في ضمنه جزاءٌ، والتقدير: إنْ تنفقوا لن يُتقبَّل منكم. وأمَّا إذا عَرِي الأمرُ من الجواب فليس يصحبه تضمُّنُ الشَّرط" قال أبُو حيَّان "ويقَدْح في هذا التَّخريجِ، أنَّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط، كان الجواب كجواب الشرط. فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب: "فلن يتقبل" بالفاء، لأنَّ "لَنْ" لا تقعُ جواباً للشَّرط إلاَّ بالفاء فكذلك ما ضُمِّنَ معناه؛ ألا ترى جزمه الجواب، في قوله: اقصد زيداً يُحْسِنْ إليكَ".
قال شهابُ الدِّينِ "إنَّما أراد أبو محمد تفسير المعنى، وإلا فلا يجهلُ مثل هذه الواضحات، وأيضاً فلا يلزمُ أن يعطى الأمر التقديري حكم الشَّيء الظاهر من كل وجه".
وقوله: "إنَّكمُ" وما بعده جارٍ مجرى التعليل. وقوله: {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} يحتملُ أن يكون المراد أن الرسُول - عليه الصلاة والسلام - لا يتقبل تلك الأموال منهم، ويحتملُ أن يكون المراد أنها لا تصير مقبولة عند الله تعالى.
قيل: نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، وقال: أعينكم بمالي، والمرادُ بالفسق هنا: الكفر، لقوله بعده
{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ } [التوبة:54].