التفاسير

< >
عرض

وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٦
لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ
٧
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨
-يوسف

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما علم يعقوب عليه الصلاة والسلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال: {وكذلك} أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، ومثل ما اجتباك لها {يجتبيك} أي يختارك ويجمع لك معالي الأمور {ربك} المربي لك بالإحسان للملك والنبوة {ويعلمك من} أي بعض {تأويل الاحاديث} من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية، لأن الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه المعنى، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول إليه أمره مما عليه معتمد فائدته، وأكثر استعماله في الرؤيا {ويتم نعمته} بالنبوة {عليك} بالعدل ولزوم المنهج السوي {وعلى آل يعقوب} أي جميع إخوتك ومن أراد الله من ذريتهم، فيجعل نعمتهم في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة، لأنه عبر عنهم في هذه الرؤيا بالنجوم المهتدي بها، ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر وشرف، وإضافته مقصورة على إعلام الناطقين، قال الراغب: وأما آل الصليب إن صح نقله فشاذ، ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل {كما أتمها على أبويك}.
ولما كان وجودهما لم يستغرق الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل هذا الزمان؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال: {إبراهيم} أي بالخلة وغيرها من الكرامة {و} ولده {إسحاق} بالنبوة وجعل الأنبياء والملوك من ولده، وإتمام النعمة: الحكم بدوامها على خلوصها من شائب فيها بنقصها.
ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع الأسباب ليقام منها ما يصلح، والحكمة التي بها يحكم ذلك السبب عن أن يقاومه سبب غيره، وكان السياق بالعلم أولى لما ذكر من علم التأويل مع ما تقدم من قوله آخر تلك
{ { ولله غيب السماوات والأرض } [هود: 123] الآية وما شاكل ذلك أول هذه، قال: {إن ربك عليم} أي بليغ العلم {حكيم *} أي بليغ الحكمة، وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها.
ولما كان ذلك، توقع السامع له ما يكون بينه وبين إخوته هل يكتمهم الرؤيا أو يعلمهم بها؟ وعلى كلا التقديرين ما يكون؟ فقال جواباً لمن كأنه قال: ما كان من أمرهم؟ - مفتتحاً له بحرف التوقع والتحقيق بعد لام القسم تأكيداً للأمر وإعلاماً بأنه على أتقن وجه -: {لقد كان} أي كوناً هو في أحكم مواضعه {في يوسف وإخوته} أي بسبب هذه الرؤيا وما كان من تأويلها وأسباب ذلك {آيات} أي علامات عظيمة دالات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما تضمنته القصة {للسائلين *} أي الذين يسألون عنها من قريش واليهود وغيرهم، وآيات عظمة الله وقدرته في تصديق رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام ونجاته ممن كاده وعصمته وإعلاء أمره، والمراد بإخوته هنا العشرة الذين هم من أبيه وهم: روبيل وشمعان - بمعجمة أوله، ولاوي، ويهوذا، وزيلون - بزاي وموحدة، وإيساخار، بهمزة مكسورة وتحتانية وسين مهملة وخاء معجمة، ودان - بمهملة، وجاد بجيم. بينها وبين الكاف، وآشير - بهمزة ممدودة وشين معجمة ثم تحتانية ومهملة. ونفتالي - بنون مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقانية ولام بعدها ياء. وشقيقه بنيامين - بضم الموحدة، هكذا ذكرهم في التوراة، وحررت التلفظ بهم من العلماء بها، وقد تقدم ذلك في البقرة بزيادة. والآية: الدلالة على ما كان من الأمور العظيمة، ومثلها العلامة والعبرة، والحجة أخص منها، لأنها معتمد البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى الذي فيه أعجوبة.
ولما تقرر ذلك، ابتدأ بذكر الآيات الواقعة في ظرف هذا الكون فقال: {إذ قالوا} أي كان ذلك حين قال الإخوة بعد أن قص الرؤيا عليهم وسوّل لهم الشيطان - كما ظن يعقوب عليه الصلاة والسلام - مقسمين دلالة على غاية الاهتمام بهذا الكلام، وأنه مما حركهم غاية التحريك، أو هي لام الابتداء المؤكدة المحققة لمضمون الجملة {ليوسف وأخوه} أي شقيقه بنيامين {أحب} وحددا لأن أفعل ما يستوي فيه الواحد وما فوقه مذكراً كان أو مؤنثاً إذا لم يعرف أو يضف {إلى أبينا منا} أي يحبهما أكثر مما يحبنا؛ والحب: ميل يدعو إلى إرادة الخير والنفع للمحبوب بخلاف الشهوة، فإنها ميل النفس ومنازعتها إلى ما فيه لذتها {و} الحال أنا {نحن عصبة} أي أشداء في أنفسنا ويشد بعضنا بعضاً، وأما هما فصغيران لا كفاية عندهما؛ والعصبة من العشرة إلى الأربعين، فكأنه قيل: فكان ماذا؟ - على تقدير أن يكونا أحب إليه، فقالوا مؤكدين لأن حال أبيهما في الاستقامة والهداية داع إلى تكذيبهم: {إن أبانا لفي ضلال} أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك {مبين *} حيث فضلهما علينا، والقرب المقتضي للحب في كلنا واحد، لأنا في البنوة سواء، ولنا مزية تقتضي تفضيلنا، وهي أنا عصبة، لنا من النفع له والذب عنه والكفاية ما ليس لهما؛ قال الإمام أبو حيان: وأحب أفعل التفضيل، وهو مبني من المفعول شذوذاً، ولذلك عدي بـ " إلى" لأنه إذا كان ما تعلق به فاعلاً من حيث المعنى عدي إليه بـ "إلى" وإذا كان مفعولاً عدي إلية بـ "في"، تقول زيد أحب إلى عمرو من خالد، فالضمير في "أحب" مفعول من حيث المعنى، وعمرو هو المحب، وإذا قلت: زيد أحب في عمرو من خالد، كان الضمير فاعلاً وعمرو هو المحبوب، ومن خالد - في المثال الأول محبوب، وفي المثال الثاني فاعل، قال: والضلال هنا هو الهدى - قاله ابن عباس رضي الله عنهما - انتهى.